توجعني آلام الحيوانات، تأكل روحي فكرة معاناتها وعذاباتها على أيدي البشر وعلى أيدي بعضها البعض، تؤرقني رؤية حيوانات الشارع الجائعة المصابة لتنشغل مخيلتي بما يحدث لها وبالآلام التي تطالها دون قدرة على التعبير أو تدبر الأمر؛ لكن تداول الموضوع في عالمنا العربي ليس بعملية هينة أو آمنة، فأوجاع هذا الوطن الكبير متسعة ومفجعة، ما يجعل الحديث عن آلام أي جنس آخر غير بشري غير مقبول أخلاقياً أو قيمياً، وكأن الحديث عن آلام أي جنس آخر فيه تناسٍ لآلام البشر وتعالٍ عليها. الحديث عن حقوق وآلام الحيوانات في عالمنا تهمة بالرفاه الفارغ والانفصال عن الواقع، أو في أفضل الظروف هو محض هراء. ومع ذلك، أكتب لكم اليوم عن باكستر، فسعة من الصدر أتمناها وأترجاها.
لطالما نظرت لآلام وعذابات الحيوانات، بخلاف أنها مصاب أرواح حية تشعر وتتألم، على أنها انعكاس لعذابات الجنس البشري بلا رتوش أو تزيين، وعلى أنها الصورة الحقيقية الواضحة المباشرة للضعف والانكسار والنهاية القادمة لا محالة. وفي الوقت ذاته، هي تمثيل واضح للقسوة والشر وصراع القوى الذي يدور بين أبناء الجنس الواحد، وانعكاس صريح وواضح لما يدور بين أبناء البشر بلا رتوش أو تزيين، وكأن كل ما نجمله ونزينه نحن في عالم الإنسان فنضع عليه عناوين ونغلفه بالتبريرات يتبدى واضحاً صريحاً مباشراً في عالم الحيوان؛ صراع على البقاء واستعراض للقوى وتقديم المصلحة والنجاة على كل ما عداها. إلا أن عالم الحيوانات القاسي الدارويني يمتلئ كذلك بالعذاب والمعاناة والحب غير المشروط والعجز التام عن الدفاع عن النفس، وفي هذه الصورة انعكاس كذلك لعجز البشر وانكسار قلوبهم. عالم الحيوان مرآة لعالم الإنسان.
ثم زادتني تجربتي الشخصية «تورطاً» في المشاعر وتصديقاً لمعانيها. بدأ اهتمام الأبناء منذ زمن بالحيوانات، وساهموا قدر المستطاع في عمليات بسيطة لإنقاذها. امتلأ بيتنا في داخله وفي حديقته بحيوانات تم إنقاذها من الشارع، وأخرى تم تبنيها من مراكز الإيواء، لأحيا بعد معاشرة هذه الحيوانات تجارب مختلفة مهيبة الحب والألم، ولأختبر تعلقاً ووجعاً واهتماماً لم أكن أعرفها من قبل. مع هذه الحيوانات تلمست معنى الحب الأبدي الخالص القسري، حباً ليس لهذه الحيوانات يد فيه، حباً مفروضاً عليها جينياً ونفسياً حد استعدادها لفقدان حياتها من أجل أصحابها.
كل هذا الحب والألم يتلخص اليوم في باكستر، الكلب الأكبر عمراً في بيتنا. تبنى ابني، الكلب باكستر بعد أن هجرته عائلته التي سافرت كلها للخارج وتركته وحيداً حبيس قفص بصحبة حارس البيت الذي كان بالكاد يطعمه ويخرجه بين حين وآخر لرؤية الشارع. عاش باكستر حياة صعبة منعزلة وفي حيز امتلأ بأوساخ راكمها الإهمال والتخلي، والتي بدورها أثقلته بالأمراض والمتاعب التي ضاعفها سنه الآخذة في التقدم. أتى باكستر إلى بيتنا خائفاً متوجساً حزيناً لفراق عائلته الأولى، مثقلاً بالأمراض وسني عمره المتقدم. احتضنّا باكستر ووقعنا في حبه من اليوم الأول، فهو رغم حجمه الضخم، كلب في غاية الوداعة واللطف ودماثة الخلق. أحبّنا باكستر كما أحببناه، حيث لم يليّن حيوان قلب زوجي تجاهه مثلما فعل هذا الكلب الهرِم، الذي أصبح يتلهف لرؤية زوجي والالتصاق به، فيما بادله الأخير الاهتمام وبات يصطحبه في رحلاته للمشي والتريض في حيّنا. ثم سرعان ما ظهر أثر هذا الاهتمام والحب والطبابة والتغذية على باكستر الذي استرد صحته ومرحه وأظهر شغفاً بأسرته الجديدة التي هي نحن، وأصبح بوداعته وحبه واهتمامه وحمايته لنا جميعاً حارس بيتنا وكبير «مزرعة حيواناتنا».
وقبل يومين، وبحسب قوانين هذه الحياة القاسية، وصلنا خبر انتشار السرطان في جسد باكستر الذي كان يعاني ضعفاً منذ مدة تشخّص بورم متخضم كنا نأمل في زواله بالأدوية التي كان يتناولها، والتي بحد ذاتها شنت حرباً على جسده الضعيف. تلقى ابني يومها تلفوناً يخبره بعدم جدوى العلاج بعد اليوم، وبأن الأصح قطع كل الأدوية الثقيلة حتى يتسنى لباكستر أن ينتظم في الأكل الذي حرمه الدواء منه، وأن يتمتع ببعض الطاقة، وأن يحيا بسلام ودون معاناة وألم ما تبقى له من حياته التي لن تطول، بحسب تنبؤ طبيبه.
فار غضبي حين تلقيت الخبر، غضبت على الأولاد الذين أضافوا لأسرتي أعضاء سوف أفقدهم في حياتي على الأغلب لأعيش وجع فراق غير محسوب، غضبت على الدنيا التي كافأت باكستر بالسرطان بعد صبر وألم سنوات عدة، غضبت على داروين لاكتشافه قانون البقاء للأقوى الذي رغم حقيقيته لا يفضي لبقاء أحد، غضبت على القسوة والوجع والمرض التي تطال الطيب قبل الشرير، والتي تنال من أفضل الكائنات الحية كما من أسوئهم. أي حكمة في مجريات الحياة هذه؟
تحضرني مشاهد الغزاويين وهم ينقذون حيواناتهم من الوحشية الصهيونية، فالإنسان الأخلاقي الرحيم لا تتوقف رحمته عند حياة معينة، لا يعلي روح على روح، كل حي يستحق الرحمة والإنقاذ والفرصة الحقيقية ليكمل دورة الحياة، وفي ذلك لم تتبد الشجاعة والأخلاقية الغزاوية مع البشر فقط ولكن مع الحيوانات كذلك، تلك التي كانت هدفاً لكثير من عمليات الإنقاذ التي ظهرت في العديد من الصور والفيديوهات مصاحبة لأسرها البشرية في الخيام ومقار النزوح. الفرق واضح جداً بين الأخلاقية الغزاوية بصفتهم أصحاب أرض وحق، والانحطاط الصهيوني كمعتدين أفاقين لم يسلم منهم بشر ولا حيوان بل ولا نبات كذلك، حيث انتشرت لهم فيديوهات وصور وهم يحرقون المزروعات ويعذبون الحيوانات في غزة ويتصيدونها ويقتلونها بلا رحمة.
دوماً ما تتجلى الصور الكبرى وأجلّ معاني الحياة في الصور المصغرة وفي أبسط معاني الحياة، في الرحمة في أبسط صورها، في الحب غير المشروط بأكثر أنماطه مباشرة من أكثر الكائنات بساطة وسذاجة، في الاحتواء والرأفة والدفء يقدمها القادر للعاجز المكلوم أياً كان جنسه الحي. في معاشرتي للحيوانات التي ملأت بيتي وحديقتي، فهمت معنى آخر، نقياً وحاداً وبدائياً وفطرياً، للحب والتعلق والتضحية، عاشرت الضعف في «أبهى» صوره، والاحتياج في أوجع درجاته، والاعتماد التام والكامل والمنكسر على الآخرين، آخرين من غير ذات الجنس، للبقاء على قيد حياة. في معاشرتي للحيوانات، تجلت الصور الكبرى للحياة وأجلّ معانيها.
أتى باكستر إلى بيتنا مكلوماً مكسور القلب معبئاً بالأمراض بعد تخلي عائلته عنه وحبسه الانفرادي المطول. في البداية، كان التوجه إنقاذاً، ثم رأفة ورحمة بحياة معذبة، ثم حباً قدمه هو أولاً لكل البيت وكافة أعضائه، حباً متلهفاً غير مشروط ولا منقوص، ثم حباً وقع البيت بأكمله فيه مع باكستر ليصبح حامي البيت وحبيب كل فرد فيه، لتأتي بعد ذلك نبوءة فقد باكستر خلال سنة على أبعد وأفضل تقدير، هذا الكلب الطيب الحنون الذي تتجلى فيه أروع وأنقى معاني الحياة، وأكثرها إيلاماً ووجعاً وظلماً. لا أريد أن أفقده، ولا أعرف كيف أنقذه، ولا أود له استمرار عذاباته، ولا حيلة لي سوى أن أترك قدراً بارداً سخيفاً يجرنا وباكستر إلى مصير محتوم. إذا كنت غير قادرة حتى على إنقاذ باكستر، فأي قدرة لي في هذه الحياة، وأي معنى لوقتي فيها؟