الشاعرة المغربية علية الإدريسي البوزيدي: الكتابة لا تبحث عن الرضا.. بل عن الحقيقة

عبد العزيز بنعبو
حجم الخط
0

الرباط ـ «القدس العربي» : تختصر علية الإدريسي البوزيدي علاقتها مع الشعر في كونه يشبه الزائر النادر الذي يطرق بابها حين لا تنتظره. وتشبه العلاقة بينهما بما يحدث بين قبّرة هاربة من عطش السواقي، ومطر تتوق قطراته إلى العشب. الشعر عندها ليس ممارسة يومية جاهزة، بل طقس داخلي يأتي فجأة، يفتح مرآة مزاج البحر أو ينسحب كحبيب أرهقته العاطفة. وتقول: «أنا بخير مع الشعر»، «أما هو، فبخير مع غيري.. وما عليّ إلا الإصغاء لعودته».
تتحدث صاحبة «حانة لو يأتيها النبيذ» لـ»القدس العربي» عن علاقتها بالشعر، كما لو أنها علاقة بين كائنين من الضوء والهواء. فالشعر عندها يأتي بلا موعد، ويغادر بلا إنذار. تقول إنه مرة يظهر في ملامح بحر مفتون بشاطئ، ومرات يهبط إليها كحزن نابض، ثم لا يلبث أن يختفي كحبيب أنهكه الحب.


وترى عضو اتحاد كتاب المغرب، أنه رغم ما يشهده العالم من غزو للرقمي وتضخم في التفاهة، فإن الإبداع لا ينقرض. الإبداع في نظرها صوت داخلي لا يمكن للضجيج أن يبتلعه، وكلما ازدادت التفاهة اشتدت الحاجة إلى من يحمي الذائقة، ويعيد للجمال مكانته الطبيعية. وتشدد على أن الفضاء الرقمي رغم فوضاه، منح الإبداع فرصة لتجاوز الحدود، وأن معارك الكلمة والصورة لا تزال مستمرة، ما دام الإنسان يرفض أن يتخلى عن ذكائه وجماله.
في رصيدها أربعة دواوين شعرية، صدر أولها عام 2009 بعنوان «حانة لو يأتيها النبيذ»، ثم «هواء طويل الأجنحة» عام 2014، وكلاهما ضمن منشورات دار التوحيدي. وقد ترجم الديوان الثاني إلى الإنكليزية عن منشورات «إديليفر» في فرنسا سنة 2017، وإلى الهندية سنة 2019. أما الديوان الثالث فحمل عنوان «ظلال تسقط أعلى»، وصدر عن منشورات بيت الشعر في المغرب سنة 2015، تلاه الديوان الرابع «أزهار تقلدني في السقوط» الذي نشر سنة 2018.
الشاعرة التي تمارس التدريس كمهنة وتشرف على الأنشطة الثقافية للمؤسسة التربوية، حيث تشتغل، تعتبر أن الإبداع ليس رفاهية، بل ضرورة وجودية. هو المركب الذي يعبر به العاشق البحر، والهواء الذي يتنفسه الهارب من التكرار. لذلك فهي تؤمن بأن الشعر كان دائما «مرآة للحكمة، يحتفل بالحياة ويضيء الداخل، وأن الحاجة إليه اليوم أشد من أي وقت مضى في زمن «يصرخ فيه كل شيء».
وعندما تستعيد جذورها الأولى، ردا على سؤال البدايات، تعود إلى مدينة تاونات (المجاورة لفاس)، إلى يد جدتها التي أمسكت بها جيدا، وأوصتها بأن تشرب دائما من رأس النبع. وهي الوصية التي جعلتها علية الإدريسي بوصلة داخلية مكّنتها من اختيار أماكنها كما يختار الماء مجراه، لا تنحاز للقبائل الأدبية ولا تنضم إلى العشائر الثقافية. تفضّل أن تكون بمقاس ذاتها تسمع أصوات العالم في توترها، ولا تركن للولاءات، لأن الإبداع عندها جزيرة صالحة للقلق أينما وجد صوتها الداخلي.
وردا على سؤال حضور الشاعرات في مشهد يقال إنه ذكوري، تؤكد البوزيدي أن بعضا من أجمل ما كتب في الشعر المغربي والعربي اليوم، كتبته نساء. وتستدرك قائلة: إلا أن المشكل ليس في الجودة، بل في النظرة التي تصرّ على قراءة صوت المرأة من زاوية بيولوجية. وفي رأيها، فإن المكان الحقيقي للشاعرة ليس داخل هيكل قديم، بل في بناء هيكل جديد تُقاس فيه التجارب بعمقها، لا بنوع الجسد الذي كتبها.
سؤال المنجز جعلها تتأمل مسيرتها، لتؤكد أنها لا ترى تراكمها الإبداعي حصادا بل رحلة. كتبت لترمم داخلها، كتبت حين ضجّ الصمت، وحين كان الحرف وحده قادرا على انتشالها ولو مؤقتا. ولا يعنيها مفهوم الرضا، لأن الإبداع بالنسبة إليها انكشاف دائم، محاولة متجددة للنجاة. تكتب لتبقى نافذة مفتوحة على ريح جديدة، ولتسأل نفسها دائما ما إذا كان نزيفها نابعا من جرح حقيقي، أم من وهم أراد أن يكون عميقا. وحين سألنا قلبها عن حلم لم يتحقق بعد، عادت مباشرة إلى صورة الأم. تتذكر نفسها جنينا يطرق جدار الرحم كي لا يسقط، وتعتبر أن العودة إلى رحم الأم حلم يستحيل بلوغه. لذلك، تكتب لتظل على العتبة، لتمرر يدها على جدران الحزن، ولتحاول أن تصل إلى ذلك الصمت الداخلي الذي يأخذ شكل نجاة مؤقتة.
أما عن المشهد الثقافي المغربي ورؤيتها له، فتصفه بأنه مشهد بلا مشروع وطني واضح، بلا رؤية مؤسساتية طويلة النفس، رغم الغنى الهائل الذي يملكه المغرب في لغاته وهوياته الإبداعية. فالمبدع – كما تقول – ما يزال بلا حماية أو مواكبة، والثقافة محصورة في المدن، بينما ما يطفو في الإعلام غالبا موسمي أو تجاري. ومع ذلك، ترى أن هناك ثقافة موازية تصنعها إرادات فردية تستمر في المقاومة بصمت.
وتبدو سيرة الشاعرة كامتداد طبيعي لرحلتها مع الكلمة، فقد ولدت علية الإدريسي البوزيدي في التاسع من شباط/ فبراير بمدينة تاونات الجبلية القريبة من فاس، وتابعت دراستها في مسارات متعددة من الدراسات الإسلامية إلى القانون العام، وصولا إلى بحثها الأكاديمي في سلك الدكتوراه في القانون العام والعلوم السياسية. انضمت إلى اتحاد كتاب المغرب، وصدرت أعمالها الشعرية في المغرب، وترجمت إلى لغات عالمية، من بينها الفرنسية والإنكليزية والألمانية والإسبانية والهندية. كما مثلت الشعر المغربي في مهرجانات دولية عديدة مثل، تركيا وفرنسا وتونس ومصر والسويد وإسبانيا والجزائر ورومانيا وهولندا وغيرها، وحضر اسمها في أنطولوجيات شعرية عالمية متعددة، وقد حجزت اليوم لنفسها مكانا ضمن خريطة الأصوات النسائية المميزة، التي تكتب من مكانها الخاص، حيث لا ولاء إلا للحقيقة الشعرية.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية