كنتُ مستغرقاً في قراءة ممتعة لكتاب «عوالم لا حصر لها الحياة في الكون»، للعالِم الفيزيائي (سليم زاروبي) ابن مدينة الناصرة، مستمتعاً في سرده المبسّط للاكتشافات العلمية المذهلة، ومجال أبحاثه الذي يتناول تاريخ تكوّن المجرات ونشوء الحياة على الكرة الأرضية، والسُّؤال القديم حول وجود أو عدم وجود حيوات على كواكب أخرى بأشكال ربما مختلفة عن هذه التي نعرفها على كوكبنا. وهل نشوء الحياة ظاهرة عامة في الكون أم تخصُّ كوكبنا وحده؟ وأين ممكن للعلم أن يتنبّأ بنشوء حياة وفي أيّة ظروف؟ وهل يستطيع العلم بناء نظريات بناءً على قوانين فيزيائية ثابتة، أم أن القوانين تختلف عندما تنشأ الحياة فتتخذ لها مسارات مفاجئة غير مقوننة!
اكتشف العلماء حتى الآن مليونين وثلاثمئة ألف من الكائنات الحيّة على الأرض، ويرجّحون أن يصل عددها مع مزيد من الاكتشافات إلى تسعة ملايين. من وحيدات الخليّة إلى الأكثر تعقيدًا، والتي تعيش في كلّ بيئة ممكن أن نتخيّلها.
منها ما يتغذى ويتكاثر ولا يفعل أكثر من ذلك، ومنها ما يعيش في مجتمعات فيها تقسيم للمهام والوظائف مثل النّمل والنّحل وغيرها. ومنها ما يملك إدراكاً، ومنها من تطوّر وصار يبني حضارات ويفكّر وينشئ برلمانات وحكومات فيها وزراء، والوزراء مستويات في التّطور والذّكاء، فمنهم الحصيف ومنهم السّخيف، ومنهم العنصري والمستعد أن يقوم بأي عمل بذيء لكسب شعبية.
أعجبني المثال الذي قدّمه المؤلف حول عمر الحياة على الأرض. إذا كان عمر الكرة الأرضية أربعاً وعشرين ساعة، فنحن البشر وجدنا في الثواني السّت الأخيرة فقط، فقد مرّت مليارات من السّنين لم يكن فيها حياة، ومليارات أخرى ظهرت فيها حياة بدائية ومليارات تطورت فيها، أما ما يُعرف من حضارة البشر فلا يتعدى عمره سوى بضع ثوان من الأربع وعشرين ساعة. أعشق هذه اللحظات التي تعيد الإنسان إلى حجمه في هذا الكون بل والكرة الأرضية كلها التي تبدو بحجم بذرة سمسم في مجرّة تحوي مليارات المجرات التي تحوي كل واحدة منها مليارات الكواكب. وفجأة يظهر في إحدى وسائط التواصل وزير محاط بمسلحين في مطعم في مدينة إيلات، يهدّد ويتوعّد عاملاً عربياً يعمل في المكان!
وهنا تقدح في رأسي الشّرارة، من جهة نرى عالَماً يزداد اتساعًا على مستوى المعرفة، ومن جهة أخرى نرى عالماً يزداد ضيقًا وسخافة وانحداراً على مستوى الأخلاق.
لا أستطيع تخيّل وزير من الممالك القديمة مثل أثينا أو الآشورية والفينيقية والفرعونية، يفعل هذا، فلقب وزير له هيبته، ومهما كانت سياسته، فالوزير يأبى أن يهبط إلى مستوى تهديد عامل بسيط في مكان عمله.
تبرز تناقضات الإنسان في أوضح صورها. فمن جهة، هناك كائن يدرس إشارات الضوء الأولى في الكون، ويحاول فهم الفضاء المتمدد منذ أكثر من 13 مليار سنة، وقراءة الموجات الراديوية القادمة من زمن يفوق الخيال. ومن جهة أخرى، هناك وزير يصرخ ويهين ويهدّد ويغرق في تفاصيل تافهة لا تتجاوز حدود الحذاء الذي يقف فيه.
الوزير يصرخ باتجاه العامل العربي ويهدّده، والعامل يرد عليه «أنت عنصري».
إنسان في درجة وزير محاط بمسلحين يعربد على عامل بسيط كان المشهد كافيًا لكشف تفاهة الإنسان، وليثبت أننا رغم عقولنا المذهلة، لا نزال قادرين كبشر على السّقوط إلى درجات منخفضة جداً من الحقارة والبهيمية.
هذا المشهد ليس حادثاً سياسياً فحسب، بل مرآة لجوهر فلسفي قديم، «عندما يفتقر العقل إلى المعنى، يتضخّم الجسد بالغرور، وحين تغيب الرؤية الكبرى ينهار الإنسان في التفاصيل».
ما حدث في ذلك المطعم يشبه ما يحدث في بقاع كثيرة من العالم. عنصرية خالصة، صراع هوية، رؤية ضيقة تنظر إلى البشر كفئات لا ككائنات مشتركة الأصل والمصير. هنا يتقلص الكون إلى مساحة طبق طعام، ويتقلص الزمن إلى صرخة غضب، وتضيع الأسئلة الكبرى التي يمكنها أن ترفع الإنسان من وحل اللحظة إلى أفق المعنى.
في المقابل، هناك حركة ثقافية وفكرية واسعة تسعى إلى توسيع زاوية النظر وإعادة الإنسان إلى حجمه الطبيعي في الكون. هذه الحركة لا تتخذ شكل خطاب أخلاقي مجرّد، بل تأتي من قلب العلم نفسه، من علماءٍ يوسّعون مداركنا بشأن وجودنا. من بين هؤلاء العالم النصراوي سليم زاروبي، الذي لم يكتف بأن يقف على أطراف العقل العلمي لدراسة الكون المبكّر، بل حمل معه هذا العلم نحو الناس، مبسّطًا ومترجماً ومفتوحاً على الثقافة الإنسانية.
في محاضراته التي حظيتُ بسماعها غير مرّة، لا يتحدّث زاروبي عن الكون كما لو كان معادلة باردة أو دراسة تقنية مغلقة، بل يقدم العلم بوصفه أوسع من النظرية، وأعمق من التقنية، وأقرب إلى سؤال فلسفي حول معنى الوجود. فهو يشرح نشأة النجوم الأولى، وعصر إعادة التأيّن، وتوزيع المجرات، وسلوك الهيدروجين القديم، لكنه يفعل ذلك عبر سردية إنسانية تشبه تسلسل الأفكار التي سكنت العقل البشري منذ سقراط وأفلاطون إلى فولتير وكانت، مروراً بابن رشد والفارابي والرازي وغيرهم.
العلم يظهر كدعوة إلى التواضع. الكون ليس مسرحًا للإنسان وحده، بل مساحة وجودية لا نهائية تحوي مليارات المسارح التي لا نعرف عنها شيئًا. هذه الأفكار ليست علمية فحسب، بل ثقافية في جوهرها، فهي تبرز الإنسان كمشارك صغير في حدث كوني هائل لا يحتاج منه سوى إدراك حجمه الحقيقي.
لو حمل الوزير جزءًا من هذا الإدراك، لما وجد ما يدفعه لإهانة إنسان آخر يعمل في مطعم. فالعنصرية تنهض حين يظن الإنسان التافه نفسه مركز الكون، ويسعى لتوسيع نفوذه السياسي من خلال التفاخر في دناءة أخلاقه.
بمجرد النظر إلى صورة مأخوذة من تلسكوب فضائي، يصبح من الصعب الدفاع عن فكرة التفوق البشري. وما إن يدرك المرء أن ذرات جسده جاءت من انفجار نجمي، وأن العناصر التي يتغذى عليها ولدت في أفران نجمية هائلة، حتى تتبخر فكرة الحدود القومية التي تجعل شخصاً عنصرياً برتبة وزير يهاجم عاملاً.
زاروبي يُخرج العلم من المختبر ليصبح لغة الحياة اليومية. هنا أهمية ما يفعله سليم زاروبي في كتابه «عوالم لا حصر لها، الحياة في الكون» فهو يقدم لنا بلغة سلسة ومبسّطة تجربة معرفية عميقة تُعيد ترتيب الوعي. حين يدرك المتلقي أنه يعيش على كوكب صغير يدور حول نجم صغير في مجرة صغيرة لا يُعد وجوده فيها شيئاً أمام المساحة الزمنية والفيزيائية للكون، عندها يصبح من الأسهل فهم سخف الإهانات وفجور الاستقواء.
إن معرفة الكون لا تفيد الباحثين وحدهم، بل تفيد كل من يسعى إلى معنى خارج حدود الجغرافيا والعِرق والحدود السياسية. في هذا السياق، تتخذ عملية تبسيط العلوم طابعاً إنسانياً عميقاً في تواضع، فهي تنظيم جديد للمعرفة يجعلها متاحة للمطالع العادي من غير اختصاصات فلكية.
إنّ حادثة الوزير ليست مجرّد خبر عابر، بل مرآة لمرض عميق، مرض يختبئ في ثقافة تستبدل بالعلم وهماً، وبالمعرفة خرافة، وبالتواضع مبالغة في تقدير الذات. وفي الموضع المقابل، يمثل العالِم زاروبي نموذجاً للمثقف العلمي الذي يضع الكون في يد القارئ لا ليجعله خبيراً، بل ليجعله إنساناً.