واشنطن بوست: ترامب يعيد “رئيس وزراء الحرب” إلى إسرائيل مع دفعة قوية

حجم الخط
0

لندن- “القدس العربي”:

بينما ركّزت لقاءات الزعيمين الأمريكي والإسرائيلي على قضايا الشرق الأوسط الملحّة، كانت بالنسبة لرئيس الوزراء نتنياهو أيضًا مناورة لتعزيز موقعه داخليًا.

فقد استغلّ بنيامين نتنياهو لقاءه مع دونالد ترامب في فلوريدا، حيث نال دعمًا علنيًا غير مسبوق ووُصف بـ”رئيس وزراء زمن الحرب”، لتعزيز موقعه السياسي داخليًا مع اقتراب الانتخابات وتعليق جلسات محاكمته. وبينما بدا اللقاء انتصارًا دعائيًا لنتنياهو، تشير تحليلات إلى أن الدعم الأمريكي العلني قد يخفي ضغوطًا خلف الأبواب المغلقة بشأن غزة وإيران، وقد يكون له ثمن سياسي لاحق، بحسب ما جاء في مقال للافداي موريس، وليئور سوروقا في واشنطن بوست.

واقفَين جنبًا إلى جنب خارج مقر إقامته في بالم بيتش بولاية فلوريدا، مرتديَين بدلتين وربطتي عنق متطابقتين تقريبًا، ابتسم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وهو يستمع إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يجيب عن سؤال لصحافي بشأن ما إذا كان ينبغي العفو عن نتنياهو في محاكمته بتهم الرشوة والاحتيال.

وقال ترامب: “إنه رئيس وزراء في زمن الحرب وهو بطل. كيف لا تمنح عفوًا؟ أعتقد أن عدم القيام بذلك أمر بالغ الصعوبة”.

بينما ركّز اجتماع منتجع ترامب “مار-أ-لاغو” على قضايا ملحّة في الشرق الأوسط مثل إيران وخطة ترامب للسلام في غزة المكوّنة من 20 نقطة، كان اللقاء بالنسبة لنتنياهو أيضًا استعراضًا سياسيًا ذا أهداف داخلية

وبينما ركّز اجتماع الاثنين في منتجع ترامب “مار-أ-لاغو” على قضايا ملحّة في الشرق الأوسط مثل إيران وخطة ترامب للسلام في غزة المكوّنة من 20 نقطة، كان اللقاء بالنسبة لنتنياهو أيضًا استعراضًا سياسيًا ذا أهداف داخلية.

وقد أدى سفر رئيس الوزراء إلى الولايات المتحدة — ومن المتوقع أن ينتهي يوم الخميس — إلى تعليق جلسات الاستجواب المضاد له في “القضية 4000”، حيث يواجه نتنياهو اتهامات بالرشوة والاحتيال بزعم أنه دفع باتجاه قرارات تنظيمية مقابل تغطية صحافية إيجابية. وينفي نتنياهو جميع الاتهامات ويصف القضية بأنها “مطاردة ساحرات”.

كما وفّرت الرحلة لنتنياهو دفعة علاقات عامة قبيل الانتخابات المرتقبة في إسرائيل مطلع العام الجديد، وهي أول انتخابات منذ هجمات حماس في 7 أكتوبر 2023 التي قوّضت صورته كضامن للأمن في نظر شريحة واسعة من الجمهور. وخلال المؤتمر الصحافي المشترك، كرّر ترامب مديحه لنتنياهو، قائلًا إنه لو كان هناك قائد آخر في الحكم يوم 7 أكتوبر، فربما “لم تكن إسرائيل لتوجد” اليوم.

وقال غيرشون باسكين، المعلّق الإسرائيلي والمفاوض السابق عبر قنوات خلفية مع حماس، تعليقًا على إشادة ترامب: “ترامب منحه حملته للانتخابات المقبلة”، واصفًا المؤتمر الصحافي بأنه “محيّر”.

وأضاف باسكين: “كل ما عليه فعله هو أن يواصل تكرار: “من دون نتنياهو، إسرائيل لا وجود لها”“.

ويتهم منتقدو نتنياهو بأنه يطيل أمد النزاعات الإقليمية ويضخم ما يصفه بالتهديدات الإيرانية، بهدف صرف الأنظار عن أزماته القانونية وعن التحقيقات الأعمق في الإخفاقات الأمنية التي أدت إلى هجمات حماس.

ومن أصل 60 جلسة استماع كانت مقررة منذ أن بدأت شهادة نتنياهو رسميًا في يونيو، لم تُعقد سوى 15 جلسة دون أن تُلغى أو تُختصر، وفق إحصاء لصحيفة “هآرتس” الإسرائيلية. وقد ألقى رئيس الوزراء باللوم على النزاعات المستمرة أو المخاوف الأمنية لتبرير إلغاء أكثر من اثنتي عشرة جلسة.

يتهم منتقدو نتنياهو بأنه يطيل أمد النزاعات الإقليمية ويضخم ما يصفه بالتهديدات الإيرانية، بهدف صرف الأنظار عن أزماته القانونية وعن التحقيقات الأعمق في الإخفاقات الأمنية التي أدت إلى هجمات حماس

لكن نتنياهو، المعروف بقدرته على النجاة سياسيًا، وهو أطول رؤساء وزراء إسرائيل بقاءً في المنصب، نجح في التمسك بموقعه رغم سلسلة تبدو بلا نهاية من الفضائح والتحقيقات الداخلية التي لاحقته.

وخلال الأيام الأخيرة، نشرت وسائل إعلام إسرائيلية تقارير قالت إنها توثق تحذيرات لم تُؤخذ بالاعتبار من مصر بشأن الوضع الأمني في غزة قبيل 7 أكتوبر. وفي الوقت نفسه، عاد ما يُعرف في إسرائيل باسم “قطر غيت” — وهو اتهام بأن أعضاء في مكتب رئيس الوزراء تلقوا أموالًا من قطر للترويج لمصالحها — ليطارد نتنياهو مجددًا بعد تسريب تفاصيل جديدة محتملة على الإنترنت.

ووصف سياسيون من المعارضة الإسرائيلية الاتهام المرتبط بقطر بأنه “خيانة”، وطالبوا نتنياهو بالاستقالة.

وفي غزة، أبدى نتنياهو وائتلافه اليميني تحفظًا على المضي قدمًا في اتفاق وقف إطلاق نار مدعوم من الولايات المتحدة جرى التوصل إليه في أكتوبر. وقد أوقف الاتفاق، الذي أشاد به ترامب، جزءًا كبيرًا من العمليات العسكرية الإسرائيلية.

لكن المرحلة التالية قد تفتح الباب أمام عودة السلطة الفلسطينية — التي تدير المناطق الخاضعة للفلسطينيين في الضفة الغربية — وكذلك تشكيل قوات شرطة فلسطينية جديدة، إلى جانب انسحاب إسرائيلي شبه كامل.

ويعد باسكين من بين من يرون في إسرائيل أن تركيز نتنياهو المتجدد على إيران — التي يقول إنها تعيد بناء قدراتها الصاروخية بعد ضربات إسرائيلية في يونيو — يأتي في إطار محاولة لصرف الانتباه عن غزة.

وقبيل اجتماع فلوريدا، كان هناك توقع بأن “ترامب سيوبخ بيبي” بسبب غزة، بحسب مايكل أورين، السفير الإسرائيلي السابق لدى الولايات المتحدة. لكن ظهور الزعيمين معًا بدا “أقرب إلى مهرجان حب”، على حد تعبيره.

وقال أورين إن إحدى أكثر تصريحات ترامب لفتًا للانتباه كانت عندما لوّح بإمكانية اتخاذ عمل عسكري ضد إيران. وقال ترامب عن طهران: “آمل أنهم لا يحاولون إعادة البناء”، في إشارة إلى ترسانة الصواريخ. وكانت الولايات المتحدة قد نفذت أيضًا ضربات ضد مواقع نووية إيرانية في يونيو. وأضاف: “لأنه إذا كانوا يفعلون ذلك، فلن يكون أمامنا خيار سوى القضاء على هذا التعزيز بسرعة كبيرة”.

ورغم الانتقادات من قاعدته المؤيدة لشعار “ماغا” بأنه يعطي السياسة الخارجية أولوية على القضايا الداخلية، فإن “ترامب أعاد تهديدًا عسكريًا ذا مصداقية إلى الطاولة”، بحسب أورين، مضيفًا أن قرار نتنياهو إبلاغ ترامب بأنه مُنح “جائزة إسرائيل” — أعلى وسام ثقافي في الدولة — قد خاطب غرور الرئيس الأمريكي.

وقال أورين: “إنها واحدة من ضربات العبقرية التي يجيدها بيبي أحيانًا”، مستخدمًا اللقب الشائع لنتنياهو.

ويُلزم القانون نتنياهو بإجراء انتخابات هذا العام. وقد تلقى حزب “الليكود” اليميني ضربة كبيرة في استطلاعات الرأي بعد 7 أكتوبر، لكنه عاد تدريجيًا إلى الصدارة، متقدمًا بفارق ضئيل على أقرب منافسيه.

وقالت غايل تلشير، عالمة السياسة في الجامعة العبرية بالقدس: “سيجري نتنياهو استطلاعات خلال عطلة نهاية الأسبوع، وإذا تحرك المؤشر ولو قليلًا، فأعتقد أنه سيفعّل خيار الانتخابات”. وأضافت: “لن يجد نقطة انطلاق أفضل من هذه”.

لكن رغم أن ظهوره مع ترامب بدا مكسبًا لنتنياهو على السطح، ظل من غير الواضح ما الذي جرى في الاجتماع خلف الأبواب المغلقة. وقال ترامب إن حماس ستُمنح “فترة قصيرة جدًا لنزع السلاح”، وإلا فسيكون هناك “جحيم سيدفع ثمنه الجميع” إذا لم تمتثل الحركة. وأضاف أن دولًا أخرى مستعدة للدخول و”سحقهم” أو “القضاء عليهم”.

غير أن ترامب واجه صعوبة في إقناع دول بالانضمام إلى قوة استقرار لغزة تراقب نزع سلاح القطاع. وكانت الدول القليلة التي أبدت استعدادًا مبدئيًا واضحة بأنها لا تريد مواجهة حماس.

ومع ذلك، قال باسكين إن الرئيس وفريقه ملتزمون بإطلاق المرحلة التالية من الخطة وتشكيل لجنة فلسطينية تكنوقراطية لإدارة غزة.

وفي ملف إيران، ورغم أن ترامب قال إنه سيدعم عملًا عسكريًا، فإنه أضاف أن مسألة تعزيز الترسانة الصاروخية “غير مؤكدة”.

وقالت تلشير: “الطريقة الأمريكية تقوم على تقديم دعم علني مع فرض ما سيحدث خلف الأبواب المغلقة، وبحسب تقديري فإن هذا بالضبط ما جرى”. وأضافت أن قدرة نتنياهو على مقاومة مطالب أمريكية تُنقل إليه في الكواليس محدودة.

وكتب يوسي فيرتر، المحلل السياسي وكاتب العمود في “هآرتس”: “المجاملات المفرطة لها ثمن”.

وأشار إلى تباين موقف ترامب مع نتنياهو بشأن دور تركيا في غزة. فإسرائيل تعارض بشدة دخول قوات تركية إلى القطاع ضمن قوة الاستقرار، لكن ترامب قلل من هذه المخاوف، قائلًا إن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان “صديق جيد جدًا لي”.

وأضاف ترامب: “أنا أحترمه وبيبي يحترمه، ولن تكون لديهم مشكلة”.

وفي الأثناء، دعا نتنياهو ترامب إلى زيارة إسرائيل لتسلم جائزته في أبريل، وهي فرصة — بحسب منتقدين — تتيح لرئيس الوزراء الحصول على دفعة إضافية لحملته الانتخابية.

وكتب فيرتر: “سيكون ذلك مهرجانًا ضخمًا سيستثمره نتنياهو إلى أقصى حد قبل أشهر قليلة فقط من الانتخابات”.

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية