منذ أن بدأ الإنسان بالتداول المالي في العالم أصبح للمال موقع محوري في الاقتصاد العالمي. وقد بدأ ذلك التبادل مبكّراً مع ظهور نظام المقايضة حوالي عام 6000 قبل الميلاد، حيث تم استبدال السلع بالسلع. تطور هذا النظام لاحقًا لاستخدام العملات المعدنية، حيث ظهرت أوّل عملة معروفة في العام 600 قبل الميلاد. وشهدت الفترة ما بين 1279 و 1367 ميلاديًا ظهور الأوراق النقدية للمرّة الأولى في الصين، ثم بدأت تنتشر في أوروبا لاحقًا.
أما في التاريخ الإسلامي بدأ التبادل المالي بشكل مؤسسي في عهد الدولة الأموية، وبالتحديد في عهد عبد الملك بن مروان الذي أمر بسك أول عملة إسلامية خالصة في العام 695م، وهي الدينار الأموي. قبل ذلك، اعتمد المسلمون في بداية الإسلام على التبادل التجاري واستخدام العملات الأجنبية المتداولة كالعملات البيزنطية (الصلدون الذهبي) والساسانية (الدراهم الفضية)، مع إجراء بعض التعديلات عليها مثل إضافة عبارات إسلامية.
وقد تصاعد دور المال عبر التاريخ، فصُكّت العملات المعدنية والورقية، وتوافقت البلدان على قيمة عملاتها. وبعد اتفاقية بريتون وودز في أعقاب الحرب العالمية الثانية ازداد القطاع الاقتصادي العالمي تنظيما، وأنشئت البنوك المركزية للدول، لتنظم عملاتها واحتياطاتها النقدية. وتعتبر هذه الاتفاقية نظاما نقديّا عالميّا تم تأسيسه عام 1944 في الولايات المتحدة لإعادة بناء الاقتصاد العالمي بعد الحرب العالمية الثانية، حيث ربطت العملات بالدولار الأمريكي، والدولار بالذهب (35 دولاراً للأونصة)، مما جعل الدولار عملة الاحتياطي الدولية الأساسية وساهم في إنشاء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، واستمرت حتى عام 1971 عندما أوقفت الولايات المتحدة تحويل الدولار إلى ذهب، مما أدى لانهيارها وظهور نظام أسعار الصرف العائمة.
وبعد أن أصبح الدولار العملة الدولية التي تقاس بها عملات الدول، وذلك بسبب قوّة الاقتصاد الأمريكي أصبحت الولايات المتحدة أكثر تحكّمًا في الاقتصاد العالمي. وحتى عندما توافقت الدول الأوروبية على «اليورو» كعملة موحّدة لم تستطع منافسة الدولار. وبرغم القوّة النسبية لاقتصادات الدول النفطية لم تستطع التأثير على المسار النقدي الدولي. وبرغم تعدد الانتكاسات الاقتصادية الدولية فقد بقيت حالة التوازن قائمة. وفي لحظة زمنية محدّدة في العام 2008 اعتقد البعض أن الوقت قد حان لتغيير الوضع القائم، عندما أصيب القطاع المصرفي البنكي (الرأسمالي) بانتكاسة كبيرة، وكان ذلك تهديدا للتوازن السائد، ولكن في غضون فترة قصيرة استعاد القطاع المصرفي عافيته وكأن شيئا لم يحدث.
وفي السنوات الأخيرة تصاعد السباق بين المال والذهب، حيث عاد الذهب بقوة كملاذ آمن في مواجهة التوترات الجيوسياسية والتضخم، مدفوعاً بالزيادة الكبيرة في مشتريات البنوك المركزية والصناديق الاستثمارية الكبرى والأفراد. في الوقت نفسه، تتنافس العملات الرقمية مثل «تيثر» مع الذهب، حيث أنشأت احتياطيات كبيرة من الذهب لدعم عملاتها الرقمية، وتفوّق الذهب في الأداء على العديد من الأصول التقليدية كالدولار والسندات. وبسبب الإقبال على الذهب ارتفعت أسعاره إلى مستويات غير مسبوقة.
والواضح أن المال وحده ليس هو الذي يحدّد وضع الأسواق المالية الدولية، بل أن القوة السياسية والعسكرية للدول الكبرى توفر عوامل استقرار لعملاتها. ولا شكّ أن قوّة أمريكا هي التي تحمي الدولار وموقعه الدولي. وليس سرّا القول بأن القوة الاقتصادية الأمريكية توفر لها جانبا من القوّة السياسية والنفوذ الاقتصادي. وبرغم ارتفاع نصيب الصين في الأسواق الاقتصادية والتجارية والمالية الدولية ما يزال اقتصادها يحتل المرتبة الثانية بعد أمريكا، ويصعب التنبّؤ بوضع مستقبلي تتحوّل فيه العملة الصينية «يوان» إلى عملة دوليّة تحلّ محل الدولار إلّا إذا تغيّرات موازين القوى السياسية والعسكرية في العالم.
الغريب في الأمر أن القمّة الخليجية الـ 46 التي عقدت في البحرين الأسبوع الماضي لم تتطرق للوضع الاقتصادي بقدر من التفصيل، ولا لأداء المجلس بشكل دقيق. فلا شك أنه حقّق نجاحات وعانى من إخفاقات. ومن بين نقاط نجاحه بقاؤه طوال هذه الفترة، وعقد قممه واجتماعاته بشكل منتظم، وقدرته على منع الخلافات الحادّة بين دوله، والتزامه سياسات خارجية ثابتة برغم اختلافها. أي أن تلك العلاقة ليست نسيجا واحدا، بل تتباين في بعض المقاطع، خصوصا مع كل من إيران والعراق واليمن. هذا التحالف لم يخترق حدود الدول الأعضاء، كما لم يؤدّ إلى توافق حول قضايا خارجية أساسية ابتداء بالعلاقات مع إيران، مرورا بالموقف إزاء التغيرات التي حدثت في سوريا، وصولا إلى مسألة التطبيع مع كيان الاحتلال. وثمة ثبات عام بخصوص العلاقات مع الغرب خصوصا أمريكا، نظرا لأهمية ذلك للمنظور الغربي إزاء أمن الخليج وأمن حكّام دوله. كان يمكن أن يتبنّى سياسات اقتصادية تفضي لتشكيل مجموعة اقتصادية متميّزة على غرار السوق الأوروبية المشتركة، أو منظمة «شنغهاي» أو «بريكس». ولكن الواضح عدم توجه حكام الخليج إلى منظومة اقتصادية متعددة المصادر تستدعي توافقات إقليمية تعتبر من بين معوّقات هذا التوجه. والواضح كذلك أن النفط الذي بقي حتى الآن العمود الأول الذي ترتكز عليه البنية الاقتصادية لدول مجلس التعاون الخليجي، يمثل أساس الاقتصاد الخليجي.
قمة الخليج الأخيرة التي عقدت في 3 ديسمبر، في منطقة الصّخير في البحرين، تمت بحضور متواضع على مستوى الزعماء من الصف الأول، فكان هناك أمير الكويت، الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح وسلطان عمان هيثم بن طارق آل سعيد، ونائب رئيس دولة الإمارات منصور بن زايد آل نهيان، ووزير الخارجية رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني وولي العهد السعودي، محمد بن سلمان بالإضافة لملك البحرين نفسه.
ضرورة التوافق حول أسس استراتيجية اقتصادية تفضي لوحدة اقتصادية خليجية طال انتظارها
يبدو أن القمّة الخليجية فقدت أهميّتها بشكل تدريجي، فلم تستقطب كافة الزعماء، ولم تتحوّل إلى برنامج عمل يتواصل يومين أو أكثر، ولم تتطرّق للقضايا الجوهرية التي تتطلب اهتماما وجدّيّة في النقاش، خصوصا المجال الاقتصادي. وإذا كان من الصعب إصدار حكم حاسم على المشروع السياسي الخليجي، إلا أن من الواضح أنه فقد بريقه السياسي الذي كان بارزا في سنواته الأولى. ربما لأن الوضع آنذاك كان مختلفا تماما، حيث كان الخليج يمر بكبرى الحروب التي شهدها في العقود الأخيرة، فكانت الحرب العراقية – الإيرانية تمثل تحدّيا للحكومات الخليجية، كما كان مفهوم «أمن الخليج» يحظى باهتمام خاص في الدوائر الغربية نظرا لما ينطوي عليه من أهمّيّة لضمان تدفق النفط إلى الغرب. وبهذا كان الاقتصاد عاملا كبيرا في تأسيس المجلس بالإضافة للأبعاد السياسية والأمنية في ظل استمرار الحرب والعلاقات غير الودّيّة بين ضفّتي الخليج. ولكن الوضع تغير كثيرا، وأصبح هناك حوار متواصل بين إيران والخليج، كما أن الطرفين يرغبان في تفادي أية مواجهات أو اختلافات سياسية أو أمنية.
العامل المحوري الذي كان الحاضر – الغائب في قمّة البحرين، كان الملف الاقتصادي وما يُفترض أن يكون له من تجلّيات. فبعد عقود من التواصل الخليجي ما يزال هناك غياب لاتحاد اقتصادي خليجي، أو عملة موحّدة، أو نظام ضريبي ثابت، أو تبادل تجاري متين. لذلك أصبحت فعاليات القمم تقتصر على لقاء الزعماء في جلسة واحدة لإقرار البيان الذي أعدّه وزراء الخارجية قبيل القمّة. وبهذا يحتاج مجلس التعاون الخليجي لتجديد نفسه وأجنداته وآلياته. ولكي يكون فاعلا فإن عملية التطوير يجب أن تحتوي أطرا لإشراك الشعوب في صنع القرارات، وذلك يتطلب تجديد آليّات العمل السياسي التي تشارك الأمانة العامة للمجلس في تحديدها ورسم أطرها. فالتحدّيات التي كانت تواجه دول الخليج في ذروة الحرب العراقية – الإيرانية تختلف عنها اليوم، إذ لم يعد هناك تهديد أمني حقيقي للمنطقة إلا من الاحتلال الإسرائيلي. هذا التهديد له أبعاد عسكرية وأمنيّة، وله كذلك دور في تباين السياسات الخارجية لتلك الدول. وسيظل الاحتلال مصدر اضطراب أمني وسياسي تعرقل مسارات التنمية والعلاقات الدبلوماسية. كما له انعكاسات مباشرة على العمل العربي المشترك بالإضافة للتكامل المطلوب في العمل الخليجي السياسي.
كان الأحرى بالزعماء الذين حضروا قمّة البحرين التفكير في تقديم رؤية رسمية لكيفية التعاطي مع إملاءات الظروف الإقليمية والدولية خصوصا في مجال الحرّيّات والممارسة الشعبية في الفضاءات العامة بالإضافة للتوافق حول أسس استراتيجية اقتصادية تفضي لوحدة اقتصادية خليجية طال انتظارها. فقد بلغ مجموع الأصول الاحتياطية لدى دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية 804.1 مليار دولار أمريكي بنهاية النصف الأول من العام 2024، ولكنها غير مستثمرة في بدائل اقتصادية للنفط.
كاتب بحريني