استراتيجية ترامب للأمن الوطني-أمريكا أولاً!!

استراتيجية الولايات المتحدة الأمنية هي وثيقة يطلب الكونغرس من الرئيس والإدارة الأمريكية صياغتها واطلاع الكونغرس على فحواها وأهدافها وأولوياتها وأبرز تحدياتها.
وذلك حسب القانون USC 50-يطلب من رئيس الولايات المتحدة تقديم «NSS» استراتيجية الأمن الوطني للكونغرس سنوياً منذ عام 1987 مع تقديم الموازنة العامة للدولة. ولكن جرى العرف أن تقدم الإدارات الأمريكية وثيقة استراتيجية الأمن الوطني مرة كل أربع سنوات وليس مرة كل عام. وكانت آخر وثيقة للأمن الوطني الأمريكي قدمتها إدارة بايدن للكونغرس الأمريكي في أكتوبر عام 2022. ركزت حينها على التحديات والتهديدات التي تواجه الولايات المتحدة من قوى سلطوية ممثلة بالمواجهة والتنافس بين القوى الكبرى وخاصة روسيا والصين. والتهديدات الدولية ومنها أزمة التغير المناخي.
أما أهم وأبرز الملاحظات على وثيقة الأمن الوطني لعام 2025-بشكل عام وتجاه الحلفاء في منطقة الخليج العربي، أن الوثيقة تؤكد على مبدأ الرئيس ترامب أن «أمريكا أولاً»-والعودة لمبدأ الرئيس مونرو وتطويره بملحق مبدأ أيزنهاور-لما قد يسمى في المستقبل مبدأ الرئيس ترامب في عودة إلى قبل مائتين عاما بالتركيز كأولوية على «الحديقة الخلفية» للويلات المتحدة-أمريكا اللاتينية وما يعرف بالجزء الغربي من الكرة الأرضية، كما شرحته بالتفصيل في كتابي «تطور مبادئ رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية من جورج واشنطن إلى جورج بوش» -الجزء الأول-الطبعتين الأولى2019-والثانية 2025. مقابل انتقادات للحليف الأوروبي والصمت عن عدوان روسيا وتهديد الأمن الأوروبي. والأخطر بالنسبة لنا في الخليج العربي هو تأكيد وثيقة استراتيجية الأمن الوطني الأمريكي على تخفيض وتراجع مكانة منطقة الخليج العربي واستبدال مبدأ كارتر بمبدأ ترامب- من الحماية المطلقة إلى الحماية الاقتصادية والاستثمارات. ومواجهة الصعود والتمدد العالمي للصين-وتهديد بوتين الأمن الأوروبي. وانحياز الوثيقة لروسيا على حساب الضحية أوكرانيا.
تُولي وثيقة «استراتيجية الأمن الوطني الأمريكي» لحماية الأمن الداخلي الأمريكي وحمايته من اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين ومواجهة ومحاربة تجار وكارتيلات المخدرات في الكاريبي لحماية الشعب الأمريكي من طوفان المخدرات. دون اكتراث لخرق تلك السياسة للقانون الدولي. ولذلك الأولوية باتت للداخل الأمريكي ولحديقة أمريكا الخلفية.
أبرز تفاصيل وتداعيات وثيقة الأمن الوطني الأمريكية (NSS-2025) على مستوى النظام العالمي وخاصة على الحلفاء في أوروبا والشرق الأوسط وفي منطقة الخليج العربي والحلفاء في شرق آسيا، وكذلك على الخصوم والأعداء، هي تراجع مكانة وأولوية الولايات المتحدة وإدارة الرئيس ترامب بإدخال تحولات جذرية للأمريكيتين. تنقل بوصلة التركيز والأولوية من المناطق التقليدية من أوروبا إلى منطقة ما تُعرّفه الاستراتيجية الأمريكية في إدارتي أوباما وحتى ترامب الأولى وإدارة بايدن-منطقة المحيطين الهندي-والباسيفيكي، ومن منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط إلى أمريكا اللاتينية.

تأكيد وثيقة استراتيجية الأمن الوطني الأمريكي على تخفيض وتراجع مكانة منطقة الخليج العربي واستبدال مبدأ كارتر بمبدأ ترامب- من الحماية المطلقة إلى الحماية الاقتصادية

بعيداً عن المنطقة التي أغرقت الولايات المتحدة في مأزق استراتيجي، يسميه الرئيس ترامب «الحروب الأمريكية الدائمة في الشرق الأوسط». وبرغم تصاعد حجم التهديد والخطر نشهد انكفاء وخفض إدارة ترامب مكانة وأهمية منطقة الشرق الأوسط -وإنهاء مبدأ الرئيس كارتر الذي ركز على أهمية ومركزية منطقة الخليج العربي بكونه منطقة بالغة الأهمية للمصالح الحيوية الأمريكية بعد الغزو والاحتلال السوفييتي لأفغانستان عام 1980-قبل 45 عاماً، ضمن الصراع العالمي بين الغرب والنظام الديمقراطي الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والشرق والنظام الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفييتي.
فأتت وثيقة الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لإدارة الرئيس ترامب لتنهي تلك الاستراتيجية وتخفض مكانة وأهمية منطقة الخليج العربي-برغم استمرار أهمية ومكانة ما تملكه من طاقة وأسواق مهمة للبضائع والوجود الغربي وفي مجال استثمارات صناديق الثروات السيادية في الأسواق والمحافظ وسندات الخزانة الحكومية الغربية. ما يثير الكثير من الأسئلة وعلامات الاستفهام حول تأثير وتداعيات خفض وتراجع أهمية منطقة الخليج العربي في الاستراتيجية الأمريكية. والتي بدأت مع سحب القوات الأمريكية من العراق، واستدارة إدارة أوباما نحو آسيا عام 2011-وتصريحات الرئيس ترامب في إدارته الأولى عن إنهاء الحروب وكلفتها على أمريكا. ومع الرئيس بايدن كان واضحا ابتعاده عن الالتزامات وسحب القوات وخفض عديد القوات الأمريكية والانسحاب بعيدا عن حروب الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، والانغلاق الاستراتيجي للحضور والأولويات الأمريكية التي انحصرت حينها في إقليم ومنطقة صغيرة ممتدة من أفغانستان-باكستان إلى المتوسط عبر منطقة الخليج العربي وشبه الجزيرة العربية.
ليعود الرئيس ترامب في رئاسته الثانية والأخيرة ليترجم الانكفاء الأمريكي بخفض مكانة ودور منطقة الخليج العربي بسبب كما يفسره الرئيس ترامب تحول الولايات المتحدة للدولة الأولى في انتاج النفط والغاز-وذلك برغم العلاقة الشخصية والتعاقدية مع قادة الدول الخليجية. حتى أن زيارتي الرئيس ترامب الأولى والثانية في رئاستيه-عام2017 والثانية 2025-كانت للمملكة العربية السعودية، وفي شهر مايو الماضي في زيارته الخارجية الأولى في رئاسته الثانية-كانت إلى المملكة العربية السعودية وجولة خليجية شملت السعودية وقطر والإمارات. وعقد قمة خليجية-أمريكية في الرياض. وزيارة تاريخية رسمية مهمة لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى الولايات المتحدة على رأس وفد رفيع، والتعهد برفع قيمة الاستثمارات السعودية من 600 مليار دولار إلى تريليون دولار خلال السنوات الثلاث القادمة.
هناك جملة أسئلة تطرح نفسها في ما هي الخيارات التي تفرض نفسها على الحلفاء في منطقة الخليج العربي في دول مجلس التعاون الخليجي التي على دولنا تفعيلها للتعامل مع ذلك الانكفاء الأمريكي؟

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية