إعادة إعمار جنوب لبنان: معادلة معقّدة بين احتواء الانفجار وشروط الحل السياسي المستدام

رلى موفّق
حجم الخط
0

ليس ملف إعادة إعمار جنوب لبنان مجرّد مسألة إنسانية أو تقنية تتصل بإعادة إعمار ما هدَّمته الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» في لبنان، بل هو اختبار شامل لقدرة الدولة اللبنانية على استعادة دورها كاملاً، ولموقعها في المعادلة الإقليمية والدولية، ولمسؤوليتها تجاه أبنائها المنهكين منذ «سرقة العصر» لأموال المودعين في المصارف، والانهيار المالي – الاقتصادي في البلاد، لتكتمل الحلقة بعد انخراط «الحزب» في ما أسماه «حرب الإسناد» في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023 دعما لـ«طوفان الأقصى»، ثم الحرب الواسعة الإسرائيلية عليه التي استمرّت 66 يوماً في 2024، بحيث دخل الجنوب مرحلة غير مسبوقة من التدمير، لم تقتصر تداعياتها على الحجر والبشر والاقتصاد في المناطق المستهدفة وبيئتها، إنما على لبنان برمته بمختلف مكوناته واتجاهاته ونسيجه الاجتماعي واقتصاده ومستقبله، وأعادت فتح أسئلة مؤجَّلة حول السلاح، وحصره بيد الشرعية وحول وظيفة الدولة، وأيقظت طروحات قديمة – جديدة حول الفيدرالية تحت مسميات مختلفة، مستفيدة من التبدلات الحاصلة في الإقليم التي ستطبع الشرق الأوسط لعقود مقبلة.
من البديهي أن تكون عملية إعادة الإعمار، وعودة الأهالي إلى قراهم، أولوية لا تلفّها انقسامات داخلية، لكنها اليوم لم تعد منفصلة عن الشروط السياسية والأمنية، ولم تعد ممكنة من دون المرور بعنق الزجاجة الدولية التي تربط أي دعم مالي بحلّ معضلة سلاح «حزب الله» وبسط سلطة الدولة اللبنانية، بدءاً من جنوب الليطاني، وفق اتفاق وقف الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024 والمستند إلى قرارات دولية سابقة ولا سيما القرار 1701.
في لغة الأرقام، فإن حجم الخسائر التي تكبّدها لبنان في هذه الحرب يفوق بكثير ما خلّفته حرب تموز/يوليو 2006. عند المقارنة، تظهر فجوة واضحة في حجم الخسائر، وفق الباحث في الدولية للمعلومات محمد شمس الدين. فحرب الـ33 يوماً كلّفت لبنان حينها نحو 5.3 مليارات دولار، منها 4 مليارات أضرار مباشرة و1.3 مليار خسائر غير مباشرة بحسب أرقام رسمية لبنانية ودراسات البنك الدولي آنذاك. وتوزّعت الكلفة على نحو 2.2 مليار دولار للمساكن، و900 مليون للبنى التحتية، و450 مليون للزراعة، إضافة إلى سقوط نحو 900 شهيد و4000 جريح ونزوح ما يقارب 600 ألف شخص، بينما تُشير التقديرات الحالية إلى أن إجمالي الخسائر المباشرة يبلغ نحو 8.5 مليارات دولار، فيما تصل الخسائر غير المباشرة الناتجة عن توقف الأعمال والنشاط الاقتصادي وتراجع الزراعة إلى نحو 4.5 مليارات دولار، أي ما يقارب 13 مليار دولار بالإجمال
ولا تشمل هذه الأرقام فقط الجنوب، بل تمتد إلى الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق أخرى تعرّضت للاستهداف. ويشير شمس الدين إلى أن كلفة إعادة إعمار المساكن وحدها تُقدّر بنحو 6.3 مليارات دولار، في ظل تدمير نحو 53 ألف وحدة سكنية تدميراً كاملاً، وتضرّر عشرات آلاف الوحدات الأخرى بأضرار جسيمة أو طفيفة، إضافة إلى خسائر كبيرة في القطاعات الزراعية والتجارية والصناعية.

استهداف يومي وأرقام تتبدّل

ومع الدخول في التفاصيل، تبدو الأرقام أكثر قسوة وكارثية. فعدد الوحدات السكنية المدمّرة كلياً يُقدّر بنحو 53 ألف وحدة، بكلفة إعادة إعمار وسطية تُقارب 75 ألف دولار للوحدة، فيما تضرّرت 35 ألف وحدة بأضرار جسيمة تحتاج إلى نحو 25 ألف دولار للوحدة، إضافة إلى 292 ألف وحدة بأضرار طفيفة بكلفة تقديرية 5 آلاف دولار لكل وحدة. وحدها كلفة المساكن تصل إلى نحو 6.3 مليارات دولار، يضاف إليها 650 مليون دولار للبنى التحتية، و520 مليوناً للمؤسسات التجارية والصناعية، و950 مليوناً للزراعة، و390 مليون دولار لإزالة الأنقاض والأضرار غير المرئية.
وما هو معلن عن الخسائر البشرية، تصل أرقامه الأولية إلى 4068 شهيداً و16690 جريحاً، وهي مرشحة للارتفاع عند استكمال عمليات التوثيق في ظل استمرار الجيش الإسرائيلي باستهدافات شبه يومية عبر مسيَّراته لمن يصفهم بعناصر ميدانية لـ«الحزب» يعملون على إعادة تأهيل بنى تحتية له، ما يُشكِّل ـ بمنظوره – خرقاً لاتفاق 27 تشرين الثاني/نوفمبر، حتى إن حجم الأضرار يتغيَّر مع الضربات الجوية الإسرائيلية التي تستهدف منشآت وأبنية ومرائب ومعدات، بلغت ذروتها بتدمير منشآت صناعية ومعارض لبيع آليات الحفر والجرافات في منطقة المصيلح، كانت الدولة تنوي التعاون معها للبدء بمشروع تأهيل للبنى التحتية في 38 بلدة جنوبية، بتمويل من قروض قديمة جمعتها الحكومة بقيمة 100 مليون دولار. يومها، تمَّ تفسير تلك الغارات الإسرائيلية في تشرين الأول/أكتوبر 2025 على أنها رسالة للدولة اللبنانية، مفادها أن الإعمار ممنوع قبل الانخراط في عملية تفاوض مباشرة مع إسرائيل لحلّ النقاط العالقة بين البلدين، والتي يُفترض أن تؤول إلى إقفال نهائي لجبهة الجنوب اللبناني، بما يتعدى الترتيبات الأمنية، التي ما عادت تشكّل ضمانات دائمة، إلى خلق منطقة عازلة بعناوين اقتصادية برّاقة يمكنها أن توفّر مظلة أمان نظراً إلى الفوائد الاقتصادية المتأتية عنها للبلدين، وإلى حجم الاستثمارات العربية والدولية وحتى الإسرائيلية التي سيتم ضخها في مشاريع كبرى، من شأنها أن تفتح الطريق إلى التطبيع بأشكال محددة بانتظار الصفقة الكبرى التي يطمح إليها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في توسيع الاتفاقيات الإبراهيمية.

الدولة أمام لحظة الحقيقة

ثمة أمران ملؤهما اليقين: الأمر الأول أن هناك موقفا دولياً حاسماً يربط إعادة الإعمار بحل سياسي وأمني مستدام. فوفق ما تنقله مصادر أممية وتقارير لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فإن أي استثمار واسع في إعادة الإعمار يتطلب بيئة مستقرة، وإدارة دولة قادرة، والتزاماً واضحاً باتفاق 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، وبالقرارات الدولية ذات الصلة، وأن الدعم الخليجي لن يُقدَّم من دون إنهاء ملف السلاح وبسط سلطة الدولة اللبنانية، باعتبار أن إعادة الإعمار لا بدَّ أن تكون نهائية غير معرّضة للتدمير في حروب جديدة، ما يعني أن ذلك مرهون بحلول جذرية أو مضمونة على طريق إنهاء الصراعات العسكرية. أما الأمر الثاني، فهو عدم وجود أموال للإعمار في خزينة الدولة، وتعلم الحكومة جيداً أن أي مسار واقعي يمرّ حكماً عبر الخارج. وهي تعترف أساساً بأن الدولة عاجزة مالياً عن تحمّل كلفة إعادة الإعمار. فموازنة الدولة التي لا تتجاوز الستة مليارات دولار، وبالكاد تغطي الرواتب والنفقات الأساسية. ما يعني أن أي حديث عن تمويل داخلي واسع يُعدُّ، وفق خبراء ماليين، غير واقعي وسيستغرق سنوات طويلة، ما يجعل التمويل الخارجي الخيار الوحيد، سواء أكان عبر القروض أم المساعدات.
لكن لا بدَّ للحكم والحكومة من التوقف عند اعتبارات ضرورية والموازنة فيما بينها؛ إنها مسؤولة عن أبنائها الذين فقدوا أرزاقهم وأملاكهم، وهم في غالبيتهم من الطائفة الشيعية، الذين يشعرون بالهزيمة والانكسار، بحيث إذا لم يتم احتواؤهم فسيحصل الانفجار عاجلاً أم آجلا؛ ومسؤولة عن تحويل المأزق إلى فرصة، بأن يكون الاحتواء جزءاً من مشروع الانتماء إلى الدولة لا إلى الدويلات؛ ومسؤولة عن استعادة الثقة بها، عبر الابتعاد عن أي انحراف نحو الزبائنية وتجيير الإنجازات للقوى المتحكمة على الأرض من أجل مزيد من تعزيز سلطتها؛ وأيضاً مسؤولة عن رؤية شاملة لإعادة الإعمار والآليات التنفيذيه ووضع معايير شفافة؛ ومسؤولة عن عدم الصدام مع الشروط الدولية بخلاف ما جرى بعد حرب 2006 حين تدفّقت الأموال العربية والإيرانية سريعاً. اليوم لا استعداد لدى المانحين لضخّ أموال في بيئة غير مستقرة أمنياً، أو في ظل وجود سلاح خارج سلطة الدولة، أو من دون آليات رقابة صارمة وشفافة.

إعمار أم إعادة إنتاج الأزمة؟

ما الذي حرَّك المخاوف؟ فرغم اكتمال الكشوفات، كانت لا تزال عملية إعادة الإعمار الفعلية متوقفة، ذلك أن الآلية التي أعدّها مجلس الجنوب والهيئة العليا للإغاثة لم تُدرس بعد ولم تُقرّ في مجلس الوزراء، ولم تُرصد الأموال اللازمة لتنفيذها في مشروع موازنة 2026، نظراً إلى عدم قدرة الدولة على ذلك. ولكن لجنة المال والموازنة النيابية في جلستها الخميس في 11 كانون الأول/ديسمبر الجاري، أقرت بحضور وزير المال نقل 90 مليون دولار من احتياطي مشروع موازنة 2026 إلى مجلس الجنوب و«الهيئة العليا للإغاثة» بهدف «سداد جزء من مستحقات إعادة الإعمار» كما جاء في خلاصة الشرح. ففي موازين الحسابات السياسية الداخلية، اعتُبر القرار إنجازاً لـ«الثنائي الشيعي»، في مقابل اعتراض واسع داخل اللجنة وخارجها، ما حدا بنائب «القوات اللبنانية» إلى وصف ما جرى بـ«التهريبة»، معتبراً أن اقتطاع الأموال من الاحتياطي بقرار لجنة نيابية، لا بقرار حكومي، يُشكّل تجاوزاً للأصول الدستورية، ولا سيما أن إقرار الموازنة في البرلمان سيتم بمادة واحدة دون القدرة على إدخال تعديلات نظراً إلى تحكّم رئيس المجلس بإدارة الجلسات. تبع هذا القرار، إقرار مجلس النواب مشروع قانون اتفاقية قرض مع البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار لإعادة ترميم البنى التحتية في الجنوب، بعد نجاح رئيس المجلس بتأمين النصاب، الذي كان مفقوداً في جلسات سابقة، على خلفية الكباش الدائر حول تعديل قانون الانتخابات النيابية، ما سيجعل إجراء الانتخابات على أساس القانون النافذ الذي يحصر تصويت المغتربين بـ6 مقاعد للاغتراب وليس على أساس الـ128 مقعداً بحسب دوائرهم الانتخابية.
المخاوف تتمثل في أنَّ ما يتم إقراره راهناً يصبُّ في إطار تأمين الأموال للطبقة السياسية الحاكمة التي ستكون قادرة على أن تتحكم بصرفها وكأنها رشوة انتخابية داخل بيئاتها على أبواب انتخابات ربيع 2026، فضلاً عن مخاوف من الفساد المرتبط بالزبائنية التي رافقت مراحل إعادة إعمار سابقة، وهي ستعيد إنتاج المنظومة نفسها!

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية