من «برلمان الأدب» إلى «الأمننة»: نبيل سليمان يكشف وجه السيرة في «أوشام»

لا يجد نبيل سليمان الكاتب الروائي والناقد حرجا في أن يعرّف والده بالدركي المتواضع، الذي نشأ في قرية البودي على مقربة من صافيتا وكلتاهما في محافظة طرطوس، وأن أباه بحكم هذه الوظيفة مضطرٌّ للتنقل من مدينة، أو من بلدة لأخرى، كما البَدْو الرحل. فقبل أن يتم السنة الثالثة من عمره قذفت بهم التنقلات إلى (عامودا) وهي بلدة كبيرة كردية تقع في الشمال الشرقي من سوريا على كثب من الحدود التركية. وفيها قضى سنوات الطفولة المبكرة. وحفظ بضع كلمات كردية، وتعرف على سبب تسمية النهر نهر الخنزير، وسبب تسمية عامودا بهذا الاسم. وأضافت أمه للأسرة طفلة سموها (أمل) وزار مع أبيه الدركي مدينة أكبر هي القامشلي. ثم شاءت الأقدار أن تقذف بأسرة هذا الدركي إلى مدينة أخرى كردية، هي الدرباسيّة التي أنشئت قبل 20 عاما لتكون عديلة الدرباسية التركية المقابلة لها على كثب من الماردين، التي أخذتها تركيا من سوريا، ومن هذه الأجواء الكردية إلى أخرى شركسية في بلدة (عين ظاط).
في هذه البلدة وقع ما أحزن الطفل الذي هو نبيل سليمان، فشقيقته نوال ذات السنوات الثلاث سقطت في البئر الواقع في حوش البيت. وتزوَّج أبوه من فتاةٍ صغيرةٍ فانسحبت على الأم الأمْثال « الضرَّة مرَّة ولو كانت جَرَّة».
وهذا الخليط المتعدد من البيوت، والعلاقات مع الجيران، جعلت من الطفل، قبل أن يكون كاتبا، مزيجا من الناس؛ فهو كردي شركسي سرياني مسلم مسيحي أرمني، وهذا كله جرى قبيل أن يحظى والده بدر عبد الهادي سليمان برتبة عريف صفّ. وقبل أن يظفر نبيل نفسه بشهادة الكفاءة الابتدائية (السيرتيفيكا). لم يكتف هذا الدركي بجل تلك التنقلات، فلا مندوحة له عن الخدمة في تَلْكلَخ. وهي مدينة ينتمي إليها وينتسب بعض النابهين السوريين؛ كعبد الرزاق الدندشي الذي أسس مع زكي الأرسوزي، وصبري العسلي، عُصبة العمل القومي.

فجوة في الزمن

سيكتشف القارئ فجوة حرص المؤلف على المراوحة في الزمن، فيقدم من الحوادث، والمجريات، ما من حقه التأخير، على طريقة الكاتب الروائي. فبعد أن تحدث عن هذا التعيين، وعن زوجته سميعة، وعن الأحاديث النبوية التي تشيد بالجار الجنب، والشيخ صبحي الصالح مؤلف الكتاب المشهور «دراسات في فقه اللغة» يحدثنا عن نقله من الرقة إلى حلب، وما أدراك ما حلب! وبعد سنتين اثنتين جرى نقلهما إلى دمشق 1974 وكان قد امتلك شقة في حلب باعها عام 1978 بمبلغ زهيد قياسا بما بيعت به شقق مشاكلة لها ومشابهة بملايين.

الوقوف على الأطلال

في ذلك المنزل الذي أخلاه سنة 1978 وعاد إليه زائرا متفقدا بعد 32 سنة في ذلك البيت استقبل نبيل سليمان، وحرمه، الكثير من النابهين، عربا، وسوريين. كمحمد جمال باروت، ورياض الصالح، وحنا مينة، وشمس الدين الكيلاني، ونيروز مالك، وعادل أديب آغا، وعصام ترشحاني، والطيب تيزيني، وبو علي ياسين، والفنان التشكيلي مصطفى الحلاج، وهاني الراهب، وصنع الله إبراهيم، وزكريا تامر، وحيدر حيدر، وجورج طرابيشي، وغيرهم الكثيرين ممن لا تتسع لذكرهم هذه القراءَة. صدف أحيانا أن اجتمع من هؤلاء عدد كبيرٌ في سهرة واحدة. وفي واحدة منها وصف أحدهم المجلس بكلمة برلمان الأدب. حدث ذلك في ليلة من ليالي عام 1978 ومن أبرز الظواهر التي تجلت في هذا البرلمان الأدبي ظاهرتا التمَرْكُس (نسبة لماركس) وظاهرة رياض الترك؟
ومن المفارقات التي يذكرها عن ذلك البيت أنه، وزوجته، قاما بتأجيره مفروشا لمدة قصيرة هي مدة الخدمة الإلزامية في الجيش، ومقدارها 18 شهرا. وحين عادا للبيت، وجداه خرابة تحتاج إلى ترميم، والشيء الوحيد الذي لم يعِثْ فيه الخراب هو المكتبة، وذلك دليل ساطع على أن الطلبة الذين تأجَّروه لا يقرؤون. وثمة دليل آخر على أنهم لا يقرؤون، فقد عثر عمال الصيانة على أعداد لم ُتمسّ من صحيفة الحزب الشيوعي، مكدَّسة في السقيفة، بدلا من أن يقوموا بتوزيعها على أفراد الخلايا النائمة للحزب.
لاحقا قرَّر المؤلف ألا يبالي بغضب ماركس، وغيره، من دعاة المادية الجدلية، وأن يبني بيتا جديدا في اللاذقية قريبا من البحر، وفي ذلك البيت المطل جدد البرلمان الأدبي الدورة، فاستقبل عدا الذين استقبلهم في حلب زوارا ممن كانت الدولة ُتْنعم عليهم بدعوات للحضور، أو المشاركة، في مهرجان المحبَّة. ومنهم ممدوح عدوان، وهيثم حقي، ومحمد ملص، وأحمد فؤاد نجم، وأحمد عبد المعطي حجازي، ومحمد عفيفي مطر، وأسعد فضة، ومها الصالح، وإسكندر حبش، ونعمة خالد، وعزت القمحاوي، وآخرون مع زوجاتهم. فكانَ مهرجان المحبة بمثابة اثنين: واحد في الموقع، وآخر في منزل المؤلف، الذي لم يُدْعَ مرةً واحدة للمهرجان؛ ذلك لأنه ابن الدركي المتقاعد الذي ورث المشيخة عن أبيه ابن (البودي) التي دخلتها السيارة في منتصف خمسينيات القرن العشرين.

يسترجع الكاتب ثانية ذكرى القرية، وعامودا، وجبلة، والتنقلات، قبل أن يستأنف الكلام عن الفيلا التي تحوَّلت في كثير من الأحيان لملتقى يجدد برلمان الأدب. وهذا كله قبل أن تتعرض لاعتداءات كالاعتداء الذي سُرقت فيه المحتويات كافة باستثناء المكتبة. واشتكى لدى الجنائية متهما شبيحة النظام بدليل أن الجنائية طلبت منه ومن زوجته بعد سنة إسقاط الدعوى، فذلك خيٌر لهما من أنْ يظلا قادمين عائدين للمخافر. أي أنَّ عليهما أن يوقّعا على اعتراف صارم بأن أحداً من اللصوص لم يقترب من الفيلا، أو يسرق منها شيئا، قلَّ أو كثُر. وهذه الملاحظة، التي ينتهي بها الفصل من هذه السيرة، همزةُ وصْلٍ توطّئ للتالي الذي وسمه بعنوان الأمْنَنَة. وهي كلمة على وزن(فَعْلَلَةٌ) من أمِنَ (فَعِل) وقد أعجب بهذه اللفظة التي هي ترجمة لكلمة Securitization فهي الوصف المناسبة للسبب الذي من أجله اعتَقَل والدُهُ الدركيُّ مدرّس الرياضيات لبيب عرنوق من الصف عام 1959. فاعتقال الشيوعيين في ذلك الوقت ضربٌ من الاحتراس، والتحرُّز، الذي لا يجد المرءُ اسما له أفضل وأدق من الأمْنَنة. وهي مصطلح يُتداول في جُلّ المناحي التي تشمل الحياة اليومية للناس، فثمة أمننة تختص بالأمن العسكري، أو بالأمن الغذائي، أو بالأمن الاقتصادي، أو الجنائي، أو الصحي، فليس ثمة كلمة تجمع في دلالتها جل هذه المصالح ككلمة الأمْنَنَة. فالقضايا التي تُؤَمْنن ليست بالضرورة هي التي تهدّد الدولة فحسب.
ففي مهرجان قرطاج، وتحديدا يوم 24 يوليو/ تموز 1985 استبقاهُ الشرطي الذي يختم جوازت القادمين لتونس بعيدا، إلى أن انتهى الصف، وقارب الدوام على الانتهاء، والتوقف، فدعاه وهو يحدق في جواز سفره، وسأل: أأنت فلسطيني؟ يقول الكاتب: كنت أتمنى أن أجيب: نعم. لكني نفيت التهمة. فهزّ الجواز في وجهي، قائلا: وهذا؟ قلتُ: هذا جواز سوري، أما الفلسطيني المقيم في سوريا فلا يسمح له بحيازة جواز، وإنما وثيقة سَفَر. قال: من تعرف من الفلسطينيين في تونس؟ قلتُ: لا أحد. كأنّ الفلسطيني قنبلة موقوتة، أو لغمٌ يهدد بالانفجار! كنت كاذبا. وهذا ما اضْطرتني له (الأمْنَنة). فما الذي يزعج الأمن التونسي إن كنت أعرف يحيى يخلف، أو أحمد دحبور، أو أسعد عبد الرحمن؟!

وتتَّصل بموضوع الأمننة أحاديثُ المؤلف المتواترة عن اعتداءات تعرض لها في بيته في حي الزراعة في اللاذقية، وفي بيته القديم في البودي. فقد تصدى له بلطجيان داخل الفيلا على الدرج المؤدي للطابق الثاني، وانهالا عليه لكما وركلا، وكان أحدهما قد احتاط على آلة حادّة (بونية) مما أحدث في عنقه جراحا، ووليا هاربين. ولم تستطع الجنائية أن تهتدي للفاعلين. ففي مثل هذه الحال يتجلى عجزُ الأمن تماما، مثلما تجلى عجزه حيال حادثة السطو على محتويات الفيلا.
وفيما كان المؤلف يحضر إحدى فعاليات مهرجان أصيلة بدعوة من وزير الثقافة المغربي بن عيسى، اتصلت زوجته طالبة النجدة، لأن مجهولين يعتدون على منزلهم، ما دعاه للانسحاب من المهرجان، والعودة على عجل، وذلك لم يكن سهلا بطبيعة الحال، ليجد بعض الأشقياء قد رجموا البيت، وكسروا النوافذ، وجعلوا السيارة التي لم يمض على خروجها من الوكالة عامان، خُرْدَةً لا تصلحُ، ولا تستصلح. والحديث عن مثل هذه الاعتداءات في فصل عنوانه الأمننة من باب المفارقة، كالذي يتحدث عن سلامة الأذهان، وصحة الأبدان، في باب الحديث عن سم الأفاعي، ولَسْع العقارب.
وفي هذا السياق يروي المؤلف ما دار بينه وبين أحد معارف مصطفى التاجر مدير أحد الفروع في حلب حين سأله في دعابةٍ: من هو مؤلف رواية «سلخ الجلد؟» فرد المؤلف قائلا: سلخ الجلد ليست رواية، بل هي مجموعة قصص مؤلفها المغربي محمد برادة. فرد صاحب السؤال، قائلا: بل هي رواية مؤلفها مصطفى النجار، رئيس فرع المخابرات العسكرية في حلب، صحِّحْ معلوماتك. وحذَّرهُ من أن يبعث له مصطفى النجار من يعتقله، ويسلخ جلده على رأي محمد براده. ولم يسلم المؤلف من مثل هذه التحقيقات، لا في الحدود السورية مع لبنان، ولا السورية مع العراق، ولا مع تركيا، ولا مع الأردن. فحيثما توجَّهت ركائبه، كان التحقيق، والتأخير، والمنع، رفاقا لتلك الركائب. فكأن صاحب هذه السيرة عاش، ويعيش، على حد السيف، مثلما يقولون، فإما قتيلا أو قتيلا، لا خيارَ آخر.

كاتب أردني

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية