«أنت الكتاب وأنا القارئ» مجموعة الشاعر العُماني إبراهيم بن سعيد: بين المعرفة الباطنية وجماليات التكثيف

صابر رشدي
حجم الخط
0

من الضروري مقدماً، أن أصرح بأن هناك بعض الأعمال الإبداعية التي تجذب انتباه المرء، وتحوله إلى قارئ متعاطف، أو متماهٍ مع النص الذي يطالعه، كأنه يعبر عنه، ويختار لحظات معينة مرت عليه، شبيهة بتلك اللحظات التي استطاع الكاتب أن يبرزها ويعمل عليها. ربما لا يحدث هذا الاندماج سوى مع الأعمال التي تنهل من الذاتي، والمفعمة بشحنات إنسانية غير بعيدة عن مشاعرنا وانفعالاتنا.
وقد يكون هذا ما لفتني إلى ديوان «أنت الكتاب وأنا القارئ» للشاعر العُماني إبراهيم بن سعيد، الذي يفتتحه بمقدمة تفسيرية لم يكن لها ضرورة فنية، فهو يحرق أوراق اللعب مقدماً، كاشفاً عن تأثره في المقاطع الصغيرة بماتسو باشو وقصائد الهايكو، وبعض المقاطع التي تشير صراحة إلى لاوتسه، وطائفة من الشعراء الرومان، على العكس من قصائده السابقة المستلهمة من التراث العربي والمعلقات، حيث القصيدة قطعة زمنية أكبر مكثفة باللغة الفنية.
على أي حال، وعلى الرغم من استهلاله بـ«مقدمة لا لزوم لها» – حسب قوله، واعترافه الصريح- تضع خطة تعليمية للقراءة، فإننا سنضرب صفحاً عن سطورها، لنتطلع إلى هذه المجموعة الشعرية القادرة على لمس المشاعر من دون أن تتوسل المبالغة، فهي نتاج عاطفة ناضجة، غير استعراضية. بها ظل ما من الألم، ناعم، وبعيد عن الصخب، يأتي عبر لغة سلسلة وبسيطة، لكنها ليست سطحية أبداً، تعتمد على التكثيف بدلًا من الاسترسال، وتميل إلى الجمل التي تحمل شعوراً قوياً، ولا تلهث وراء البلاغة؛ لغة شفافة تخدم الفكرة من خلال هذا الاقتصاد الواضح.
يقوم الشاعر بتقسيم هذه المجموعة إلى سبع قصائد طويلة: الكتاب، الكاتب، القراءة، حب، طبيعة ناطقة، الرحلة، ألف إبراهيم في هذا العالم.
تنشطر كل قصيدة إلى عدد من المقاطع المرقومة، التي قد يزيد عددها أحياناً على سبعين مقطعاً، لكن جلها محكومة بالوحدة والتناغم، ولا تنهار تحت سلطة التشظي، فهو يوسع دائرة اهتماماته، يطرح الأسئلة بدون أن تعنيه الإجابات، منشغلاً بذاته فقط عمن سواه.
يقول في المقطع الرابع من قصيدة الرحلة، متخذاً من شكل الكتلة السردية طريقاً للوصول إلى غايته:
«معرفتنا موسيقى نغمية، الحروف والأرقام، الجمل والمعادلات أجساد، هذا علم بالروح. لنتعلم من الروح يا قلبي.
يا عقلي اجلس مؤدباً ولا تتنطع في الحضرة، وإلا وجدت نفسك تائهاً في وادي الثعابين. ها قد انتهى وقتك، والآن سنبدأ كلنا المعرفة، بعد أن انقطعت بك كل الدروب العقلية، لا تحزن، الفرح واللذة التي سنجدها ستتذوقها معنا، والجمال سنشهده معاً. ونشرب من ينابيع النور.
تقدم أيها القلب
هيا يا روحي».
نحن بصدد أداء خطابي موجه، يعتمد فعل الأمر: اجلس مؤدباً، لا تتنطع، لا تحزن، تقدم، هيا. من أجل تدريب الإرادة على القدرة على الامتثال، لكي تعيش هذه الأجواء الطقوسية، وتندمج في رحابها تماماً، بقدر كبير من الرضا، ما يذكرنا بخطابات السالكين في أدبيات التصوف، هؤلاء الذين يوقنون بأن المعرفة لا تنال بالعقل، بل بالقلب والروح، وطاعة المريد. فالنص يقوم بتمجيد المعرفة الباطنية، من خلال تفكيك سلطة العقل، وكأنه دعوة إلى العبور من التجريد إلى الحدس لبناء رحلة روحية.
أما في قصيدة «القراءة» فيقول في أحد المقاطع القصيرة:
«لا تخافي أيتها الكلمات
تقدمي
كل هذه العيون
تبحث فيك عن شفاء».
محولاً الكلمات إلى ذات حية، تمثل التعبير عن الصدق، وتجاوز الصمت، والكشف عن المكبوت، ربما صارت الكلمات دواءً شافياً، لا مجرد وظيفة جمالية، فالكلمة لديها القدرة الحقيقية على خلق المعنى وتغيير الواقع. نحن إذن أمام نداء صامت، يتأرجح بين الصوت والنظرة، البوح والكتمان، الجرح والرجاء، لشاعر يستخدم ضمير المخاطب، بعبارات حاسمة، لينهض من حالة الانكفاء.
بينما في قصيدة «الرحلة»، وفي أحد مقاطعها السردية ثمة مناجاة داخلية؛ بوح يستقطر الحكمة، وكأنه يعيد النظر إلى الحياة:
«سرت في مئات السنين وحياتي قصيرة، عبرت بحاراً ومحيطات ومركبي صغير، قطعت متاهات صحراوية في رمال الزمن على ناقة نشطة.
كنت أبحث عن نفسي
فوجدتني أبحث عن الإنسان
ثم وجدتني ألاحق الوجود كله».
ملاحقة الوجود، ومحاولات اكتشافه هي ثيمة، وسمة من سمات الإبداع تتوالى على مر الزمان، وتحتل موقعاً مركزياً داخل عقول كثير من الأدباء والمفكرين، فهم لا يعيشون زمنهم البيولوجي فقط، بل يعيشون أزمنة أخرى عبر الفكر والتاريخ والذاكرة، وعبر المغامرة أمام الوجود اللامتناهي، الذي يُشعِر المرء بالهشاشة وقلة الإمكانات التي ترافق حدة الوعي واتساع الإدراك.
يمضي إبراهيم بن سعيد في بناء عالمه الشعري بحساسية خاصة، جاعلاً من القصيدة مساحة للتأمل، مشدوداً إلى طاقة روحية، تجعل المتلقي جزءاً من التجربة، لا مجرد متفرج سلبي يتابع مفاهيم مجردة.
يقول في أحد المقاطع الطويلة من قصيدة «الكاتب»:
«الصيف طريق والأجراس أذان
كنت شجرة وكنت جملاً وطائراً وحوت بحرٍ وكان الصيف وحده من يكلمنا
ثم صرت شاعراً رملياً وكان عليَّ أن أساعد الريح والأمطار والأودية كي نمحو الرمل ونكتبه
وكان الرمل صامتاً وكنت أسكن فيه
يزورني جن بدو وفلاحين وصيادين يشعلون نارهم في أحلامي ويسهرون
وعند الفجر
يطيرون كالعفاريت.
بعدهم أنهض مداهماً الشروق بقيام الصلاة والقهوة».
ثم يواصل وكأنه يقص علينا حكاية فانتازية، ينام فيسحره ساحر، ثم يجد نفسه شاوياً يرعى الماشية في الجبال، ومرة ينزل يسبح في عيون الماء فتمر به جيوش جرارة قديمة، فيختبئ وسط الطحالب. إنه يمضي داخل رحلة طويلة، يتعلم فيها حساب الرمل، والأسرار المصونة، وخزائن ضمائر الكلمات، من رجل هو نفسه سليمان متخفياً. ليكتب في النهاية من هناك، من خارج هذا العالم قصائد نثر يمكن دوماً فكها بخط الرمل.
دائمًا ما تتناوب على الشاعر، في نصوصه حالات وجودية مختلفة، ليس من خلال الوصف فحسب، بل عبر انتقاله بين كثير من العوالم والفضاءات، وعبر زمن أسطوري يتجاوز الزمن الواقعي. إنه، وربما بدون أن يتعمد ذلك، تقوده خطاه إلى عناصر الوجود: الأرض، الصحراء، السماء، الماء. مقتحماً هويات متعددة، لكنها تندرج تحت شكل واحد. فالقصيدة لديه فعل كشف، يعبر خلالها من عالم البشر إلى عالم الطبيعة، وما وراء الطبيعة، باحثاً عن المعرفة، بوصفه حاملاً لثقافة محلية خالصة، لا فرداً معزولاً عن محيطه القريب.
إنه يقول في قصيدة أخرى:
«كنت أسير بين الأزمنة
في الحاضر بالماضي
وجدت مفتاحاً
جربت أن أفتح به قلبي
فانفتح
هكذا جُبت العالم
بقلب مفتوح».
معتمداً الاستعارة، والتضاد الزمني، ورمزية الأشياء، كل ذلك في بناء مختزل، متجاوزاً الحدود الضيقة للذات، بقلب مفتوح، يجعل التجول في العالم ممكناً، رائياً ما وراء الحجب، ربما استطاع تشكيل حاضره.
نلمح هذا التعلق الشديد بعنصر القلب، حيث تتعامل معه الذات كدليل، ومرشد إلى الطريق، تتجاوز به الأشياء، وتنفتح به على التجارب، باعتبار أن العالم ليس مكاناً جغرافياً، بل هو فضاء أوسع، يغري الباحثين عن المعنى:
«القلب طير خفاقٌ من طيور الأساطير لا يحط إلا على غصن النهاية في شجرة الموت
ثانية بثانية وساعة بعد ساعة ويوماً بيوم وسنة بسنة وزعانف القلب تضرب في بحر الدم الزمني
وسمكة الحياة تشق المحيطات.
أيقظني يا قلبي إذا نمت أو خفت أو أحجمت
بقوّتك حلق بي
الدم ورد الحياة
يحيط بك».
إنه يراه نبع الحياة المتدفق، مليكه المليء بالحب والدهشة، الذي يصوغ شكل أنهاره ومياهه وأمطاره، المحلق بلا توقف، بأجنحة لا تكف عن الخفقان حتى النهاية. القلب هنا مركز الحياة، وربما أيضاً المركز الروحي، لكائن يعيش في بحر الزمن، منقاداً إلى مصيره.
ثمة بنية صوفية أيضاً تزداد وضوحاً مع قراءة النصوص، فالشاعر يراوح بين ثنائية الحياة والموت، وأسطرة الجسد، لمنحه بعداً ميتافيزيقياً يملك سلطة تشكيل ما حوله، كأنه يذكرنا بوظيفة القلب في الشعر العربي القديم، حيث هو مقر العشق والشجاعة، قلب الفارس الذي لا يعرف الهروب،إنما يواجه قدره ومصيره، موقناً بأنه لا خروج عن المكتوب.
في المقطع التالي، تأكيد وترسيخ للقلب في هذا الكتاب الشعري، ولكنه يضيف إليه في هذه المرة بعداً آخر، بعداً إنسانياً عميقاً، ألا وهو الأمومة، فلنقرأ:
«من غسل تلك القلوب بالنور كي تضيء كالبدور؟
من لوّن هذه القلوب بالسخام لتظلم كقمر المحاق؟
هبني صيياً طائشاً ولا تحرمني سر جواهر القلوب
خذيني يا أمي معك ولا تتركيني أموت في رحمك
قال الجنين والجبل والسهل والرمل
وتلك الأم أنجبته وغذته ولاعبته
وحين كبر قالت له:
هيا يا بنيّ اذهب وابحث عن أبيك
سأتنكر لك ولن تعرفني
سأضع الصوت والصمت حجاباً بيننا
وأتفرغ لإنجاز غيرك فبهذا أكون أماً».
وكأن المعنى ينتج من الصراع بين الفطري والمكتسب، بين ما يولد مع المرء وما يعاينه من العالم الخارجي، أما الأم هنا فهي الأصل، والملاذ، ومركز الوجود، حتى لو بدت في النص كجزء من الطبيعة، تغذي العالم بالبشر، من خلال العطاء، قبل أن تنسحب وتجعل الأب هو الهوية.
إنها الكون الأول بالنسبة إلى الذات الشاعرة، حيث الرغبة اللاواعية بالاندماج المطلق معها، إنها المصدر الأول للأمان، حتى لو ادعت التنكر، فهي في حقيقة الأمر لا تريد التعلق بها إلى الأبد.

إبراهيم بن سعيد: «أنت الكتاب وأنا القارئ»
كتاب نزوى، مسقط 2025
105  صفحة.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية