عادت الحرب إلى سوريا، إذن، من بوابة عملية عسكرية أمريكية ضد داعش، شملت عشرات الأهداف، أطلق عليها البنتاغون اسم «عين الصقر» ووصفها بأنها «ردٌّ انتقامي على هجوم تدمر» الذي قُتل فيه ثلاثة أمريكيين، الأسبوع الماضي. وقالت الوزارة إنها ليست حرباً جديدة، بل عملية محدودة من غير تحديد لإطارها الزمني.
وبالنظر إلى أن تنظيم داعش قد خسر الأرض الجغرافية التي أقام عليها دولته بين العامين 2014-2019، و»تبخر» من تبقى من مقاتليه وتواروا عن الأنظار، ليستأنفوا في السنوات اللاحقة، عمليات متفرقة، فُرادى أو في مجموعات صغيرة، فلا يمكن للتحالف الدولي أن يصل إلى لحظة يقول فيها بثقة إنه تم القضاء على التنظيم بصورة نهائية. وهو ما يعني أن كل عملية جديدة لداعش تستهدف الوجود الأمريكي في سوريا سيُرد عليها بعملية انتقامية جديدة، الأمر الذي من شأنه أن يحولها إلى استئناف لحرب التحالف الدولي على داعش بأفق مفتوح.
غير أن المرحلة الجديدة من هذه الحرب قد بدأت في إطار سياسي جديد مختلف عن شروط مرحلتها الأولى التي كان قد أطلقها الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما. أول عناصر الاختلاف يتمثل في انضمام السلطة الحاكمة في دمشق إلى التحالف الدولي، بدلاً من اقتصار الأمر على قوات «قسد» كحليف محلي، كما كانت الحال في السنوات السابقة. وثانيها عودة ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة، مع ما ينطوي عليه من اختلافات في سياساته الدولية عن الإدارات الديموقراطية السابقة، وميله إلى عقد الصفقات بدلاً من خوض الحروب. وثالثها العامل الإسرائيلي المنفلت في المحيط في أعقاب «طوفان الأقصى» وتداعياته، وتدخلاته المباشرة في سوريا منذ سقوط نظام الأسد. ورابعها أن داعش قد أعلن الحرب علانيةً على السلطة الحاكمة الجديدة في سوريا واصفاً إياها بـ»المرتدة».
وكشف هجوم تدمر في 13 كانون الأول /ديسمبر الجاري عن قابلية القوات التابعة لسلطة دمشق للاختراق من قبل تنظيم داعش، بعدما اتضح أن منفّذه عنصر في قوات الأمن العام التابعة لوزارة الداخلية، وقد اضطرت الوزارة لتسويق رواية ركيكة عن العنصر الذي كانت قد كشفت أمره وأصدرت قراراً بفصله، لم ينفّذ بسبب يوم عطلة رسمية! فإذا كانت الرواية صحيحة فهذا مما يزيد الطين بلة من حيث مسؤولية هذه السلطة عما حدث، ولا يقلل منها كما يأمل من أعلنها. على أي حال فإن مقاتلي داعش الخفيين لا يضعون على رؤوسهم علامة على انتمائهم التنظيمي، بل ينتمون إلى الفضاء الإيديولوجي نفسه الذي يضم المنظمات الجهادية الأخرى في سوريا التي تشكل العمود الفقري لقوات الجيش والأمن العام التابعين للسلطة الجديدة في دمشق، وإن كان الأولون أكثر تشدداً في معتقداتهم وممارساتهم. معنى ذلك أن الانتقال في الولاء التنظيمي ميسور في الاتجاهين، ومن الصعب الكشف عن الخلايا النائمة أو الذئاب المنفردة لداعش قبل قيامهما بتنفيذ عملية دموية قد تطال بنى أمنية وعسكرية أو سياسية أو مدنية للسلطة القائمة في دمشق، بما أن التنظيم قد أعلن الحرب عليها، هذا إضافة إلى القوات الأمريكية التي توسع انتشارها على الأراضي السورية، ولم يعد وجودها مقتصراً على شرق الفرات، بعد انضمام دمشق إلى التحالف الدولي رسمياً.
أول عناصر الاختلاف يتمثل في انضمام السلطة الحاكمة في دمشق إلى التحالف الدولي، بدلاً من اقتصار الأمر على قوات «قسد» كحليف محلي… وثانيها عودة ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة
كان لافتاً في تصريح ترامب الذي أعقب بدء عملية «عين الصقر» قوله إن الولايات المتحدة قد أخبرت إسرائيل عنها بصورة مسبقة! من المحتمل أن يكون سبب ذلك تجنب اصطدام غير مرغوب به بين الطائرات الأمريكية وتلك الإسرائيلية في الأجواء السورية. لكن التنسيق العملياتي من هذا النوع لا يحتاج إعلاناً سياسياً بهذه الفجاجة. إعلان يعبر عن مدى التسليم الأمريكي لإسرائيل بـ»حقها» في السيطرة العسكرية على الأجواء السورية إضافة إلى توغلها البري في المناطق الجنوبية وصولاً إلى قرب العاصمة دمشق.
بالمقابل أعلنت وزارة الخارجية السورية عن تصميم السلطة على مواجهة داعش بالشراكة مع التحالف الدولي، تصريح مقتضب يعكس حرجها المزدوج في هذا التموضع: من بيئتها الجهادية لأنها تحارب «أخوتها في الجهاد» من جهة أولى؛ ومن الحليف الأمريكي بسبب اختراق داعش لبنيتها الأمنية على ما سبقت الإشارة بخصوص هجوم تدمر.
بيد أن عملية «عين الصقر» تطرح سؤالاً آخر ربما هو الأخطر من زاوية نظر مستقبل سلطة دمشق: تُرى هل قرر الحليف الأمريكي أن يقوم بنفسه بـ»المهمة القذرة» المتمثلة في تطهير سلطة دمشق من الجهاديين والفكر الجهادي المتطرف، بعدما أثبت أحمد الشرع عجزه عن القيام بها كما هو مطلوب منه؟
وهنا لا بد من الإشارة إلى الاشتراطات التي فُرضت على الشرع وفريقه المصغر مقابل إلغاء صفة الإرهابي عنه وعن وزير داخليته أنس خطاب وفق قرار مجلس الأمن 2799 تحت الفصل السابع، والاشتراطات الأخرى من الكونغرس الأمريكي مقابل إلغاء قانون قيصر. تُرى هل تتضمن التزامات الشرع تجاه إدارة ترامب بنوداً غير معلنة تتعلق بإسرائيل؟ ربما جاءنا الجواب من خارطة سوريا المنقوصة التي شكلت خلفية تغريدة في موقع وزارة الخارجية والمغتربين تعلن فيها عن إلغاء قانون قيصر. فقد كان لافتاً أن هذه الخارطة لا تشمل الجولان المحتل، إضافة إلى لواء الاسكندرون! وتزامن ذلك مع إعلان ترامب مجدداً «منح» الجولان لإسرائيل، من غير أن يصدر أي اعتراض من جانب سلطة دمشق.
هذا الاستخفاف بالسيادة الذي سبق ومارس بشار الأسد ما يماثله حين ألغى لواء الاسكندرون من الخارطة إبّان شهر العسل مع تركيا في العام 2004، ثم أعاده إليها بعد العام 2011، تستأنفه اليوم سلطة الشرع مقابل تمسكها بالسلطة، في حين يجتهد إعلامه الرسمي «ببسالة» في نسج تحالف خيالي بين داعش، وقسد والهجري وإسرائيل!
كاتب سوري