المرج الليبية… مدينةٌ تكتب تاريخها بطبقات الحضارات

نسرين سليمان
حجم الخط
0

طرابلس ـ «القدس العربي»: تمثل مدينة المرج إحدى أهم المدن الليبية الواقعة في قلب الجبل الأخضر، وتعد نموذجًا فريدًا لمدينة حافظت على طبقات متعددة من التاريخ، بدءًا من العصر الإغريقي والروماني والبيزنطي، مرورًا بمرحلة الفتح الإسلامي، ووصولًا إلى الحقبة العثمانية والإيطالية، ثم مرحلة الدولة الليبية الحديثة.
يقف الزائر للمرج على أرضٍ تختلط فيها الأزمنة؛ فبينما تظهر ملامح العصر الحديث في الطرق والأحياء الجديدة، يظل التاريخ حاضرًا في آثار باركا القديمة، وفي القصص التي يتناقلها كبار السن عن المدينة قبل زلزال 1963 الذي غيّر ملامحها. وبين هدوء السهل المحيط بها وخصوبة أراضيها وحيوية سكانها، تبرز المرج كمدينة جمعت بين الريف والحضر، وبين التقاليد الراسخة والقدرة على التجدّد.

تاريخ المدينة

ترجع جذور المرج إلى العصور الإغريقية حين أسس اليونانيون مدينة باركا، التي أصبحت إحدى أهم مدن الحضارة القورينائية. كان موقع باركا في ذلك الوقت محوريًا، إذ شكّل جزءًا من شبكة المدن الكبرى التي امتدت في شرق ليبيا، بما فيها قورينا وتوكره وسوسة. وبفضل موقعها في قلب السهل الخصيب، ازدهرت الزراعة والتجارة فيها، خصوصًا زراعة الزيتون والحبوب وتربية الماشية.
ومع دخول الرومان، شهدت المدينة توسعًا عمرانيًا وإداريًا، إذ شُيّدت الطرق والمعابد والمباني العامة، وتحولت باركا إلى نقطة مهمة في شبكة المواصلات الرومانية. كما ترك البيزنطيون بصمتهم في عمران المدينة وتحصيناتها حتى جاء الفتح الإسلامي الذي غيّر طبيعة الحياة فيها بشكل كامل.
ومع دخول العرب المسلمين في القرن السابع الميلادي، أصبحت المدينة جزءًا من إقليم برقة، وبرزت كمحطة على طرق القوافل بين مصر وطرابلس. وازدهرت الحياة الزراعية والتجارية فيها، وانتشرت القبائل العربية التي استوطنت الجبل الأخضر وأسهمت في تشكيل التركيبة الاجتماعية التي بقيت مستمرة حتى اليوم.
وخلال الحقبة العثمانية، اكتسبت المدينة دورًا إداريًا مهمًا، إذ كانت مركزًا لعدد من النواحي، واحتضنت حياة قبلية نشطة، بينما شهدت فترات مدّ وجزر تبعًا للظروف السياسية. وفي العصر الحديث، قدمت المرج دورًا محوريًا خلال الاحتلال الإيطالي، إذ كانت منطقة استراتيجية تتوسّط الساحل والمرتفعات، وشهدت إنشاء مرافق عسكرية وإدارية ترك الإيطاليون بعضها قائمًا.
ثم جاء زلزال 1963 الذي دمّر المرج القديمة تدميرًا كبيرًا، فكان قرار الدولة الليبية بإنشاء مدينة جديدة في موقع مختلف، ليبدأ فصل جديد في تاريخ المرج المعاصر.

العادات والتقاليد

تتميز المرج بهويتها الاجتماعية التي تجمع بين الطابع الريفي والحياة الحضرية، وبين إرث القبائل العربية التي استوطنت المنطقة وأثّرت في ملامحها الثقافية. وتبرز قيم الكرم والضيافة كجزء أساسي من شخصية أهل المرج، إذ تُعد المجالس التقليدية أماكن مفتوحة للتعارف وحل النزاعات وإحياء المناسبات.
وتحافظ الأسر في المرج على مجموعة من العادات المتوارثة، مثل إعداد الخبز التقليدي بأنواعه، وتجفيف اللحوم، وصناعة السمن، وإقامة الولائم في المناسبات الدينية. كما لا تزال الفزعة جزءًا مهمًا من الثقافة الاجتماعية، إذ يهب السكان تعاونًا في الأعمال الزراعية أو البناء أو الوقوف معًا عند الشدائد.
ويحظى الشعر الشعبي بمكانة بارزة، خصوصًا شعر الشلاوي والردّات والعتابا، ويُنظم الشعراء قصائد في المواقف الاجتماعية والوطنية، فيما يظل الموروث الشفهي حاضرًا بقوة في روايات الأجداد عن المدينة القديمة والصراعات التي مرت بها المنطقة.

المساحة والطبيعة

تقع المرج وسط سهل واسع يُعد من أخصب الأراضي الزراعية في ليبيا، ويمتد على مساحة كبيرة تحيط بها تلال منخفضة ومناطق منبسطة. ويتميّز المناخ بالاعتدال، مع شتاء بارد وماطر وصيف لطيف نسبيًا بسبب الارتفاع عن سطح البحر.
تشتهر المدينة بتنوعها النباتي، حيث تنتشر أشجار الزيتون والسدر والصنوبر إلى جانب المحاصيل الزراعية الموسمية ويُعد سهل المرج من أهم المناطق المنتجة للقمح والشعير وتربية المواشي، وهو ما جعل المدينة مركزًا زراعيًا مهمًا منذ العصور القديمة.
وتشير الدراسات الجيولوجية إلى أن سهل المرج كان قبل آلاف السنين بحيرة ضخمة جفت تدريجيًا، مما أدى إلى تكوين تربة غنية بالمعادن والمواد العضوية. وهذا ما جعل المنطقة وجهة للمزارعين عبر التاريخ ومحطة للقوافل التي كانت تعتمد على منتجاتها.

الآثار والمعالم

تحتضن المرج عددًا من المواقع التاريخية التي تعكس عمق الحضارات التي مرّت بالمنطقة وتنوعها عبر العصور. وتبرز في مقدمتها آثار مدينة باركا القديمة، حيث لا تزال أساسات المباني العامة والمعابد والأسوار قائمة كشاهدة على الوجود الإغريقي والروماني. وتكشف هذه البقايا عن مستوى متقدم من التخطيط العمراني الذي ميّز حضارة القورينائية، وعن الدور الاقتصادي والسياسي الذي كانت تلعبه باركا في تلك الحقبة.
وإلى جوار هذا الإرث العريق تقف المرج القديمة التي سبقت زلزال 1963، وهي منطقة تحمل ذاكرة اجتماعية وسياسية واسعة، يتذكر من خلالها السكان شكل الحياة قبل الكارثة، بما في ذلك المباني السكنية والأسواق التقليدية والأحياء التي كانت تشكّل قلب المجتمع المحلي.
ولا تقلّ آثار الفترة الإيطالية أهمية في المشهد العمراني للمدينة، حيث لا تزال بعض المباني الإدارية والثكنات العسكرية قائمة، محتفظة بسمات الطراز الإيطالي الذي ترك بصمة واضحة في مدن الجبل الأخضر. كما توجد في المرج مساجد قديمة تعود في معظمها إلى العصر العثماني، بُنيت بالحجارة المحلية وبأساليب معمارية بسيطة تعبّر عن روح تلك المرحلة وخصوصيتها.
ويشكّل هذا المزيج بين الآثار الإغريقية والرومانية والإسلامية والحديثة لوحة متكاملة، تجعل المرج واحدة من أبرز المناطق التي يمكن من خلالها تتبع تطور العمران والتاريخ الاجتماعي والسياسي في شرق ليبيا.

الحياة الاجتماعية

تمتاز الحياة الاجتماعية في المرج بقدرتها على الجمع بين الحداثة والتراث. ففي الوقت الذي تتوسع فيه المدينة عمرانيًا وتزداد المرافق الحديثة فيها، لا تزال الروابط الاجتماعية بين الأسر والقبائل قوية وفاعلة.
وتُعد المناسبات الاجتماعية، مثل الأعراس والختان والسبوع، محطات تجمع فيها الأسر أعدادًا كبيرة من الأقارب والجيران. وتشارك النساء بدور بارز في هذه المناسبات، من خلال إعداد الأطعمة التقليدية وتنظيم الاحتفالات والحفاظ على الطقوس القديمة.
كما تنتشر في المرج الأسواق الشعبية التي تلعب دورًا مهمًا في الحياة اليومية، مثل سوق المواشي وسوق الخضروات، حيث يلتقي المزارعون والتجار والسكان بشكل دوري، مما يعزز الروابط الاجتماعية والاقتصادية.

الهوية والقبائل

تعكس التركيبة القبلية في المرج جزءًا مهمًا من هويتها الثقافية والاجتماعية. فالمدينة تضم عددًا من القبائل التي شكّلت عبر التاريخ نسيجها البشري، وأسهمت في استقرار المنطقة.
وتُعد القبيلة إطارًا طبيعيًا للتكافل والتعاون، لكنها أيضًا شكلت عنصرًا من عناصر الاستقرار، حيث لعبت دورًا في الدفاع عن المنطقة، وفض النزاعات، وتنظيم شؤون الحياة الاجتماعية.
ومع تطور مؤسسات الدولة الحديثة، حافظت القبائل في المرج على هويتها من دون أن تتعارض مع الانفتاح نحو التعليم والعمل المدني، مما خلق توازنًا بين الأصالة والتجديد.

الاقتصاد الحديث

رغم أن الزراعة لا تزال عماد الاقتصاد المحلي، شهدت المرج خلال العقود الأخيرة توسعات واضحة في قطاعات جديدة.
اتسعت الأنشطة التجارية الصغيرة والمتوسطة، وظهرت مشاريع في مجالات الألبان والمشغولات اليدوية والصناعات الغذائية، إضافة إلى ورش الحدادة والنجارة والمواد الإنشائية.
كما استفادت المدينة من موقعها الجغرافي لتصبح محطة تربط مدن الجبل الأخضر بعضها ببعض، ما أدى إلى نمو حركة النقل، وازدهار تجارة المواد الزراعية والمنتجات المحلية.
وتسعى المدينة، رغم الظروف السياسية التي تمر بها ليبيا، إلى تعزيز مفهوم الاقتصاد المحلي ودعم المشاريع التي تعتمد على الموارد الطبيعية، خصوصًا في مجال إنتاج زيت الزيتون والعسل والمنتجات الحيوانية.

التعليم والثقافة

يُعد التعليم عنصرًا مهمًا في بناء هوية المرج الحديثة، إذ شهدت المدينة إنشاء عدد من المدارس الحكومية والمؤسسات التعليمية منذ نقلها بعد الزلزال.
ويتزايد اهتمام الأسر بالتعليم الجامعي لأبنائها، خصوصًا في مجالات الزراعة والطب والعلوم الإنسانية، نظرًا لارتباط هذه التخصصات بواقع المنطقة ومقوماتها الاقتصادية.
أما الثقافة، فتمثل مزيجًا بين التراث الشعبي والأنشطة الحديثة. ففي المرج تُقام عروض للشعر الشعبي، وأمسيات ثقافية في بعض المناسبات الوطنية، إضافة إلى الحركة الرياضية التي تشكل متنفسًا للشباب.
شهدت المرج خلال العقود الأخيرة تحولات عمرانية واجتماعية كبيرة جعلتها تنتقل من مدينة صغيرة محدودة البنية إلى مركز حضري يزداد توسعًا عامًا بعد عام. فبعد إعادة بنائها عقب زلزال 1963، بدأ التخطيط العمراني يهتم بتوفير أحياء سكنية حديثة، ثم ظهرت بنية تجارية ومؤسسات خدمية بدأت ترسم ملامح المدينة الجديدة. وتحوّلت المرج تدريجيًا من مدينة تعتمد على النشاط الزراعي فقط إلى مدينة تتفاعل فيها الحياة التجارية والتعليمية والاجتماعية بشكل أكثر وضوحًا، خصوصًا مع تزايد عدد سكانها القادمين من المناطق المجاورة بحثًا عن فرص العمل والاستقرار.
ومع توسع المدينة، بدأت المرافق العامة تلعب دورًا أكبر في تحسين نوعية الحياة، إذ أُنشئت مرافق صحية، ومدارس جديدة، ومقار للبلديات، ومؤسسات مدنية ساعدت في تنظيم شؤون المواطنين. كما شهدت المدينة توسعًا في الطرق الداخلية والخارجية، مما عزّز ارتباطها ببنغازي والبيضاء وبقية مدن الجبل الأخضر، وساهم في حركة اقتصادية أكثر نشاطًا، خاصة في تجارة المواشي والمنتجات الزراعية والمواد الاستهلاكية.
ولا يمكن الحديث عن المرج من دون التوقف عند دور المرأة فيها؛ فالمرأة المرجاوية أسهمت تاريخيًا في دعم النشاط الزراعي والأسري، ثم انتقلت إلى مواقع التعليم والعمل العام تدريجيًا. وفي الوقت الحالي، أصبحت المرأة جزءًا أساسيًا من المشهد التعليمي والثقافي، وتزايد حضورها في الأنشطة الاجتماعية والعمل التطوعي، كما ارتفع عدد الطالبات في الجامعات والمعاهد. هذا التطور يعكس قدرة المدينة على التكيّف مع الزمن مع الحفاظ على هويتها المحافظة.
كذلك يشكّل الشباب اليوم العمود الفقري للحياة الحديثة في المرج. فالكثيرون منهم يتجهون إلى التخصصات التقنية والعلمية، بينما ينخرط آخرون في النشاط الرياضي، سواء عبر الأندية أو الفرق الشعبية. وقد شهدت المدينة في السنوات الأخيرة إنشاء مرافق رياضية وملاعب عامة ساعدت على تنشيط الحركة الشبابية وخلق متنفس اجتماعي مهم في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها ليبيا.
ولا تنفصل المرج عن محيطها الريفي الواسع، فهي مدينة تتوسط تجمعات زراعية كبرى، تعتمد على المياه الجوفية والآبار ومخزون الأمطار السنوية. ويُعد هذا المحيط جزءًا لا يتجزأ من هوية المرج، حيث تزدهر فيه زراعة الشعير والقمح والعدس والكروم، إلى جانب تربية الإبل والأغنام والأبقار. ويُقبل السكان على تصنيع منتجات مثل الجبن والسمن والعسل الطبيعي، مما يجعل المرج مركزًا مهمًا للمنتجات المحلية التي تُباع في أسواق الجبل الشرقي وحتى في مدن الساحل.
كما لعبت المدينة دورًا محوريًا في التاريخ الوطني الحديث، خصوصًا في فترة الجهاد الليبي ضد الاحتلال الإيطالي، إذ كانت منطقة استراتيجية شهدت مرور المجاهدين وتنظيم خطوط الإمداد. ولا تزال بعض الروايات الشعبية تتحدث عن قصص الشهداء، وتفاصيل العمليات التي تمت في سهول المرج وضواحيها، مما يعكس ارتباط أهل المدينة بذاكرة وطنية نضالية يشعرون بالفخر تجاهها.
وتبرز المرج أيضًا باعتبارها بيئة خصبة للدراسات البيئية والزراعية، نظرًا لتنوعها المناخي والجغرافي. فقد أجريت عدة دراسات حول إمكانية تطوير زراعة الزيتون والعنب بشكل أكثر احترافية، واستثمار الأراضي الواسعة في مشاريع مستدامة. كما توجد دراسات تتناول تأثير التربة القديمة لسهل المرج على نوعية المحاصيل، وتُشير نتائجها إلى إمكانات كبيرة إذا ما توافرت خطط واضحة واستقرار اقتصادي.
وتبقى العلاقات الاجتماعية والقبلية جزءًا من قوة المرج التي تعتمد عليها في مواجهة التحديات. ففي أوقات الأزمات، يتكاتف السكان عبر آليات التضامن التقليدية، سواء عبر الدعم المادي أو المعنوي أو المشاركة في حل الخلافات. وهذا الإرث الاجتماعي هو ما يجعل المرج مدينة متماسكة قادرة على مواصلة دورها كمدينة محورية في شرق ليبيا.

المرج في الذاكرة الوطنية

لعبت المرج دورًا مهمًا في عدد من الأحداث الوطنية، خصوصًا خلال الحقبة الإيطالية، حيث شكّلت المنطقة إحدى قواعد المقاومة في الجبل الأخضر. كما ارتبط اسمها بعدد من الشخصيات الوطنية التي شاركت في مراحل النضال من أجل التحرر.
ويحمل سكان المرج ذاكرة قوية عن المدينة القديمة قبل زلزال 1963، وعن الطريقة التي أعيد بها بناء المدينة من جديد، مما خلق شعورًا بالهوية المشتركة والانتماء للمكان.
تبقى المرج مدينة ذات روح خاصة، تجمع بين الماضي والحاضر، وتختزن بين سهولها وتلالها قصصًا تمتد لآلاف السنين. فهي مدينة قديمة بمعالمها، حديثة بعمرانها، ريفية في طبيعتها، وحضرية في خدماتها، وتظل واحدة من أهم المدن التي تعكس تنوع ليبيا الجغرافي والثقافي والتاريخي.
ومع كل فصل جديد تكتبه المرج في تاريخها، تظل المدينة شاهدًا حيًا على قدرة المكان على التجدّد، وعلى قوة السكان في الحفاظ على هويتهم المتجذرة، وعلى استمرار التوازن بين الأصالة ومتطلبات العصر.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية