يقال إن الزمن كفيلٌ بمداواة جراحنا… تلكَ الجراح التي تصنعنا وتشذبنا وتجعل منا كائناتٍ مرصعة بالعيوب الجميلة. ومن ناحية أخرى، يأتي النسيانُ هبةً من الله، كي نلملمَ ما بُعثِر من أرواحنا وننهض من جديد، لندرك أن في الدنيا ما يستحق الحياة.
كنا في وقتٍ لم يسمع أحدٌ منا بالإيميل أو الهاتف النقال. كان هاتفُ المنزل ميزةً لا يحظى بها الكثيرون، فالمكالمات الدولية مكلفة، وكانت تقتصر على المناسبات الخاصة جداً، كوفاة أحدهم مثلاً. أما الرسائل، فقد كانت تستغرق أشهراً حتى تصل لتطلعك على أخبار بالية، لا قيمة لها. ولكنها رغم ذلك، تصل محملة برائحة الحبر والشوق.. تشعر بكل كلمة وتتخيل كل إيماءة، وتتذوق كل غصة.
كان ذلك في أواخر 1991.
أتذكر جراح أبي جيداً، وما أكثرها، لكنه كان يصمد بوجهها، فهو أصلب من الزمن، وقلبه أعمق من الألم. وله ذاكرة أنقى من الأساطير المحفورة في الصخر. أتذكر العبرة التي اعترت صوته حين تلقى خبر وفاتها. دموع تعلق في أهدابه وهو يجاهد كي يحول دون سقوطها. شاهدته يغلق الهاتف ويجلس محني الظهر ورأسه مدفون في راحتيه.
اقتربت منه ببطء:
أبي، ما الأمر؟
نجلاء..
خدش ذلك الاسم قلبي وأنا أنظر إلى والدي الذي بدا منكسراً، وهو يجلس ملتحفاً الصمت والأسى. أدركت ما تعنيه تلك اللحظة لنا جميعاً. لن تكون الحياة كما كانت، فقد رحلت ابنة عمي وأختي الكبرى.
كنت أحبها حباً جماً، بقدر غيرتي من عمق علاقتها بأبي. كنت أراقبهما وهما يلعبان الشطرنج وأستمع إلى أحاديثهما الطويلة عن كل شيء وأي شيء. أتذكر طبعها الجامح وعنادها ومرحها الطفولي. كانت ابنته قبل أن تكون ابنة أخيه، فقد كان حاضراً لحظة فتحت عينيها على هذه الحياة، وهو الذي سماها «نجلاء»، وكأنه نظر خلسة إلى مستقبلها وما ستتحلى به من حُسن. أظن أن ما جعل حزنه أشد ضراوة، هو سفره المفاجئ دون وداعها. كانت نجلاء في بداية مرضها في تلك فترة، ولم يخطر بباله بأنه لن يحظى بفرصة أخرى كي يسمع عتابها وألمها لفراقه، فلا بد وأن يأتي اليوم الذي يلتقيان فيه ثانية، وحينها، سيتمكن من مواساتها والتخفيف عنها، وسيغسل عنها حزنها بكلماته العذبة.
مرت الأيام وكأنها سلاحف هرمة، كل يومٍ يمحو القليل من الألم، وأخذ جرح رحيلها يندمل شيئاً فشيئاً. إذ لا بد للحياة أن تستمر. أخذتنا مشاغلنا ومسؤولياتنا، كل في طريقه، فلا أفضل من الانشغال بروتين الحياة كي ننسى. بدا والدي أحسن حالاً، وأصبحت الحياة أقل وطأة من ذي قبل، لكنني ما زلت أرى الحزن في عينيه، غير أنه لم يعد بشراسته الأولى. إن للزمن لمسة السحر حين يمضي بنا بعيداً عن الذكريات الموجعة. لكن ماذا عن الجراح التي لا تندمل أبداً؟ يمضي بنا الزمن ويحفّنا إحساس مطمئن بالنسيان، ومن ثم ينفتح الجرح على مصراعيه دون سابق إنذار.
حل ربيع صنعاء الآسر: شمسٌ مشرقة تداعب البشرة دون أن تخدشها، ونسيم عليل يهب على الروح قبل الجسد. كنت عائدة من الجامعة عصراً. وجدت أبي جالساً يقرأ رسالة متجهماً وعيناه تتنقلان بين الأسطر، ثم يعود ليقرأها من جديد. اقتربت منه وحييته، لكن رده كان بارداً. بدا شارد الذهن، لكني تعرفت على خط يدها حين نظرت إلى الظرف الملقى على الطاولة. إنها أول رسالةٍ ترسلها نجلاء إلى أبي. أكاد أرى الجراح التي التأمت تستفيق من سباتها ثانيةً، كي تعود به إلى ذلك اليوم المشؤوم.
كانت رسالتها مزيجاً من العتاب والأنين والشوق، لكنها كانت – وأكثر من أي شيء آخر- رسالة وداع. وكأنها أرسلتها إليه من قبرها الموحش. ولربما أبت أن تغادر بصمتٍ دون أن تسمعه كل ما لديها. لم تتصف بالهدوء في حياتها يوماً، فلمَ سيكون موتها مختلفاً؟
لقد مر زمن طويل على تلك الفجيعة، ولم نعد نستهجن فكرة غيابها. نذكرها دون أن يرفّ لنا جفن، أو تخنقنا عبرة. لقد توالت علينا أحزان كثيرة، وأصبح الفقدان ضيفاً ثقيلاً يطرق بابنا بين حينٍ وحين. وكم كانت صدمتي كبيرة حين لمحت تلك الرسالة في حقيبة والدي الـ»سامسونايت» قبل بضعة أيام. نظرت إلى الظرف المطوي وقد أنهكه الزمن وأطفأ بياضه. وتساءلت: كم مرة قرأها على مر السنين يا ترى؟ وكم مرة حاول أن يستحضر صوتها من بين الكلمات الباهتة؟
ربما، لن يلتئم هذا الجرح أبداً، بل يغفو وينتظر، كي يصرخ من جديد. أدركت أن الزمن لا يشفي الجروح، بل يعلّم القلب كيف ينبض وهو ينزف بهدوء. ما يزال أبي يحمل حزنه مثل إرثٍ نبيل، لا كعبء يثقل كاهله. وفي مكان ما، بين الذاكرة والنسيان، ما تزال نجلاء تهمس، ما زال حبرُ كلماتها ينضح عطراً، وغيابها أسى يضيء كفيه.
كاتبة عراقية