صدر للناقدة العراقية بشرى موسى صالح كتابها الجديد «الشعر الهالي» بعنوانٍ موازٍ (تمثلات الهالة الثقافية في الشعر العراقي الحديث) عن دار أبجد للترجمة والنشر والتوزيع: بغداد: ط1: 2025، وقد اعتلت عبارة (دراسة نقدية) صفحة الغلاف الأول لتشكل مفارقة منهجية غابت عن ذهن الناشر، فالكتاب ليس دراسة نقدية بالمعنى الصحيح، إنما هو دراسة ثقافية حاولت الإبحار في نصوص مختارة من الشعر العراقي، عبر أجياله المختلفة، وهدفها محاورة النصوص الشعرية بتراتبية تصاعدية في ضوء هالتها المهيمنة، ورائحة ثقافتها بحثا عن الأسطورة، والأسطرة، والأسئلة القابعة وراء كل نص شعري يعرض للتأويل. وعند الناقدة، أن الدراسات الثقافية بوصفها رؤى، أو حقلا، أو ممارسة لا صلة لها بقيد الذات المنمطة للأفكار، فهي فضاء مفتوح يرى في الأدب مجالا تتجلى فيه الثقافة، بمفهومها الذي يتسع للكشف عن التمثلات التي لها صلة بمعطيات الحياة؛ تلك التي باتت في حساب الوعي المعاصر عرضة للقراءة والتحليل والتأويل.
يقف متلقي الكتاب أمام مقدمة الناقدة ليتأكد أنها ليست مقدمة بالمعنى التقليدي، إنما هي مقدمة بصيغة تمهيد انفتح على جملة رؤى تنظيرية، ثقافية أحسنتِ الناقدة ُفي تشكيلها، مستهلة خطابها بـ(يزعم هذا الكتاب تدشين أرض نقدية جديدة)، وأفهم أن (الزعم) هنا يحيل على الصدق مجافاة للمدلول الحقيقي للزعم المقترن بالكذب، والناقدة في أسطر المقدمة الأولى أعلنت رؤيتها المقترنة بالدراسات الثقافية المنفتحة على عوالم ما بعد الحداثة، وقد استعارت (الهالة) بوصفها مصطلحا نقديا من الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، منظر مدرسة فرانكفورت، فهي والحال تلك رؤية تُستخدم لفهم الأصالة والتاريخ، تعمل في مجالات أدبية وفنية أخرى تقترب من مدلول المعجم العربي للفظ المحيل على دارة القمر، أو دائرة الضوء المحيطة به، وهو ما وجدته في إجراءات الناقدة الدالة على هيمنة معنى شعري عند الشاعر حتى تصير تلك الهيمنة مدلولا يعرف به، وعلامة تشير إلى إنجازه.
إن الاستعارة النقدية التي مارستها الناقدة، لم تكن جديدة على مدوناتها ومتلقيها، فقد استعارت من قبل (عمودا) لتضيفه إلى الحداثة من الخطاب العربي القديم، دافعة به الشعر، والسرد الحديثين إلى قراءات جديدة، فضلا عن استعارات أخرى من فضاء التداولية، ونظرية التلقي، والأسلوبية، وغيرها، وها هي تستعير الآن من النقد الغربي الحديث (الهالة)، لتؤكد لمتلقيها، أن النقد واحدٌ وإن تعددت مدارسه ومشاربه، وأزمنته وخطاباته، لاسيما ونحن نعيش في ظل عولمة جمعت النقد في خطاب واحد متعدد الرؤى، مختلف الأهداف، على أن استعارات الناقدة لم تكن شكلية في انتقالها من ثقافة إلى أخرى، إنما صاحبتها جملة من المقدمات، والتكيفات التي استندت إلى الحوار، والمراجعة، والمقابلة التي أسهمت في فهم ثقافة الآخر وتصوراته.
أعود إلى هالة الناقد فالتر بنيامين، التي وجدتها الناقدة مرتبطة بالفن، أو العَبَق، أو الفردية المقترنة بما هو (مقدس) يحيل على الطقوس والسحر، بمعنى أن الهالة جزءٌ أصيل من الفن، وأن رائحة الإبداع تقترن بالهالة أو بفرديتها، وبهذا صارت مصطلحا له جذره الممتد في النقد الغربي، وله ما يوازيه في الثقافة العربية، والثقافات الأخرى. ترى الناقدة ُوهي في معرض الحديث عن المنهج أن ما عُرف عن الدراسات الثقافية ازاحتها الهالة السحرية، بمعنى إخراج الفن النخبوي، وإحلال السياقات التداولية التواصلية، بدلا منه، فهي تؤشر إلى هذا، فضلا عن إعلانها الصريح الدال على أن المضمرات النسقية أثقلت كاهل الدرس الثقافي مع أنها ليست منه، في إحالة صريحة على ضرورة التمسك بالدراسات الثقافية وإطراح النقد الثقافي خارج منظومة العناية الثقافية.
تعود الناقدةُ إلى سؤال الاستعارة المتضمن تبني (الفضاء الهالي)، تمهيدا لتأويل النصوص الشعرية العراقية مختلفة الأجيال، وقد خرجت من جلباب ما بعد الحداثة تحمل رؤية مغايرة للمألوف النخبوي، بما يتيح للنقد أن يقرأ رؤاها وقد جعل متلقيها رائيا جديدا، لا صلة له بالرؤى النقدية السياقية، أو الحداثية، فهو يعيش أجواء ما بعد الحداثة بمفاهيم جديدة لها صلة بالنص والتناص، وحضور التناصية ما بعد الحداثية، التي كسرت أسطورة الفرد الواحد وهالته، وارتضت لنفسها أن ترفض النظريات، والأيديولوجيات الكبرى، باحثة عن المساحات الجديدة لقراءة التاريخ، والأدب، والمظاهر اللافتة للنظر، مركزة على ما هو هامشي معطل.
ترى الناقدة أن النصوص التي تخيرتها عينة للإجراء النقدي في حقول الكتاب، ولا أقول فصوله خارج سياق نخبويتها، بمعنى أنها نصوص يمكن قراءتها ثقافيا بتسويغ مهم يتمثل في أن لكل واحد من الشعراء (هالته)، التي اقترنت بحضوره الشعري، وانشغاله – على الرغم من تفاوت أعمارهم وتجاربهم- بمشاريع أثبت الزمن جدواها الشعري، في ظل هيمنة أنواع أدبية أخرى على مساحة التلقي.
إن المسوغ النقدي الذي دفع الناقدة لاستعارة (البعد الهالي) وتبنيه تلخص في: إعادة انتاج (الهالة) بمفهوم جديد يفترض أنها حقيقة قارة لا يمكن للأدب، ومنه النقد أن يتخلى عنها، مع علم الناقدة أن مفهوم (الهالة) متغير، لكنه الآن ينفتح على أفق ما بعد الحداثة النقدية، تلك التي تحتوي الدرس الثقافي وتعلي من شأنه في تعدديتها ومطابقتها. والهالة فضلا عما سبق مفهوم حواري يتمثل في مخاطبة الذات للآخر، سواء أكان ورقيا أم بشريا، وبتنظيراتها السابقة أرادت الناقدة أن تؤكد حقيقة نادى بها أهل التفكيك كثيرا مؤداها: لا نهائية الدلالات، وبها تصبح الهالة حتمية وضرورية، فهي الوحيدة – والكلام للناقدة – القادرة على حل مشكلة خصوصية الإبداع بعد أن اتسعت الدراسات الثقافية كثيرا فتجاوزت برؤاها الأدب نحو العمارة، والفن بمختلف أنماطه، والمظاهر الثقافية المادية، وغير المادية، والحياة بما فيها من منتجات تعبيرية، هكذا نجد الدراسات الثقافية تمدد أذرعها نحو الأدب، والظواهر الفنية، والحياتية، فهي نشاطٌ خاص معني بتقصي الثقافة في قراءاتها، وطرائق اتصالها بالنصوص، والتشكيلات المختلفة، بوصفها من نتائج تحولات ما بعد الحداثة، التي ضربت المركزيات في عَقر دارها، وأدارت الرؤوس نحو هوامش كانت مقصية عن التناول والدرس.
خلصتِ الناقدة في نهاية مقدمتها التمهيدية إلى أن (الهالة) أصبحت علامة شعرية: ثقافية مزدوجة تعبر عن الفرادة بوصفها (هالة عليا) تنتجها الذات الشعرية داخل ملاذها الثقافي بسمتها الحوارية التي تبعدها عن الهالة المجردة من حدود الثقافة، وبذلك التوصيف تكون الهالة عند الناقدة فكرة قابلة للتحديث الرؤيوي، الذي نتعامل معه بوصفه نصا، وممارسة عابرة للمكان، وهي – وهذا ما يقربها من مجال الدراسات الثقافية – لا تمت بصلة إلى ثقافة النخب، والخطابات الرفيعة، ومقولات السلطة، وكتابات التمييز بين البشر؛ لأنها ببساطة علامة شعرية جامعة لنصها قريبة جدا من الوعي الثقافي بمعناه العام.
وخلصت الناقدة أيضا بما يشبه النتيجة بعد تنظيراتها المكثفة، إلى خروج (الهالة) بالاستناد إلى قراءات الكتاب، من كونها مرادفة لمفهوم (المهيمنة) الأسلوبي المقتصر على ما هو لساني، أو جمالي مجرد إلى مفهوم (الثقافي) الذي يتجاوز ما هو أسلوبي إلى فضاء السياقات الثقافية متعددة الوجوه؛ تلك التي تخرج إليها (هالات) الشعراء لتحقق فرديتهم الثقافية، وتنوعهم الزماني والمكاني، لتكون مادة لنصوص ما بعد الحداثة الثقافية، مانحة الهالات قراءات تعيد إنتاجها لا بتكرار أشكالها، بل بإضفاء علامات الثقافة عليها وهي تضاعف من هالتها لتتجاوز مديات القداسة المحضة، والنخبوية التي تهيمن عليها روح الفردانية السالبة فحسب.
وإذ ينتهي المتلقي من قراءة المقدمة بصيغتها التمهيدية، يلج قراءات الكتاب مبتدئا بالسياب ومنتهيا بالشاعر علي وجيه، وقد حددت الناقدة ملامح هالات كل شاعر، فالسياب قرين هالة (المقدس): الديني أو الميثولوجي، التي تجرجره نحو أسطرة الواقع، أي خلق أسطورة الشاعر نفسه بعد أن غدت الأسطورة شيئا من الماضي في ظل هيمنة المعرفة، والعلم على مفاصل الحياة، فكان على الشاعر أن يخلق أسطورته الخاصة بحضور مصطلح جديد قام على دلالة الأسطورة، أعني (الأسطرة) التي تعني جعل الشيء أسطوريا، لا أسطورة، في ظل الخوف من الموت ، الذي أصبح في ما بعد هالة مبثوثة في شعره.
ووجدت الناقدةُ (هالة) عبد الوهاب البياتي في الأسطورة، وهي هالة ثقافية بامتياز وظف الشاعر من خلالها أساطير الأمس من أجل الغد، وهو يصنع مقترباته الثقافية عن طريق البناء الأسطوري، الذي حاور من خلاله العالم كله، ذلك ما لم تجده الناقدةُ في (هالة) نازك الملائكة (العدمية) المنزاحة نحو فضاء الرومانس، فهي امرأة من دم شعري، رأت بأم عينيها الآمال كيف تتهدم، فما كان منها إلا الإذعان للقوانين الاجتماعية، والفكرية لتظل هالتها مسورة بالعدم المحيل على يوتوبيات مختلفة.
مسكت الناقدة (هالة) الشاعر حميد سعيد في (الكتابة)، وبهذا الإمساك تحولت الهالة من فضاء المعنى إلى فضاء الشكل، حيث الكتابة توثيق قاهر للشفاهية، وصناعة لمقدس جديد، تبدو المرأة من خلاله فكرة طوباوية تبحثُ عن مفقود أزلي، وهذا التمثيل الشكلي المحيل على شكل اللغة وجدته الناقدة في (هالة) حسب الشيخ جعفر، المتمثلة في شكل القصيدة المدورة منظورا إليها من خلال الإيقاع، وتدفق الصور في بناء دائري يتأرجح بين الأزمنة، والأمكنة والسرد، والحوار.
عثرت الناقدة على (هالة) الشاعر فاضل العزاوي قرينة لثنائية السلطة، الوطن المنفتحة على الإقصاء، والعنف الثقافي اللذين كانا هما شعريا عند الشاعر، ووجدت أن (هالة) الشاعر عارف الساعدي مرتبطة بالتيه الوجودي، فهو كثير الأسئلة، والحيرة، والتيه وسط مجرات الحياة، لكنه يحلم، لينتهي حلمه عند حافات الوهم، وتلك هالته، وكان للناقدة أن رأت في (هالة) الشاعر نوفل أبو رغيف (الظلام)، فشعره حمال عنوانات الظلام، ومداليله المهيمنة على عمق القصائد.
ورأت الناقد أن (هالة) الشاعر أجود مجبل تكمن في الآخر الثقافي الذي كان سياقا فاعلا في شعريته، سواء أكان الآخر أسطورة أم حقيقة، أم غرابة، وفي شعر وليد الصراف وجدت الناقدة (هالته) متمثلة في الجسد الأنثوي، وفق رؤية كلية بوصفه أيقونة ثابتة الشكل والمحتوى، أما مسك ختام الناقدة فكانت (هالة) الشاعر علي وجيه التي وجدتها في التشكيل، وفيها خرجت الناقدة أيضا من الدلالات الهالية ذات المضمون الى هالة الشكل ثانية، وفق التشكيل المسرود شعرا، وتخطيطا، ورسما، وهو يعاشر قصيدة النثر.
وبعد: فإن عمل الناقدة بشرى موسى صالح في حقل ما بعد الحداثة تنظيرا ونقدا يتساوق تماما والحاجة الملحة إلى تفكيك طبيعة ذلك الحقل، وفك اشتباكه المعرفي المنزاح إلينا من ثقافة (الآخر)، فضلا عن أن عملها النقدي يقف عند تحولات ذلك الحقل، ومنحنياته، بقصد مواجهة الماضي والحاضر، فيما أنتج من فكر، وأدب، أملاً في صياغة نقدية تقترح حلولا إجرائية، ولا تكتفي بالتنظير المنتزع من أفواه الآخرين.
ناقد وأكاديمي من العراق