هل من المعقول ألا يهتم نفتالي بينيت بهزيمة نتنياهو في الانتخابات، والعودة إلى منصب رئيس الوزراء وقيادة عملية إعادة بناء إسرائيل التي طال انتظارها بعد الكارثة غير المسبوقة التي حلت بها في مذبحة 7 أكتوبر؟ الحقيقة أنه من الواضح أن معسكر معارضة نتنياهو عاجز عن تشكيل حكومة بدون دعم الأحزاب العربية. لذا، فإن بينيت وكل المعارضة (باستثناء تلميحات آيزنكوت الغامضة) لا يكتفون بعدم إظهار أي رغبة في تشكيل تحالف مدني ديمقراطي مع ممثلي المواطنين العرب، بل بالعكس، يتهربون مراراً وتكراراً من هذا السيناريو.
في الواقع، بينيت متردد في مواجهة نتنياهو؛ فهو يميني متطرف يتبنى معظم مواقفه الأيديولوجية. لذلك، أمام معضلة الاختيار بين “خيانة” قيم اليمين وإقصاء نتنياهو سياسياً مع الاعتماد على أصوات العرب، أو الخسارة بشرف ومحاولة الانضمام لحكومة نتنياهو رغبة في “إصلاح الوضع من الداخل”، من المحتمل أيضاً أن يختار بينيت الخيار الثاني.
ولكن هل يكمن التحدي الأيديولوجي السياسي الكبير الذي وصل الآن إلى عتبة بينيت حتى إلى هنا؟ بالفعل، لا شيء “يمينياً” في التطلع العنصري والمشين لمنع المواطنين العرب في إسرائيل من المشاركة في تحديد مستقبل دولتهم من خلال ممثليهم في الكنيست، وهو المعنى الحقيقي الوحيد لشعار “التحالف الصهيوني” الذي تتجمع حوله أحزاب المعارضة الآن. وإذا كان بينيت ينوي بالفعل صياغة بديل يميني مناهض للكهانية فمن الواضح أن أحد مبادئه الأساسية سيكون المصادقة على المساواة المدنية الكاملة للمواطنين العرب في إسرائيل، والرفض القاطع لاستبعادهم من الائتلاف الحاكم.
صحيح أنه لا يجب الاستخفاف بحقيقة أن حرمان الشعب الفلسطيني من حقه بدولة خاصة به بين البحر والنهر، وهو الرأي اليميني بامتياز – قد يرتبط بموقف ضد المساواة المدنية الكاملة للمواطنين العرب الفلسطينيين في إسرائيل، ولكن مع ذلك، يشير استعراض تاريخ اليمين الصهيوني إلى أن هذا الربط غير ضروري، إذ برزت شخصيات محورية وبارزة قبل إقامة الدولة وبعدها، دافعت وبحزم عن فكرة أرض إسرائيل الكاملة، ودعمت في الوقت نفسه المساواة المطلقة في الحقوق بين اليهود والعرب.
هكذا، إنجاز زئيف جابوتنسكي باستمرار إلى نماذج مستوعبة في الدولة اليهودية، تجمع بين المساواة في الحقوق الفردية والاعتراف بالحقوق الجماعية للأقلية العربية. كما عارض مناحيم بيغن الحكم العسكري في بداية قيام الدولة. واقترح موشيه آرنس ضم أراضي “يهودا والسامرة” مع إعطاء الجنسية الإسرائيلية للفلسطينيين. في ضوء كل ذلك، إذا قرر بينيت دعم فكرة إشراك الأحزاب العربية في الائتلاف علناً وبصراحة، فلن يكون ذلك تحولاً “يسارياً”، بل عودة إلى نهج اليمين الإسرائيلي الليبرالي القديم – وهكذا سيتعين عليه تقديم هذه الخطوة.
الصعوبة الثانية التي يجب عدم تجاهلها، التي تقف في طريق بينيت إذا أراد تسويق للجمهور اليهودي التعاون الائتلافي مع ممثلي الجمهور العربي، ترتبط بزيادة مشاعر العداء تجاه العرب في أوساط اليهود الإسرائيليين على خلفية مذبحة 7 أكتوبر. مع ذلك، رغم غرابة الأمر، يمكن بالتأكيد إعادة النظر في المذبحة بطريقة تتيح فرصة غير متوقعة لبناء رواية إسرائيلية – عربية مشتركة. في الواقع، لم يميز قتلة حماس بين اليهود والعرب في المذبحة، ولسبب وجيه – بالنسبة إليهم يعتبر المواطنون العرب في إسرائيل الذين يرغبون في معظمهم في التعايش بسلام ومساواة مع الجمهور اليهودي الإسرائيلي، متعاونون مع الكيان الصهيوني. في الحقيقة، لم يكن الهجوم القومي الإسلامي الدموي موجهاً لليهود الإسرائيليين فقط، بل للهوية الإسرائيلية مع كل مركباتها المختلفة، لذا فإن الاستجابة المناسبة من حيث الهوية التي يجب صياغتها بعد المذبحة هي تعزيز الروابط المدنية التي تجمعهم.
لا أحد يتوقع أن يتنازل بينيت عن موقف الأيديولوجي الأساسي الذي يدعو إلى فكرة أرض إسرائيل الكاملة، بل العكس، ومثلما قال يئير أسولين مؤخراً (“هآرتس”، 28/11)، فإنه من الأفضل أن يتميز البديل للبيبية في المقام الأول بالأصالة، ولا شك أن بينيت شخص أصيل، فهو يميني قومي ومتدين، يؤمن بالحق القومي الحصري لليهود في أرض إسرائيل.
مع ذلك، إذا أعرب بينيت عن دعمه الصريح للتعاون السياسي مع ممثلي العرب في الكنيست فلن تتأثر مصداقية موقفه قيد أنملة. بل على العكس، يتذكر الجميع استعداده لتأسيس حكومة التغيير على دعم الحركة القومية العربية، ويتذكر أيضاً بأن هذه لم تكن خطوة انتهازية من جانبه، بل رغبة صادقة في الحفاظ على حوار سياسي مدني مع حزب عربي معتدل.
في ضوء ذلك، فإن تردده الحالي في السماح لحزب عربي بالمشاركة في الائتلاف في المستقبل، هو الذي يضر بمصداقيته. الوعي العام الإسرائيلي ينظر إلى بينيت على أنه أول يميني سمح لممثلي الشعب العربي أن يكونوا أحد قادة ائتلافه، والآن بقدر ما يشير إلى أنه لا ينوي إعادة هذا التحالف، بات ينظر إليه على أنه شخص يخشى اتخاذ هذه الخطوة المدنية الشجاعة والأصيلة مرة أخرى خشية من اليمين الكهاني. مع ذلك، على من يريد الفوز ألا يظهر علامات الخوف، وهذا سبب آخر، وربما الأهم، يدفع بينيت إلى السعي بشجاعة إلى تأسيس تحالف صهيوني مدني يشمل أيضاً المكون العربي.
ديمتري شومسكي
هآرتس 24/12/2025