الأردن: استثمارات الضمان الاجتماعي بين «ثلاثية» التكنوقراطي – الإلكتواري والسياسي

بسام البدارين
حجم الخط
0

يبقى ملف استثمارات الضمان الاجتماعي معلقا ما دامت المشاريع الاقتصادية الجديدة تصر على استقطاب مؤسسة الضمان الاجتماعي بسبب موجوداتها المالية المتاحة للحكومات تحت طائلة الضغط السياسي.

عمان ـ «القدس العربي»: يلتقط رئيس مجلس الأعيان الأردني فيصل الفايز ما هو جوهري في المفارقة عندما ينصح مجددا نخبة من المسؤولين الكبار عن استثمارات مؤسسة الضمان الاجتماعي باطلاع المواطنين على الوضع المالي لهذه المؤسسة الحيوية والمهمة.
ذلك بحد ذاته إقرار ضمني بجزئيتين أساسيتين، الأولى أن الرأي العام لديه مخاوف مرتبطة بسؤال قديم في الواقع يعيد اختصاره المحلل الاقتصادي المعروف الدكتور أنور الخفش: كيف يدير الضمان الاجتماعي استثماراته؟
والجزئية الثانية: المسؤول الأساسي الذي استقطب لإدارة استثمارات الضمان الاجتماعي وهو عمر ملحس ووزير المالية الأسبق يتمتع بحضور ومصداقية كبيرة مهنيا وبيروقراطيا، لكن يبدو أنه لم يحقق نسبة نجاح مرتفعة في طمأنة الجمهور رغم إطلالته المصورة التي شرح فيها الاعتبارات الاستثمارية.
الوزير السابق ملحس تكنوقراطي بامتياز ودعم تجربة التحديث الحزبية مؤخرا بحضوره، والانطباع مرجح بأن زاوية ضيقة مثل شرح التفاصيل بهدف طمأنة الرأي العام على أموال الضمان الاجتماعي التي تعتبر حصرا أموال الناس تحتاج لسياسي وليس لتكنوقراطي فقط.
المعنى هنا: التكنوقراطي مهم للحكومة وليس للشارع لأنه ينفذ الأجندة المطلوبة بحرفية وامتياز، فيما مسؤولية الشرح والتفصيل لا تناط بالتكنوقراطيين بالعادة في الملفات ذات الأثر السياسي وتحديدا على الجمهور، الأمر الذي يبرز أهمية تولي هذه المهمة وزير العمل في الحكومة وهو برلماني سابقا وحزبي عريق يفترض أنه يمتلك المهارات اللازمة للخطاب العام.
لسبب غير مفهوم بعد تركت مهمة طمأنة الرأي العام على استثمارات وأموال الضمان الاجتماعي للمستوى الفني التكنوقراطي، فيما الطاقم الوزاري الاقتصادي-السياسي في الحكومة أسقط حساب المهمة السياسية في المشهدية لصالح الفنية. ولسبب غير مفهوم أيضا برزت قرائن على أن الحكومة في الواجب التثقيفي الجماهيري في الحد الأدنى لم يعرف بعد ما إذا كانت تقصدت التزامن ما بين خطاب الشراكة الاستثمارية مع مؤسسة الضمان الاجتماعي وبين الإفصاح عن الدراسة الإكتوارية التي أنذرت بالخطر بعد عدة سنوات حيث تصبح واردات مؤسسة الضمان الاجتماعي مساوية لالتزاماتها المالية للمشتركين.
وفيما لم يجف بعد حبر تلك الدراسة الإكتوارية الأصولية استندت الحكومة على زبونها وشريكها الأهم وهو الضمان الاجتماعي في ترويج مشروعها العقاري الجديد باسم مدينة عمره التي ستقام على قطعة صحراء شرقي العاصمة ضمن حزمة مشاريع قال رئيس الوزراء إن عطاءاتها ستطرح في العام 2026 وقيمتها قد تصل إلى 10 مليارات دينار.
هذا التزامن الثلاثي الغامض بين شروحات ملحس وتوصيات الدراسة الإكتوارية ثم الإعلان عن مدينة عمره وحصة استثمارات الضمان الاجتماعي فيها، يشكل لغزا سياسيا أبعد من السياق التكنوقراطي، يظهر مجددا المفارقة التي أشار لها علنا قبل عدة أسابيع الكاتب الصحافي الخبير أحمد سلامة عندما تحدث عن فاتورة الميل إلى النخبة التكنوقراطية على حساب الزعامات الوطنية والسياسية.
هل تقصدت الحكومة ذلك التزامن؟
سؤال من الصعب تحصيل إجابة عليه ظرفيا الآن. ولعل طرح هذا السؤال على مستوى الخبراء والرأي العام هو الذي مثل الدافع أمام شخصية من وزن الرئيس فيصل الفايز للتقدم بنصيحة فكرتها التحدث بصراحة وإطلاع الناس عموما بمعنى طمأنة الجمهور على الوضع المالي للمؤسسة.
في مفارقات التزامن ذاته تخرج للجمهور فتوى من صندوق النقد وهو يعلق على نتائج الدراسة الإكتوارية ملمحا لارتفاع منسوب المخاطر والحاجة إلى مشاركة مؤسسة الضمان الاجتماعي باستثمارات آمنة ومحسوبة تجنبا للأزمة التي يمكن أن تظهر عام 2050 بموجب البحث الإكتواري حين تصبح التزامات الضمان تجاه المشتركين أكبر من موارده المالية.
هنا حصرا خططت الحكومة في الواقع لتبرير حماسها لمشاركة الاستثمارات التابعة للضمان الاجتماعي في مشروع مدينة عمره العقارية. لكن النتائج والتداعيات كانت معاكسة بسبب ندرة ثقة الجمهور عموما بصندوق النقد الدولي وتقييماته التي أقل ما توصف به أنها غير وطنية وغير أردنية. لذلك نصيحة الرئيس الفايز يتوجب أن تتوقف عندها الحكومة بدون شكوك.
ومع عدم وجود تقنية أو وسيلة لتفحص جزئية الأمن في الاستثمار سيستمر الرأي العام بمراقبة التفاصيل، لأن الأرقام التي ترددها الحكومة برأي الخفش تعوزها الدقة والبعد العملي والعملياتي، فيما التخطيط الاقتصادي له قواعد وأسس مفهومة ومعروفة.
ولا يرتبط بالتوقعات والاسترسال في التقييم على أساس رقمي قد تخفق دلالاته مستقبلا قياسا بحجم الاضطراب الذي يعيشه الاقتصاد العالمي وتعيشه اقتصاديات المنطقة أيضا.
لذلك يبقى ملف استثمارات الضمان الاجتماعي معلقا ما دامت حيثيات مدينة عمره الجديدة قيد الاستفسار والسؤال المنهجي، وما دامت المشاريع الاقتصادية الجديدة تصر على استقطاب مؤسسة الضمان الاجتماعي قبل أي جهة أخرى بسبب موجوداتها المالية المتاحة للحكومات تحت طائلة الضغط السياسي. وهو الأمر الذي يستمر في إثارة النقاشات والجدل وإنتاج المزيد من الأسئلة للإجابة على استفسارات أجوبتها منقوصة عمليا وفي كل الأحوال.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية