باريس ـ «القدس العربي»: منذ انطلاق كأس الأمم الأفريقية عام 2025 بالمغرب، تحوّل المشجع الكونغولي ميشال كوكا مبولادينغا إلى ظاهرة إعلامية وشعبية، بعدما اختار أن يشجع منتخب بلاده واقفًا دون حركة طوال التسعين دقيقة، مجسدًا شخصية الزعيم التاريخي باتريس لومومبا.
من بعيد، لا يمكن تجاهله.. ببدلته الصفراء الزاهية، وذراعه اليمنى المرفوعة في وضعية ثابتة، خلال 90 دقيقة، يقف ميشال كوكا مبولادينغا وسط مدرجات الملاعب وكأنه تمثال حيّ. فداخل مدرجات ملعب الرباط، كانت العيون شاخصة نحوه أكثر مما كانت على المستطيل الأخضر. جسده الساكن وسط أمواج من الرقص والهتاف خلق مشهدًا بصريًا نادرًا، سرعان ما انتشر عبر مقاطع الفيديو على منصات التواصل الاجتماعي، ليصبح رمزًا غير رسمي لهذه النسخة من البطولة.
فرسالته تتجاوز كرة القدم، كون حضوره يحمل بعدًا سياسيًا وتاريخيًا، حيث إن لقبه «لومومبا» ليس صدفة، بل هو تكريم لأول رئيس وزراء للكونغو الديمقراطية وأحد رموز التحرر من الاستعمار البلجيكي عام 1960. فوضعيته الشهيرة، والذراع الممدودة نحو السماء، تحاكي تمثال لومومبا القائم في كينشاسا عند ضريحه، في إشارة واضحة إلى الاعتزاز بالهوية والذاكرة الوطنية.
بالنسبة لمشجعي منتخب «الفهود» الكونغولية، أصبح كوكا مصدر فخر. كما أن الطبول تقرع وتُرفع الأهازيج على إيقاع اسمه في تجمعات المشجعين خارج الملاعب، بينما يرفع الحاضرون أذرعهم محاكين وضعيته الشهيرة.
غير أن هذه الشهرة العالمية المفاجئة التي اكتسبها في غضون بضعة أيام لم تكن سهلة عليه كما يروي ميشال كوكا مبولادينغا، حيث صرح لوسائل إعلام عديدة بأنه لم يعد قادرًا على الخروج من الفندق بسهولة بسبب تزاحم الجماهير ووسائل الإعلام لالتقاط الصور وإجراء المقابلات. لكنه لم ينكر أن الأمر «يمنحه فخرًا كبيرًا، ويشعره أنه يُمثل بلده أينما ذهبت».
ورغم إقصاء منتخب الكونغو الديمقراطية أمام الجزائر في الدور ثمن النهائي، بقي كوكا واحدًا من أبرز نجوم البطولة خارج المستطيل الأخضر. لحظات بكائه بعد الخسارة عكست عمق ارتباطه بالمنتخب وبالرسالة التي يحملها.
لم تمر ظاهر «لومومبا- المدرجات» مرور الكرام.. حيث كرمته وزارة الرياضة في بلده بمنحه سيارة تقديرًا لدوره في الترويج لصورة الكونغو الديمقراطية. كما تلقى إشادة من الاتحاد الجزائري لكرة القدم، وتلقى هدايا رمزية من لاعبي المنتخب الجزائري، بعد أن سخر منه أحد لاعبي المنتخب الجزائري مقلدا إياه بشكل أثار موجة من الانتقادات. ووفق وسائل إعلام محلية، فقد تمت دعوته كذلك لحضور المباراة النهائية للبطولة يوم 18 كانون الثاني/يناير الجاري.
فبينما يكتفي ميشال كوكا مبولادينغا، البالغ من العمر 49 عاما، بوصف نفسه بأنه «فنان ومنشّط»، لكنه بات في نظر العديد من الجماهير من حول العالم أيقونة مدرجات، ورسالة صامتة تختصر التاريخ والهوية، وحب الوطن في وقفة ثابتة لا تتحرك.