«طائر تخطئه الطلقات» مجموعة الشاعر السعودي محمد الدميني: بين شعريتين في رصد المتخيل النموذجي

عادل ضرغام
حجم الخط
0

في ديوان «طائر تخطئه الطلقات» للشاعر السعودي محمد الدميني يجد القارئ نصوصا شعرية تطلّ على العالم من لحظة التامل المشبعة بالرمادي المتبقّي من الاشتعال السابق. فهي نصوص مقهورة أقرب إلى الصمت، تتوجّه لمعاينة المآلات ونتائج الصراع بين الذات الواقع في طريقها لتحقيق الأحلام والصور المتخيلة أو للتماثيل التي تؤسسها وتنحتها لنفسها، لتكشف عن ذات تعلن هزيمتها بالانكماش داخل حدود مسيّجة بسلطة هذا الواقع وقدرته على التطويع والتنميط، وليس لديها قدرة على تأسيس الصراع أو النزال أو الاستمرار فيه، وتحمّل تبعاته، هي فقط تعاين منجزها أو تأثير حضورها الهشّ وغير الملموس في إطار استراتيجية مغايرة للفعل المؤسس على الخنوع دون تبرّم أو ثورة قديمة تلحّ في الخلفية.
الكتابة الشعرية في نصوص الديوان في ظلّ ذلك، مهمومة بالمعاينة والرصد أكثر من اهتمامها بإسدال أو إنجاز فاعلية، فهي تطل في لحظة ما، لتأمل ماضيها، وما صنعته في بداية وعيها من أشكال وتماثيل تخيلتها على البعد، لكنها ظلّت بعيدة، ولم تقترب منها قيد ذراع. وتأمل الموجود أو النتيجة يشير إلى كائنات لا تخلو من تشويه لنماذج بارقة في البداية، كانت في أصل وجودها مملوءة بالحركة والقدرة والفاعلية، وباليقين في القدرة على الوصول والإنجاز.
إن ما يخلفه لنا الوجود بعد رحلة الصراع يباين ما أسّسناه خيالا في لحظات أولى سابقة، وقد أدّى الانطلاق من لحظة التأمل أن يتزيّا النص الشعري في الديوان بسمات خاصة تعتمد على مراقبة الذات، وهي ملتحمة بالوجود في تجليات عديدة. وفي إطار ذلك تتحوّل الذات إلى وجود منفصل، يمكن مراقبته في تجلياته وتحولاته وامتداداته دون تحيّز، لأنها – أي الذات – تتحول إلى موضوع يستدعي التأمل، والوعي بالتحوّلات التي تمرّ بها من بدايتها المتوثّبة إلى نهايتها المؤسسة داخل القصور الذاتي.
توجهنا النصوص – بالرغم من البساطة التركيبية الخادعة التي تختلف حتما عن السهولة – إلى التعامل بحذر مع هذه الشعرية أو التراكيب التي قد تبدو بسيطة، لأنها في الغالب تراكيب محمّلة بالترميز، وموحية بدلالات معرفية لها قيمتها.
فهي تراكيب أو كلمات تمثل في بنيتها الشعرية حفرا داخل التاريخ الثقافي للذات التي لا ينفصل عن المجموع بتاريخه وسياقاته الثقافية والفكرية. فالوقوف عند الدلالات الثقافية لبعض الألفاظ في نصوص الديوان الشعرية، يصل بالقارئ إلى فهم يقوم على الإحلال والإضافة، وعلى التخلية والنفي في مقابل الشحن والتأسيس لدلالات جديدة.
في بعض النماذج والتراكيب هناك نفي واستبعاد لدلالات سلبية مؤسسة، وفي الوقت ذاته تشييد لدلالات جديدة، فصورة (الغراب) لا تقف عند حدود الصورة النمطية المعهودة في سياقنا الثقافي والأسطوري، بل تكتسب دلالات تجعل هذا الطائر مجسّدا على الحافة بين الموت والميلاد، وبين الإنسان والشاعر حين يتفكك التلاحم والتداخل بينهما، ويحدث هناك تغييب أو موت لقسيم، وحضور وهيمنة للآخر. وكذلك كلمة (الهواجس) لا نجد لها في مرات تكرارها في النصوص المعنى السلبي المكروه، وإنما يصبح المعنى مرتبطا بحدود المنحى الفكري الذي يؤسس لها وجودا دلاليا خاصا.
تكتسب الهواجس في النصوص معنى إيجابيا من ارتباطها المستمرّ بسلطة المتخيل والأحلام، ويصبح انعتاق الذات من الحلم أو من الكوابيس في لحظة زمنية تالية كاشفا عن تغيير في ملامح الشعرية، ووصولها إلى الحركة المسيّجة بالقصور الذاتي غير المؤثر أو الفاعل، فتغدو شعرية عاجزة أو ساكنة.
فالهواجس وفق هذ الفهم تمثل علامة صحة، لأنها انشغال بسلطة القادم الغيبي أو المتخيل، وحضورها بشكل دوري لا يكشف إلا عن رغبة في التجذّر في ساحة الصراع مع العالم بدلا من التسليم، حيث يحمل وجودها – وإن كان يشير إلى نوع من القلق للذات- إصرارا على الانتصار، وعلى التمسك بسلطة القيم وسلطة المثل المطروحة من البداية للتحقيق.

الذات وطبقات الحضور

تبدو النصوص الشعرية الحديثة – خاصة النصوص النثرية – نصوصا متعددة المناحي المعرفية، فهي ليست نصوصا أحادية التوجّه، وتتسم بسمة أخرى ترتبط بالتراكم، فهناك طبقات دلالية عديدة لهذه النصوص يمكن استجلاؤها، بل يمكن الإشارة إلى أن الطبقة الواحدة قد تحتوي على مكونات عديدة متجاوبة أو متباينة. والوقوف على منحى أو طبقة منها يظلّ مشدودا للمناحي وللطبقات الأخرى، ولا يكفّ عن الإشارة إليها. تتمدد هذه المناحي وكأنها تشكل قطاعا طوليا كاشفا عن الرحلة الذاتية بمرتكزاتها وملامحها المؤثرة. في نصّ «عصافير» نحن أمام تصوير شعري شديد الخصوصية (لليل) و(النهار)، ليس بوصفهما وسيلتين لقياس الزمن، ولكن بوصفهما معادلين للسعي والقياس، سعي للاقتراب من النموذج المتخيل، قياس ما يعتور الصورة المتخيلة للذات بمرور الزمن من إضافة أو محو أو تشويه.
النهار مساحة للسعي، والليل مساحة للمهادنة والتأمل وإعادة الشحن للمنجز الخاص بالسعي النهاري. والنصوص الشعرية لا تقارب هذا التصوّر بشكل بسيط، بل بشكل مركّب شديد التعقيد. ولكن تأمّل بعض الألفاظ والدلالات الشعرية المختزنة على امتداداها يؤسس انطلاقا جديدا في معاينة النص، وكشف مساحات ترميزه التي قد تبدو هادئة وبسيطة، ولكن وراء هذا البساطة تأطيرا خاصا للفكرة وللمنحى المعرفي. فحين يقول النص الشعري «كن رفيقا بهذا الليل/ فقد حاربنا بدرعه الضوء/ الضوء/ الذي ترمدت فيه كل أحلامنا» يستوقف القارئ أن الليل هنا ليس فقط سياقا زمنيا، لكنه مساحة للاحتماء والمعاينة للإضافة والمحو قربا أو ابتعادا من صورة الذات المخيلة، ففي هذه المساحة الليلية نعاين مساحات الموت، وبقايا الحياة التي تدبّ في أعطاف المتخيل، ونحاول إعادة شحنه، ليظل على بهائه المثالي.
في مقابل (الليل) يأتي (النهار) مساحة للشد والجذب والصراع مع الواقع، والسعي وراء المتخيل، وذلك من خلال بعض الألفاظ أو الصور، مثل (القيلولة)، و(البستاني الذي تُجرح أصابعه)، و(النخلة التي لا تنجب ثمرا، ولا تضع ظلّا)، وكلها صور- بعيدا عن لفظة القيلولة التي تموقع الزمن النهاري- تتحرّك ضد منطق المتخيل الليلي، فكلها صور سالبة تنحو باتجاه الموت التدريجي، وتتأسس أطر حدوده من خلال قطع جذور النخلة، وابتداءعنقها في الاعوجاج، فتطير العصافير التي تتطلّب توجها مغايرا للعمل على إعادتها مرة أخرى، بوصف حضورها انفتاحا له دلالة على مشروعية استمرار المتخيل، حتى لو وقف عند حدود المعاينة ليلا، والاستقواء بهذا المتخيل.
يتجلى ذلك واضحا في نص «رجل قديم»، حيث ينطلق النص من لحظة آنية. وهذه اللحظة- وهي لحظة دائمة الحضور في النصوص- منضوية في ظل الوجود المغاير والمقابل لحالة البهاء الأولى. ففي المقطع الأول يقول النص «لم تعد تزورني الكوابيس/ كبرت قليلا/ وها أنذا أتسكّع/ في حقول نومي المقطّع/ لكي تخضر شهواتي البعيدة». فالذات في الجزء المقتبس السابق تبدو مرتهنة داخل السكون، ومرتبطة بعدم القدرة على الفاعلية. يضاف إليهمما في المقطع الثاني (الطيور الضالة المفردة) و(الأحلام التي لم تعد تستيقظ).
وفي النص ذاته تأتي الكوابيس وكأنها خروج، يرصد جانبا من الصراع على الحلم المتخيل المنتظر، وغيابهاغياب للأحلام التي تؤسس مقترحا أو صورة متخيلة للذات. النص من خلال بنيته المستندة إلى التقابل يؤسس طبقتي الماضي والحاضر، ويوجّه عين المتلقي إلى مدارات التحوّل بين طبقة قديمة لها صفاؤها، وطبقة آنية، يجمع بينهما حضور الذات برصدها لنفسها وللمجموع. فالذات عنصر أساسي في تشكيل كل الطبقات من خلال صفات وسمات مشدودة إلى كل طبقة، وهي سمات مبنية على التباين والاختلاف، للإشارة إلى عمق الهوة بين الطبقتين.
فالبون شاسع بين المتخيل النموذجي في البداية في ارتباطه بالسماء والنجوم والمثال، وبين الحال الأخيرة التي تكشف عن ارتباطه في لحظته الأخيرة بالأرض والسفح. النص مهموم بوضع كل طبقة منهما داخل سياقها الزمني، ليكشف عن سطوة التباين بين شعرية أولى لا تخلو من قداسة، لأنها مزدانة ومحمية بالمثال الذي تتوجه إلى تفرده ووحدانيته وتعاليه، وشعرية مدنسة بالتحامها وصراعها مع الواقع واندحارها ضد سطوته العاتية.

بين شعريتين

وإذا كان الاهتمام بصورة الذات أو متخيلها ومآلاته بمرور الزمن يشكل جزءا مهما من منطلقات الديوان، فإن ارتباط ذلك بالشعر وماهيته وأشكال تجليه وحركته، وأماكن وجوده يعدّ ارتباطا أساسيا، ما يجعل الفصل بينهما، شيئا غير هيّن، بل غير متحقق. فالحديث عن متخيل الذات في سمته المثالي أو في شكله النهائي الساكن والموجود بالقصور الذاتي، حديث عن الشعر، والحديث عن الاختلافات أو التشوهات أو المآلات التي تصيب متخيل الذات لنفسها، لا يحتلف عن الحديث عن تطوّر الشعرية من مرحلة إلى مرحلة، واختلاف المنطلقات من خلال الأشياء العديدة التي تحلّ وتصبح ذات وجود لافت ملحوظ.
يبدو هذا التصوّر حاضرا حين نتأمل نص «فراشة ضالة»، حيث يدرك القارئ أن الصفات المسدلة على الفراشة – وكذلك الصفات المسدلة على الشعر والشاعر- لا يمكن أن تكون مرتبطة بكائن من لحم ودم، ولكن يمكن لهذه الصفات أن تحدث استبدالا أثناء عملية التلقي بين الفراشة والخاطرة الشعرية، لتصبح كل واحدة منهما – استنادا إلى ما بينهما من تشابه – صورة للأخرى وبديلا عنها، خاصة حين يتوقف القارئ أمام بعض هذه الصفات التي تحدث صدعا بين الدال والمدلول أثناء البحث عن مدلول يتساوق معهما. فحين يقول النص عن الفراشة الضالة (وصوت جناحيها- يوقظ هوائي السري) يخامرنا شك في كون النص يقارب فراشة حقيقية.
ثمة نصوص أخرى في الديوان لا تتوقف فقط عند عملية الخلق الفني أو الكتابة الشعرية، أو فعل المطاردة أو المراودة للخاطرة الشعرية، بل نجدها تحاول الوصول إلى مدي أكثر بعدا، يرتبط بصور الشعرية التي تتغيّر وتتبدل لدي الشاعر الواحد من نسق تعبيري تهويمي إلى نسق تجريبي، حيث تبدو الأولى تعبيرية مثالية في ترفّعها عن الواقع، وتحمل نوعا من اليقين يالوصول والانتصار، وتأتي الأخرى- نظرا لفعل الصراع والتجريب والارتباط والانغماس في الواقع- صلدة جافة، تغيب عنها التعبيرية، ويتضاءل اليقين بداخلها أو يغيب.
يتجلّى ذلك واضحا في نص «صخرة»، حيث نجد بعض الكلمات الواردة في النص في لحظة تشكلّها ممسوسة بدلالات خاصة بالإبداع الشعري، مثل (الغيمة العابرة) و(الفراشات) و(التعاويذ). وبعد الوعي بهذه الألفاظ التي تفلح في توجيه عملية التلقي، يدرك القارئ أنه أمام شعرية جديدة، ليست تعبيرية، بل هي أقرب إلى شعرية مقهورة، أو مقصوصة الجناحين، فقدت قدرتها على التحليق أو الفعل، وفقدت تمسكها وإيمانها بيقينها وقدرتها.
الفارق بين شعرية تعبيرية تهويمية أولى، وشعرية آنية تأتي من غور بعيد في سياق متعدد، يتمثل في طبيعة الوعي الذي يقارب الشاعر من خلاله الواقع، والوعي هنالا يرتبط بمقاربة الواقع الصلد فقط، بل ينفتح على الوعي الشعري السابق لدى آخرين، وهو انفتاح- في ظل معاينة منجزهم- يقلل من التعبيرية الإبداعية، حيث يشعر القارئ أن هناك صراعا بين الصوت الشعري الآني والأصوات السابقة، وهذا الصراع يقوّض التعبيرية في مباشرتها، ويجعل الشعرية الجديدة تتحسّب لخطابها، ولإضافتها في إطار تعدد الخطابات الشعرية العديدة المؤسسة التي تؤثر حتما على مقاربة الشاعر للحياة، والتحسّب أو الإرجاء هنا لا يتولّد –فقط- من تعدد زوايا الرؤية، وإنما أيضا طلبا للإضافة، والهروب من أصوات الشعراء السابقين، وأثر هذه الذي يتخفّى في منحنيات عديدة.
ويتكرّر النسق ذاته في نصوص أخرى، مثل نص «كلمة في القاموس»، حيث يشتغل النص، ويبني أسسه البنائية على التخلية للدلالات الجاهزة، وإعادة شحنها منطلقا من مثيرات اللحظة الآنية وسياقها الحضاري الذي يختلف مع المؤسس السابق، وتفرض المغايرة في المقاربة الشعرية. يتأكد هذا المنحى التأويلي حين يعاين القارئ نص «طائر تخطئه الطلقات»، لأنه- وهو النص المختار لكي يتحرك من المتن ليحتلّ عنوان الكتاب- أكثر النصوص دلالة على مشروعية وقيمة التوجه الكتابي المعرفي المهيمن في الديوان، خاصة حين نقرأ الفقرة الأخيرة من النص «إنه يمضي في طريق الراحة..الآن/ خالي الوفاض/ يحلّق فوق رأسه غراب/ ويفكر في ترك مئونته من التعب/ لشاعر ضرير/ تتربّص به عيناه/ فلربما يفلح الحب هذه المرة».
في سياق الوعي السابق نستطيع أن نقول إن هناك نصوصا عديدة أعادت القيمة للغراب بعيدا عن دلالته الجاهزة، ليطلّ في بعض النصوص كائنا له تأثير إيجابي، فهو الشاهد على لحظة التحوّل من الإنسان إلى الشاعر، أو من موت الإنسان إلى ميلاد الشاعر، كما رأينا في النص السابق، أو في نص «نورس» حيث تلحّ صورته داخل النص الشعري بوصفه مساحة حافة للموت والميلاد في آن.

محمد الدميني: «طائر تخطئه الطلقات»
المتوسط، ميلانو 2025
84 صفحة.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية