رؤساء الأحزاب العربية ينقسمون فيما بينهم حول مسألة الشكل الذي يجب أن يتنافسوا فيه في الانتخابات الكنيست القادمة، كما كتب هنا رفيف دروكر. يعتقد رئيس “تاعل”، أحمد الطيبي، وجوب إعادة القائمة المشتركة، فهي الخطوة التي تثير الحماسة وتؤدي إلى ارتفاع نسبة التصويت في الوسط العربي.
رئيس “راعم”، منصور عباس، في المقابل، يفضل خطوة مختلفة: التنافس في قائمتين مستقلتين: “حداش” و”بلد” و”تاعل” في قائمة، و”راعم” في قائمة مستقلة. هذا الأمر سيحفظ لـ “راعم” هويتها السياسية كحزب وطني معتدل، ما سيزيد من احتمالية تكرار التحالف الائتلافي بينها وبين حكومة التغيير في 2020. إذا تنافست “راعم” في إطار القائمة المشتركة، إلى جانب “بلد”، فيضفي عليها صبغة أكثر تشدداً، ويثني الأحزاب الصهيونية عن التعاون معها.
هل يمكن تسوية الأمر والتوصل إلى حل وسط بشأن السياسة العربية الآنية؟ هل هناك طريقة لإعادة تشكيل القائمة المشتركة، وتحويل إمكانية تعاون حكومة الإصلاح مع ممثلي الجمهور العربي إلى أمر واقعي؟ الحقيقة أنه من ناحية نظرية، فإن حل هذه المشكلة يبدو واضحاً: يجب تأسيس القائمة المشتركة الجديدة على قاعدة فكرية – سياسية جديدة، تعكس توجهاً أيديولوجياً وطنياً جديداً، الذي يقترح منصور عباس الدفع المضي به في السياسة العربية.
في أوساط الجمهور العربي – الفلسطيني، وفي أوساط جزء من اليسار، سيكون هناك من لا يوافقون على موقف عباس كتعبير عن توجه وطني أصيل. جدعون ليفي يعتقد أن عباس يقول أشياء يحب الإسرائيليون سماعها (“هآرتس”، 25/12). فهو يظهر -حسب ليفي- كأحد “العرب الجيدين”، الذين سيهتمون فقط بـ “الجريمة، والمجاري وتقديم الولاء لدولة التمييز اليهودية”.
إن انتقاداً من هذا النوع غير مقنع. منصور عباس، بدرجة لا تقل عن زعماء الجمهور العربي الآخرين الذين هم شركاؤه السابقون في القائمة المشتركة، يمثل موقفاً وطنياً شجاعاً. عملياً، هو يطرح بديلاً وطنياً – سياسياً مرناً ومركباً لخط وطني متشدد وجامد، يوجه الخطاب السياسي للقائمة المشتركة والمتحدثين باسم الأقلية الوطنية الفلسطينية في إسرائيل.
هذا الخط، المصوغ في وثائق رؤية العرب الفلسطينيين في إسرائيل في الأعوام 2006 و2007، يميل إلى التأكيد على المكون الكولونيالي للصهيونية مع تجاهل بعدها الوطني. وهكذا، يغلق المجال أمام أي إمكانية للحوار مع الأغلبية الساحقة من اليهود الإسرائيليين الذين يؤيدون الديمقراطية والمساواة من بينهم، الذين يعتبرون الصهيونية العنصر الرئيسي في هويتهم الجماعية.
الخطاب القومي – المدني المستمد من وثائق الرؤية يطرح تبايناً ثنائياً حاداً بين “الدولة اليهودية” و”دولة جميع مواطنيها”، وما دام إلغاء الهوية اليهودية لدولة إسرائيل مهمة طوباوية، فإنه يترتب على ذلك أن النضال من أجل المساواة المدنية الكاملة في إسرائيل نضال غير واقعي. هكذا، بدلاً من محاولة طرح نضال فلسطيني يهودي مشترك من أجل الديمقراطية والمساواة في إطار معايير سياسية واقعية – موافقة مبدئية على “الدولة اليهودية” كحقيقة – فإن معظم الأحزاب العربية اختارت موقفاً لا يمكن ترجمته إلى فعل واقعي ومجدي في الساحة السياسية.
منصور عباس في المقابل، مستعد لإعطاء فرصة – ربما الأخيرة – للنضال من أجل طابع المساواة والديمقراطية في الدولة اليهودية. وخلافاً لأقوال ليفي، لا ينوي منصور عباس التسليم بـ “دولة التمييز اليهودية”، لكنه يؤمن بإمكانية إصلاح تدريجي داخلي – قومي للدولة اليهودية بروحية المساواة وتقبل الآخر.
لا خلاف حول أن المفهوم الوطني الفلسطيني المدني الذي يقوم على وثائق الرؤية قد ساهم في تعزيز الهوية والثقة بالنفس والتفاخر الوطني الجماعي لأقلية قومية مضطهدة، ولكنه سياسياً لم يحقق إلا إنجازات محدودة، هذا إذا لم تكن معدومة. بل على العكس؛ نظراً للتوافق المبدئي بينه وبين المفهوم اليميني العنصري الذي ينفي إمكانية قيام دولة يهودية مساواتية، لا بد من الاعتراف بأن السياسة العربية الفلسطينية في إسرائيل في السنوات الأخيرة عززت موقف اليمين القومي على أشكاله.
في اللحظة التي يتضح فيها أن استراتيجية سياسية معينة لا تحقق النتائج المطلوبة، فمن الطبيعي أن يتم فحص تبني استراتيجية سياسية مختلفة. بصورة ملموسة، كان من الأفضل التفكير في الخطوات التالية: الأولى، إعادة تشكيل القائمة المشتركة برئاسة منصور عباس. الثانية، إعلان أن القائمة المشتركة الجديدة ترفض قانون القومية وتقف علناً خلف مبادئ وثيقة الاستقلال. في هذا السيناريو، ستحدث القائمة المشتركة الجديدة ثورة حقيقية في السياسة الإسرائيلية، لأنها ستجد نفسها في موقف ريادي للنضال من أجل تغيير صورة إسرائيل بالاتجاه المدني – الديمقراطي.
للأسف، يصعب تخيل تطبيق هذا السيناريو قبل الانتخابات القادمة. ولكن لا شك أن تغيير الاتجاه من هذا النوع في السياسة العربية – الفلسطينية في إسرائيل، يجب طرحه لنقاش جدي وعميق في أوساط الجمهور العربي.
ديمتري شومسكي
هآرتس 8/1/2026