2025 عام ترامب واستراتيجيته للأمن القومي

لا يوجد ما يدلّ على أن هنري كيسنجر عانى من أي شكل من الخَرف في تسعينياته، ولا حتى في مئويته، لقد بقي مرجعاً للكثيرين في الرأي والمشورة، كما بقي استفزازاً مزمناً لآخرين أيضاً. هذه «التحية» تأتي بمناسبة الاستشهاد بما قاله حول دونالد ترامب، خلال الفترة الأولى لرئاسته: «قد تكون إحدى تلك الشخصيات التاريخية في العالم، التي تظهر بين الحين والآخر لتعلن نهاية حقبة، من خلال إجبار النظام الدولي القائم على مواجهة ضعفه، والتخلّي عن ادّعاءاته السابقة». أعتقد أن هذه الشهادة لا بدّ أن تدحض الملاحظات المستعجلة حول ترامب على الأقل، خصوصاً بعد أن بدأت سياساته وفلسفته السياسية تتبلور بالتدريج.
كان صدور استراتيجية الأمن القومي بنسختها الأخيرة (نسخته) إضاءة ممتازة على تلك السياسات. جرى التركيز في الاستراتيجية على القضايا الأكثر أهمية للمصلحة الوطنية الأمريكية، وعلى أن السلام تؤمّنه القوة وتأمين سلاسل الإمداد التي توصل إلى المعادن النادرة والحيوية للقوات المسلّحة، مع إعطاء أهمية خاصة للاقتصاد القويّ. كما تميل الاستراتيجية إلى إحياء وتكريس مبدأ عدم التدخل بما يموّه ميلاً لنوع جديد من الإمبريالية غالباً. وتدعو إلى «واقعيّة مرنة» لا يُستغرب فيها الانسحاب من ميدان صراع ما غير مفيد، أو يكلّف غالياً، معارضاً بذلك مبدأ المحافظين الجدد المتعلّق بالهيمنة المطلقة.
وتبرز في الاستراتيجية معالم نبرة معادية للمنظمات الدولية ولكل ما هو عالمي أو عولمي لمصلحة الأمة والدولة الأمة وملحقاتها القديمة، من حيث السيادة وتوازن القوى. وتترجم مبدأ «أولوية الأمم» هذا بإعطاء الأولوية للولايات المتحدة ومبدأ «أمريكا أولاً». تؤكد الاستراتيجية، بالاتّجاه ذاته: القديم المؤسّس- على ضرورة إعادة توطين الصناعة، بعد أن تمّ تصديرها إلى مناطق أخرى سابقاً. وفي الإدارة والتوظيف، تؤكّد على توجّهات برزت في أوائل العام للاعتماد على الكفاءة وحسب، مع التخلّي عن إضافات «العدالة» و»ضمان التعدْدية»، على سبيل المثال. كما وضعت الاستراتيجية أساساً لسياسات الإدارة الأمريكية الحالية في حقل التجارة الدولية، وضرورة منع الخلل في الموازين التجارية، ونقل التكنولوجيا، وما استغلّته القوى الدولية الأخرى، من تسامح الولايات المتحدة وعدم استفادتها من قوّتها التي تكلّفها غالياً.. هذا باختصار.
تبعت إعلان تلك المبادئ سلسلة من عواصف النقد، كانت إدارة ترامب قد حصّنت نفسها منها على طريقتها. من ذلك بروز التركيز على القوة العسكرية، وتهميش الدبلوماسية والقوة الناعمة، وما قد ينتج من ازدياد في حدة النزاعات والصراعات وعددها. كذلك انتُقد انتهاج مبدأ « أمريكا أولاً»، بما يعنيه من تفتّت التحالفات والشراكات مع الانفراد والعزلة. وتناول آخرون السياسات الاقتصادية والتجارة والمساواة، بين الخصوم والشركاء في فرض الرسوم الجمركية العالية والمرتجلة أحياناً، من حيث نسبتها المتغيّرة أيضاً. وبالطبع لم يكن هنالك أيّ توفير لسياسات ترامب في مجال البيئة وتغيّر المناخ، والمغامرة التي تُدخل بها العالم كلّه، وتهدّد أمنه واستقراره ومستقبله عموماً، على المدى المتوسّط أو الطويل على الأقل.. كما تناول المنتقدون سياسات الهجرة والحدود بتجلّياتها الفظّة، وتأجيجها لخطاب الكراهية، التي ستخلق مناخاً مواتياً للتطرّف بكل أشكاله، وتعزّز حظوظ اليمين الفاشي بالصعود أكثر وأكثر. أشار بعضهم أيضاً إلى مخاطر الانسحاب من الاتّفاقات والمنظّمات الدولية، وما يمكن أن يجرّه ذلك على عالم ما بعد الحرب الثانية وأخلاقياته في السلم والتعاون بين الأمم.
ومن حيث الشكل، انتقد كثيرون لهجة التصعيد والتوتير والفوقية، والتغييرات المفاجئة في السياسة، وإعطاء الأولوية للمكاسب السريعة والقصيرة الأجل على حساب الاستقرار العالمي وروح التعاون والدبلوماسية، على المدى الطويل.
في التطبيق، قسّمت الاستراتيجية العتيدة العالم إلى خمس مناطق، أعادت من خلالها تقسيم العالم من جديد. بذلك تمثل استراتيجية الأمن القومي الأمريكي لعام 2025 تحولاً جذرياً، إذ تُعطي الأولوية لنصف الكرة الغربي (الأمريكتين) كأولوية قصوى شغلت 28% من القسم الخاصّ بتقسيمات المناطق الاستراتيجية، وتُوسّع نطاق مبدأ مونرو الموَجّه بالسبّابة المرفوعة إلى أوروبا، وأيّ أمل لها بعودة نفوذها في تلك المنطقة، وبإضافة «ملحق ترامب» لمكافحة الهجرة والمخدرات والنفوذ غير الأوروبي أيضاً، بما معناه «هذه لي من دون أيّ شريك». تليها في الأهمّية منطقة المحيطين الهندي والهادئ، التي شغلت أقلّ من النصف بقليل ووضعت الصين في مركز اهتمامها وتفصيلاته.

انتقد كثيرون لهجة التصعيد والتغييرات المفاجئة في السياسة، وأولوية المكاسب السريعة والقصيرة الأجل على حساب الاستقرار العالمي وروح التعاون والدبلوماسية، على المدى الطويل

وبعد أن تأخذ افريقيا 14% بثرواتها المعدنية ممّا يُفترض أنّه حجم التركيز الاستراتيجي، ينخفض الاهتمام بأوروبا، التي لم تشغل إلّا 4% من النصّ المتعلّق بالمناطق الخمس التي أحاطت الاستراتيجية بها. أشار النصّ أيضاً إلى أن انخفاض الناتج المحلي الإجمالي الكبير فيها يعود جزئياً إلى اللوائح الوطنية وعبر الوطنية التي تقوّض الإبداع وروح المبادرة. في حين يقابِل هذا التراجعَ أفقٌ قاتم يتمثّل في أفول حضاري!
كذلك، من المشاكل التي تواجهها أوروبا: أنشطة الاتحاد الأوروبي وهيئات أخرى عابرة للحدود التي تقوّض الحرية والسيادة وحرية التعبير وقمع المعارضة السياسية – في إشارة إلى مقاومة المدّ اليمينيّ المتطرّف، وانهيار معدلات المواليد، خصوصاً إلى سياسات الهجرة التي تُغيّر ملامح القارة وتُنشئ صراعات متفاقمة، وتؤدي إلى فقدان الهويات الوطنية والثقة بالنفس. «وإذا استمرت الاتجاهات الحالية، فستصبح القارة غير قابلة للتعرّف عليها خلال عشرين عاماً أو أقل. وفي ظل هذه الظروف، ليس من الواضح إطلاقاً أن دولاً أوروبية ستمتلك اقتصاداً وجيشاً قويين». بالمعيار الميكانيكي، تأخذ أوروبا اهتماماً أقل بقليل ممّا أخذه الشرق الأوسط، ورغم ذلك لا يزيد حجم معالجة «منطقتنا»، أو متابعتها كثيراً عن 5% من الفصل المتعلّق بمناطق العالم.
تشرح الوثيقة كيف كان الاهتمام الأمريكي مركّزاً في الشرق الأوسط لعقود، لأنه كان أكبر مورّد للطاقة في العالم، وساحة أولى للتنافس الدولي والصراعات القابلة للانتقال إلى بقية العالم، وحتى إلى الولايات المتحدة ذاتها. ثمّ تعددت مراكز إنتاج الطاقة، وتصدرت الولايات المتحدة العالم. وتابعت إدارة ترامب الاهتمام بإحياء التحالفات في الخليج ومع دول عربية أخرى، ومع إسرائيل من دون شك.
لكنّ مشاكل الشرق الأوسط قد تخافتت، وأصبحت أقل خطورة بكثير، مع ضرب قدرة إيران الاستراتيجية من خلال عملية «مطرقة منتصف الليل» التي قام بها ترامب في منتصف العام، ما أضعف أيضاً البرنامج النووي الإيراني.
وعلى الرغم من كون الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني ما زال معقداً « لكن بفضل وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الرهائن الذي تفاوض عليه الرئيس ترامب، تحقق تقدم باتجاه سلام أكثر ديمومة. كما أُُضعف أبرز داعمي حركة حماس»، أو لعلّهم انسحبوا من تموضعاتهم السابقة. وكان لافتاً ما جاء في النصّ حول سوريا أيضاً، وهي التي «تبقى مشكلة محتملة»، لكنها قد تستقر، «بدعم من الولايات المتحدة والدول العربية وإسرائيل وتركيا، وتستعيد مكانتها كطرف فاعل وإيجابي متكامل في المنطقة»… وبالطبع سوف يحتاج هذا إلى تكريس التطبيع- الإبراهيمي- في المنطقة، وتوسيع مساحته. عندئذ سوف يسود فيها السلام من جهة، وتتحمّل بنفسها أعباء حماية الممرات المائية ومصادر الطاقة ومكافحة الإرهاب. ومن هنا يبدو أن عنوان الفصل هذا قد جاء: «نقل الأعباء وتحقيق السلام»!
وسيظل للولايات المتحدة مصلحة رئيسية في «ضمان ألا تقع إمدادات الطاقة في الخليج في أيدي عدو معلن، وأن يظل مضيق هرمز مفتوحاً، وأن يبقى البحر الأحمر سالكاً للملاحة، وألا تصبح المنطقة حاضنة أو مصدّرة للإرهاب ضد المصالح الأمريكية أو الأراضي الأمريكية، وأن تبقى إسرائيل آمنة. وعلى الرغم من أنه تبقى المساهمة مهمّةً في مواجهة هذا التهديد على المستويين الأيديولوجي والعسكري، من دون الانخراط في عقود من حروب «بناء الأمم» الفاشلة.
ولو كان وارداً، لأُطلِق على العام هذا اسم «عام ترامب»، بعجائبه التي لا يعلم أحد إلى أين ستودي بالعالم، سلباً أو إيجاباً.

كاتب سوري

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية