في تاريخنا المعاصر ارتبط الإرهاب بالوضع الاستعماري الإمبريالي الصهيوني، وهو وضع أراده المحتلون لأراضي الغير، في غياب أو تغييب القانون الدولي العام. كانت الدولة الاستعمارية تنفرد بمقومات الدولة/ الأمة لكي تمنعها عن البلدان والشعوب والأمم الأخرى. فالصلة بين احتكار مؤسسات الدولة الحديثة وحرمان الآخرين منها، هو الذي يفرز حالة الإرهاب كظاهرة سياسية صرفة، ليست لها علاقة إطلاقا بالعنف الوراثي، أو الثقافي ولا المزاجي أو التطرف الديني وغيره، فقد استمر الإرهاب في المجتمعات التي تعاني من مشكلة الديمقراطية، لأن السلطة عاندت في تداوله كمبرر للتدخل واستخدام العنف ومحاربة التنظيمات التي تعاملت معها كتنظيمات إرهابية. وعليه، فإن الإرهاب ابتكار سلطة سياسية تستند الى الاحتلال والاستعمار والاستبداد السياسي، الذي لا يريد أن يتخلى عن الحكم.
قراءة واقع حياتنا المعاصرة، يؤكد حقيقة، لا تثير أي ظل من شبهة، وهي أن التنظيمات التي توصف بالعنف لا تقول عن نفسها إنها تنظيمات إرهابية، لأنها أول من تَعْرف بأنها ليست كذلك، وأن الإرهاب لا يمكن أن يكون وسيلة من وسائل المقاومة الشرعية، بل يتنافى معها في التفصيل وفي المطلق. والاستماتة في النضال قصد الوصول إلى الحكم بالطرق الشرعية، هو الذي يدفع القوى الحاكمة الخائبة إلى تعويم وسائل الإعلام بمفردة الإرهاب وتعميمه على الجميع، خاصة حين يلتقي الاستبداد الوطني والاستعمار الدولي.
فالاستعمار والإمبريالية والاستبداد السياسي والطغيان هو الوعاء التاريخي والسياسي الذي يفرز ظاهرة الإرهاب، وعلينا فقط أن نحلل بإعادة قراءة واضحة جدّا للكيان العِبْري، وهو يصارع إرهابه في آخر لحظات ظاهرة الإرهاب نفسها. فإسرائيل دولة إرهابية بامتياز، ناجمة عن فعل استعماري وتفاعلت تاريخيا مع الإرهاب كأفضل سبيل إلى حرمان شعوب منطقة الشرق الأوسط من بناء دولها التامة، ذات المؤسسات الديمقراطية. فجدلية تغييب حق الشعب الفلسطيني من دولته هو الوجه الآخر من إرهاب الكيان العِبري الصهيوني، الذي لا يَقْوى على الوجود من دون فعل الحرب واللأمن وعدم الاستقرار. وإذا اليوم طالته تداعيات الإرهاب فليست فقط تلك التي تعزى إلى حركة مقاومة فحسب، بل إلى عدم احتمال مؤسسات دولة عضو في هيئة الأمم المتحدة، القدرة على التمادي في انتهاك الشرعية، والتَّصرف خارج القانون وممارسة الإرهاب والعنف ومحاولة شَرْعَنة «البلطجة» في العلاقات الدولية كحق لدولة تعاني من خطيئة النشأة الشرعية وغياب بوصلة الحياة في المستقبل. حالة من الفرادة والعزلة القاتلة.
الإرهاب ابتكار سلطة سياسية تستند الى الاحتلال والاستعمار والاستبداد السياسي، الذي لا يريد أن يتخلى عن الحكم
وفي تاريخنا المعاصر أيضا لا نحتاج الى تعريف الإرهاب، ما دامت الدول الكبرى ذات السوابق الاستعمارية لمَّا تزل تتحكم في السياسة الدولية وتراعي أقوى ما تراعي مصالحها ونفوذها الاقتصادي. لا نحتاج إلى تعريف الإرهاب لأن الواقع أقوى من الكلمات وتحديد المفاهيم، ما دامت المعاني تحددها في آخر المطاف القوة الاستعمارية الغاشمة، التي لا تتوانى عن التَّسلل إلى ما هو ناعم حتى تخفي أجرامها الباطني، على ما نتأكد منه في الحالة الإسرائيلية، دولة الإرهاب الكبرى في زمن توارى فيه الحكم الاستعماري، وقامت فيه الحركات الاستقلالية والوطنية والتحريرية بتصفية بقايا ورواسب الاستعمار بشكله القديم والحديث، وهي اليوم تحاول أن تجتث مظاهره الغاشمة في الحالة الإسرائيلية.
تحليل النظام الدولي الاستعماري يفرض وجود القوة والهيمنة بالسلاح كأسلوب لصرف الشعوب عن إرساء معالم وملامح دولها، وهو الذي يفرز فورا وحالا الإرهاب الحقيقي والواقعي، الذي لا يمكن أن يختلف فيه اثنان من البشر الأسوياء والعقلاء. ويُظْهر تماما أن تقنية التَّلاعب وحرفة الاحتيال بالمفردات والمصطلحات، التي أُسندت إلى إسرائيل ككيان عِبري شاذ، جاء على خلفية الإرهاب وجسّد معانيه الدالة على السياسة والاقتصاد والاستراتيجية الدولية، ليس له فحسب، بل خاصة لرعاية وحفظ مصالح الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها من قدماء الاستعمار والجدد. وهكذا، يكتمل المشهد كله ويظهر أن الإرهاب هو الوضع الذي تُحاول فيه دولة، حرمان بلد وأمة وشعب من إقامة دولته بناء على شرعية وطنية ودولية، كما كرَّسته العلاقات الدولية لما بعد تأسيس هيئة الأمم المتحدة ونهاية الحرب العالمية الثانية، واندحار النازية والإمبراطوريات الاستعمارية.
حالة وجود معنى الإرهاب من واقع الممارسة الاستعمارية، التي لا تزال مستمرة في الحالة الإسرائيلية، كدولة تكثف الظلم المطلق والإرهاب الأعمى والإثم البالغ، يعفي الجهات المختصة في تحديد المصطلحات من أي محاولة بلورة مفهوم الإرهاب، لكي نبني عليه معيار الأعمال التي ترتكب في حق الشعوب والطوائف والمجتمعات.. فما دامت إسرائيل ومن جايلها وساندها من ذوي الشأن الأعظم، تحرم الشعب الفلسطيني من حقه في دولته، فإسرائيل دولة إرهابية ليس بقوتها فحسب، بل بقوة من ساعدها بالأمس وفي الوقت الراهن، خاصة بعد طوفان الأقصى، الذي قدم الشَّاهد القَوِي على أن الإرهاب هو ما وصل إليه الاستعمار الإسرائيلي في آخر مراحله. اعتادت الدول ذات النفوذ الدولي أن تحدد التنظيمات والشخصيات الإرهابية، بناءً على معيار الدفاع عن النفس، والسعي إلى الاستقلال واستعادة السيادة وبناء الدولة ذات المؤسسات الشرعية، أي تلك التي تلتقي فيها إرادة الحكام والمحكومين، وعندما تصل هذه الشعوب إلى مصاف الدول ذات الشرعية الوطنية والدولية، تكف القوى الكبرى عن وصف الحركات الوطنية والتنظيمات الاستقلالية بأنها تنظيمات إرهابية، والأمثلة على ذلك لا تعد ولا تحصى في حياتنا السياسية المعاصرة، مثل الجزائر، جنوب افريقيا وكل الدول الافريقية تقريبا، والعديد من الدول الآسيوية وأمريكا اللاتينية. ما تؤكده هذه التجارب هو، أن الإرهاب احتكار للقوى الرأسمالية والإمبريالية تضفيه على التنظيمات والشخصيات، التي تطالب بالاستقلال والتحرر، وتخلعه عن نفس التنظيمات والشخصيات حال تحقيق دولها الوطنية. الأمر الذي يجعل الإرهاب كمفهوم وممارسة صناعة غربية رأسمالية، قادرة على تصديره الى إسرائيل، لكي تزرعه في الأرض العربية وتتعهده بالرعاية الكاملة، من أجل الحيلولة دون الاعتراف بالدولة الفلسطينية، ومن ثم وقف وصف حركات وأحزاب وتنظيمات الشعب الفلسطيني بالإرهاب، وينكشف بصورة جلية أن الإرهاب هو مؤسسة إسرائيلية، استبطنت العنف حيال العرب والمسلمين، ولم يعد أمامها إلا الشعب الفلسطيني تحرمه من حقه في الحياة، لأن حياة الكيان العِبري الإرهابي الفاسد متوقف على إعدام الدولة الفلسطينية، وذلك هو مأزق الميلاد الخائب والمصير المجهول والاسم النكرة للحالة الإسرائيلية، في آخر عهدها بالصراع من أجل البقاء.
المشهد في الشرق الأوسط على ما تصنعه أمريكا من خلال دولة الإرهاب الكبرى في العالم، يقَرَّب معنى الإرهاب، عندما يوصل الاستعمار بالصهيونية والظلم السياسي المجحف في حق الشعوب والأمم والمجتمعات، والربط هنا بين الإرهاب وإسرائيل هو على وجهين، الوجه الأول أنها تمارس العنف السياسي والظلم «القانوني»، والاحتيال الإعلامي، من أجل دوام حكمها في فلسطين والتَّحكم في المنطقة كمشروع غير شرعي، والوجه الثاني أنها تمارس الإرهاب بتأجيل دائم للحل الذي صار الجميع اليوم متفقا عليه، ونعنى حل الدولتين، وهو خيار إرهابي ظالم، لأن كل القوانين والأنظمة الشرعية والقانونية، لا يوصي بتأسيس هذا النوع من الوحدات السياسية، التي يطلق عليها إسرائيل ككيان شرّير لا بد منه للمجتمع الدولي القائم.
كاتب جزائري