نعمة سليمان الصباغ (1885-1971) من رواد الشعر في فلسطين ومن أوائل المربين فيها. تخرّج من السمنار الروسي في الناصرة عام 1904، وهو السمنار الذي تخرّج فيه أيضا عضوا «الرابطة القلمية» ميخائيل نعيمة وعبد المسيح حداد. تابع دراسته في لبنان، ثم عاد إلى فلسطين عام 1918، فعُيّن مديرا للمدرسة الأرثوذكسية الابتدائية في الناصرة، وزاول التعليم في شفاعمرو والقدس وبيت لحم والناصرة. عام 1945 انتقل إلى حيفا مديرا لمدرسة الكاثوليك الملكيين وكلية البنات لراهبات الناصرة، إلى أن أطاحت به النكبة عام 1948 فهُجّر إلى لبنان، حيث توفي في بيروت سنة 1971.
في حيفا الانتدابية برز نعمة الصباغ في نشاطه الثقافي ونشره الشعر في الصحف والمجلات، ولا سيما قصائده التي يهاجم فيها الموضة النسائية والمرأة العصرية. يعدّ من شعراء الرعيل الأول في فلسطين، ويذكر حنا أبو حنا في كتابه «طلائع النهضة في فلسطين – خريجو المدارس الروسية 1862-1914» أنّ الصباغ درّسه وحبّب إليه الأدب واللغة العربية.
عدوّ الموضة النسائية
تعكس أشعار نعمة الصباغ عادات عصره وسلطته الذكورية. تتبدّى فيها بوضوح مواقفه الرافضة للحداثة في لباس المرأة وزينتها، إذ يهاجم المرأة «الحاسرة» المتبرّجة التي تبرز مفاتن جسدها، ويلومها بسخرية لاذعة وعظات مباشرة، محمّلا إيّاها وزر «الفتنة» وخراب الأخلاق. يقول مثلا:
«لمنِ الشعور تصفّفين والحاجبين تزجّحين
لمنِ الخدود توردين لمن الشفاه تحمرّين
لمنِ العيون تكحّلين والظفر منك تمنكرين
تلك الحياة زرية آواه مما تفعلين».
وفي قصيدة «حذاء البلور» يبني هجاءه على إعلان لحذاء نسائي بنعل بلوري شفاف نُشر في جريدة «فلسطين» إبّان الانتداب، وسعره أربعون جنيها، فيستنكر هذا الترف ويصوّر المال المهدور على أنه مأتم، في مقابل «عرس» رجل لا يملك من أمره شيئا:
«ملابس كلها هزء وسخرية
إن تعجبوا فاعجبوا من نعل فلين
ثم انظروا صندل البلور في قدم
بأربعين جنيها طيّرت ديني
رأيتها تشتري هذا الحذاء وما
ضنّت بنقد هوى من كفّ مغبون
فالكيس في مأتم والرجل في عرس
والزوج مهجته جمر الأتاتين».
هذه الموضوعات – لباس المرأة والموضة – شغلت الشعر العربي عامة والفلسطيني خاصة في تلك الفترة، كما نقرأ مثلا عند إسكندر الخوري البيتجالي في «الكعب العالي»، وعند رشيد سليم الخوري في «حجب الوجه وكشف الساق». كانت النظرة واحدة تقريبا: زيّ قصير، وكعب عال، وزينة «غريبة» تُعدّ تهديدا للأخلاق والعقول والأموال.
«عدوّ الآنسات والسيدات»
خاض نعمة الصباغ ما يشبه الحرب على الموضة، واتخذ موقفا عدائيا حادا من لباس المرأة المكشوف، مغاليا في نعت المرأة بصفات قاسية مثل قلة الأدب والطيش والجنون. رسم في أشعاره تفاصيل لباسها الكاشف، ورفض أن تزيّن رجليها بالحذاء وشفتيها بالحمرة، ما جعل الصحافة الفلسطينية الانتدابية تنعته بـ»عدوّ الآنسات والسيدات».
في قصيدته «مالي أراها» المنشورة في جريدة «فلسطين» في 23 آذار 1944، نقرأ صورة فتاة تسير في الحي «نصف عارية»، بين الفتيان والفتيات، مترنّحة، متهادية، فينظر إليها الشاعر بوصفها غاوية تشنّ «غارة» على الأخلاق:
«مالي أراها جارية
بين فتى وجارية
ترنّحت تهاديا
في الحي نصف عارية
تبرّجت ناعمة
بالقلب نارا وارِية
وتقتضينا حشمة
وتلك عنها نابِية
بالصدر شنّت غارة
على البدور السارية
تمشي بها مرتجّة
مهتزة وغاوية
في شفتيها قرمز
ينعى ذهاب العافية
وحسنها مصطنع
في وجهها بدا ليه
زينتها حذاؤها
وحمرة وغالية
لو عقلت لظهرت
بخيرها مباهية».
صوت القصيدة يحمل موقفا ذكوريا قمعيا، يخنق حضور المرأة ويجرّدها من agency، ويدعو إلى التعامل معها بوصفها كائنا يحتاج إلى وصاية دائمة، ويرفض ظهورها المختلف عن اللباس المألوف في المنظومة الاجتماعية المحافظة.
ويتكرر هذا الموقف في قصيدته «وقال في المجتمع» المنشورة في جريدة «فلسطين» في 13 نيسان 1944، حيث يهاجم النساء المبذّرات والمدخّنات، مستخدما قاموسا ثقيلا: «جنون، بلوى، شر، مقارع»:
«وأسراب النساء قد ابتلاها جنون
هنّ للبلوى صوادع
نثرن المال لا يعبأن حتى
ولو أصبحن في قحط يلافع
ويرسلن الدخان بغير وعي
ضبابا يبات منه طرفي دامع
فيا لله من عصر تمادى
لطيف الجنس في شر مقارع».
وفي قصيدته «ليس هجاء» (فلسطين، 27 نيسان 1944) يتخذ نبرة وعظية مباشرة، فيربط كرامة المرأة بالحشمة، ويقدّم الأدب بوصفه زينتها العليا:
«كوني من الحشمة حيث استوت
في عرشها العالي لقاء السحب
إنما الحشمة أبهى حلى
وزينة المرأة حلي الأدب».
جمع أشعاره ولقب «شاعر الناصرة الأول»
لم يصدر لنعمة الصباغ في حياته أي كتاب. وقد قام هاني الصباغ بجهد كبير في جمع أشعاره ونثرياته من الصحف والنشرات والكتب ومدوناته الشخصية ومخطوطاته وصوره، وأصدرها في كتاب من 278 صفحة عن الدار العربية للعلوم ناشرون عام 2022، بعنوان «نعمة سليمان الصباغ شاعر الناصرة الأول 1885-1971».
يغلب على قصائد الكتاب الطابع الاجتماعي والمناسباتي: مراث وتعازٍ، تهانٍ، حكم وأمثال، تمجيد للأم، نصوص عن معاناة شظف العيش، قصائد مدرسية، ومدائح للسمنار الروسي وحفلات اجتماعية، وصداقات مع رموز اجتماعية وأدبية، مثل رثائه للشاعر مطلق عبد الخالق، ورثائه للرئيس المصري جمال عبد الناصر، بلغة سهلة وأسلوب تقليدي.
تعكس معظم القصائد حال الشعر في تلك المرحلة، من حيث سيطرة النظم الكلاسيكي، واللغة المباشرة، وغياب التجريب والعمق الوجداني العميق. كما أن أشعار الكتاب لا تحمل خصوصية فلسطينية واضحة؛ فنكبة فلسطين عام 1948، التي كان الشاعر من ضحاياها، غائبة عن النصوص تقريبا، فلا نجد قصائد عن النكبة أو التغريبة أو الوجع الفلسطيني والحنين إلى المكان، على عكس شعراء جيله الذين صبغت النكبة أعمالهم. حضور فلسطين يبدو أوضح في سيرته منه في قصيدته.
مع ذلك، نلمح في بعض أشعاره انعكاسا لمعاناته الشخصية مع الفقر وضيق العيش، كما يقول:
«فالفقر أنشب ظفره
والفقر أقسى من غدر
إن كان بالصبر الغنى
فأنا الصبور أبا البشر
صبري تناقله الورى
أيوب مثلي ما صبر».
معجمه الشعري كلاسيكي، يستعير تعابيره وصوره من الشعر العربي القديم، ويكتب القصيدة العمودية والموشحات، مع التزام واضح بالوزن والقافية. كثير من القصائد وردت أصلا بلا عناوين، فقام هاني الصباغ بوضع عناوين طويلة لها وفق موضوعاتها.
نهضة الشرق والسلام والحب الكوني
لا تقف تجربة الصباغ عند حدود هجاء الموضة والمرأة؛ ففي نصوص أخرى يظهر صوت مختلف أكثر نزوعا إلى التنوير. في قصيدته «دمعة على وطن» يتوجّع من حال الشرق «الجهول»، في مقابل نهضة الغرب، ويحثّ أبناء الشرق على النهوض وطلب العلم:
«طاشت سهام الشرق والهوى
وللغرب الفخور تحققت آمال
كثر الجهول المدّعي ما بيننا
ولدى الفرنجة قلت الجهال».
ويختتم داعيا إلى اليقظة وترك صروح الجهل وشدّ الرحال نحو المعرفة.
وفي قصيدته «أريد» ينشد خطابا إنسانيا عاما، يتمنى فيه السلام والحرية للمعمورة، وأن يسود الحب العالم، وأن تجري الأنهار في كل مكان «ليس لها حدود»، ثم يعترف في النهاية بعجز الرغبة المجردة عن تغيير الواقع:
«أريد لهذه الدنيا سلاما
أريد الحب في الدنيا يسود
أريد لهذه الأنهار تجري
هنا وهناك ليس لها حدود
…
أريد وما عسى تجدي أريد
على من ليس يملك ما يريد».
إلى جانب هذا، يثير الكتاب إشكالات في نسبة بعض الأبيات، إذ نُسبت إلى نعمة الصباغ أبيات معروفة لدعبل الخزاعي وأبي العتاهية، إضافة إلى مطارحة شعرية شهيرة لشعراء آل معلوف في البرازيل عن «فنجان وحسناء وأربعة شعراء»، نُقلت مع أخطاء، ما يفتح سؤالا نقديا حول التوثيق وحدود الاقتباس في عملية الجمع.
في المحصلة، يقدّم نعمة سليمان الصباغ صورة شاعر ومرب من جيل مبكر في فلسطين، يتأرجح بين نزعة اجتماعية محافظة وفكر ذكوري واضح من جهة، وبين ميل إلى خطاب نهضوي وتعليمي وإنساني أوسع من جهة أخرى. تعكس أشعاره تناقضات زمنه وبيئته، حيث تدور معارك التحديث حول جسد المرأة ولباسها، فيما تبقى فلسطين – الناصرة وحيفا والنكبة – خلفية صامتة لسيرته أكثر مما هي موضوعا حاضرا في نصوصه.
كاتب فلسطيني