زيارة لاختبار «العلاقة الخاصة».. ميرتس إلى إسرائيل بين حرب غزة وسلاح ألمانيا

علاء جمعة
حجم الخط
0

برلين ـ “القدس العربي”:

بدأ المستشار الألماني فريدريش ميرتس صباح السبت أول زيارة رسمية له إلى الأردن وإسرائيل منذ توليه منصبه في أيار/مايو الماضي، في جولة ينظر إليها في برلين وتل أبيب على أنها اختبار حقيقي لمتانة “العلاقة الخاصة” بين البلدين بعد أشهر من التوتر بسبب حرب غزة وقرار برلين المثير للجدل بتقييد صادرات السلاح إلى إسرائيل ثم التراجع عنه لاحقاً. وستكون محطته الأولى العاصمة الأردنية عمّان، حيث يلتقي الملك عبد الله الثاني.

وبحسب بيان الحكومة الألمانية المنشور الكترونيا، تستمر الزيارة يومي السادس والسابع من كانون الأول/ ديسمبر 2025، وتأتي ضمن جولة في المنطقة يبدأها ميرتس في الأردن بلقاء الملك عبد الله الثاني، قبل أن يتوجّه إلى القدس ليلتقي الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ويزور نصب المحرقة «ياد فاشيم» ويلتقي ممثّلين عن المجتمع المدني، إضافة إلى ناجين من عمليات احتجاز الأسرى وذوي قتلى هجمات السابع من أكتوبر.

لماذا يبدأ ميرتس زيارته من عمّان لا من تل أبيب؟

بحسب موقع الحكومة الألمانية، ستكون المحطة الأولى للمستشار هي الأردن. صحيفة برلينر تسايتونغ ترى في ترتيب الزيارة رسالة مقصودة: فاختيار الأردن أولاً يعكس النظر إليه في برلين كـ «عامل استقرار» في محيط مشتعِل، وكمحاور عربي أساسي في ملفات غزة والضفة الغربية والقدس، سواء عبر دوره في رعاية المقدسات أو في ملف اللاجئين والتنسيق الأمني. وتصف الصحيفة الرحلة بأنها «مهمة توازن دقيقة» بين التضامن مع إسرائيل ومحاولة الإصغاء لمخاوف الشركاء العرب.

تصف صحيفة برلينر تسايتونغ الرحلة بأنها «مهمة توازن دقيقة» بين التضامن مع إسرائيل ومحاولة الإصغاء لمخاوف الشركاء العرب.

فيما ترى  تاغسشبيغل أن ميرتس يريد أن يربط زيارته لإسرائيل برسالة واضحة مفادها أن برلين لا تتحرك فقط من منطلق «أمن إسرائيل»، بل ترى أيضاً ضرورة إطلاق عملية سياسية أوسع تشمل الفلسطينيين وتستند إلى حل الدولتين، وهو ما يفسّر – جزئياً – المرور عبر عمّان قبل القدس.

برنامج مكثّف في ظل وقف هشّ لإطلاق النار

وتقول برلين إن محاور الزيارة الأساسية ستشمل مستقبل وقف إطلاق النار في قطاع غزة، والدور الألماني في جهود إعادة الإعمار وما يُعرف بـ«اليوم التالي» للحرب، إضافة إلى التعاون الأمني والعسكري، وملفّ معاداة السامية المتنامية داخل ألمانيا منذ بداية حرب غزة.

وتأتي رحلة ميرتس متأخّرة مقارنة بأسلافه في المنصب، إذ يشير تقرير صحيفة فيلت الألمانية إلى أن المستشار الجديد انتظر أكثر من سبعة أشهر قبل القيام بزيارته الأولى لإسرائيل، بعدما كانت الحرب في غزة تجعل مثل هذه الخطوة «غير ممكنة سياسيًا» في نظر الحكومة.

لكن وقف إطلاق النار القائم منذ أسابيع، ورفع القيود الألمانية جزئيًا عن صادرات السلاح إلى إسرائيل، فتحا نافذة سياسية سمحت بترتيب الزيارة، التي تراهن عليها برلين لإعادة ضبط البوصلة في علاقات توترت إلى حدّ غير مسبوق منذ عقود.

الأسلحة التي ستحصل عليها إسرائيل

في خلفية الزيارة يقف ملفّ بالغ الحساسية: صادرات السلاح الألماني إلى إسرائيل. فمنذ عقود، تعدّ ألمانيا أحد أهمّ مزوّدي إسرائيل بالأسلحة الثقيلة، بما في ذلك الغواصات والقطع البحرية وأنظمة دفاع جوي، لتحتلّ المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة في هذا المجال.

في 8 آب/أغسطس 2025 أعلنت حكومة ميرتس بشكل مفاجئ تقييد تصدير الأسلحة التي يمكن استخدامها في غزة، مبرّرة القرار بالتصعيد العسكري الذي أقرّته الحكومة الإسرائيلية في القطاع وبالقلق من انتهاكات محتملة للقانون الدولي. القرار قُدِّم حينها على أنه «فرملة ضرورية»، لكنه اعتُبر في إسرائيل ودوائر مؤيدة لها في ألمانيا «كسرًا» لصيغة الدعم التقليدي.

قرار تقييد الأسلحة قُدِّم على أنه «فرملة ضرورية»، لكنه اعتُبر في إسرائيل ودوائر مؤيدة لها في ألمانيا «كسرًا» لصيغة الدعم التقليدي

صحيفة بيلد وصفت القرار يومها بأنه «انعطافة بـ 180 درجة» في سياسة الاتحاد المسيحي تجاه إسرائيل؛ إذ كانت الحكومة نفسها قد انتقدت في السابق أي حديث عن وقف السلاح، وقدّرت الصحيفة أن قيمة الصادرات العسكرية المسموح بها منذ هجوم حماس وحتى ربيع 2025 بلغت نحو 485 مليون يورو.

الخطوة أثارت عاصفة انتقادات داخل معسكر ميرتس نفسه؛ فصحيفة تاس اليسارية رصدت «خلافًا حادًا داخل الاتحاد» حول القرار، فيما نقلت بيلد عن قيادات في الشباب المسيحي وقيادات في الحزب المسيحي الاجتماعي في بافاريا وشريك ميرتس في الحكم وصفهم لما حدث بأنه «خرق لأساسيات سياسة الاتحاد تجاه إسرائيل».

لكن بعد ثلاثة أشهر فقط، وفي 17 تشرين الثاني/نوفمبر، أعلنت برلين رفع هذا التقييد والعودة إلى نظام «الفحص الفردي لكل صفقة» اعتبارًا من 24 من الشهر ذاته، ما يعني عمليًا استئناف تصدير أنواع واسعة من المعدات، بينها أنظمة دفع لدبابات «ميركافا» التي أثارت جدلًا خاصًا.

وتوضح التقارير الحكومية الألمانية أن تجميد الصادرات في آب كان في جزء منه «رمزياً»، لكنه طال مكوّنات حيوية مثل علب التروس (Gearboxes) الخاصة بدبابات «ميركافا» المنتَجة في ألمانيا، وأن رفع التجميد أعاد فتح الطريق أمام توريد هذه المكوّنات مجدداً.

علاقة مرهَقة وتوقعات عالية

صحيفة «يوديشه ألغيماينه» اليهودية–الألمانية وصفت الزيارة بأنها (زيارة تدشين مشحونة بالتوتر)، مشيرة إلى أن العلاقات الألمانية–الإسرائيلية «تعرّضت لضغط لم تشهده منذ عقود»، بسبب مزيج من تقييد صادرات السلاح، والانتقادات الألمانية المتزايدة لمستوى الدمار في غزة، والصراع الداخلي في برلين حول حدود التضامن مع حكومة نتنياهو.

في إحدى الفعاليات هذا الخريف، تحدث ميرتس بعد رئيس المجلس المركزي لليهود في ألمانيا، يوسف شوستر، الذي كرر مصطلح «مصلحة الدولة» عدة مرات. اقتبس ميرتس من حديثه، لكنه أعاد صياغة الفكرة بالقول إن مسؤولية ألمانيا الخاصة تجاه إسرائيل جزء «غير قابل للتفاوض من الأسس المعيارية لدستورنا»، من دون استخدام المصطلح نفسه. هذا التحوّل يقرأه كثيرون في إسرائيل وألمانيا كعلامة على محاولة إعادة تعريف العلاقة بما يراعي القانون الدولي والرأي العام الداخلي في ذات الوقت.

ما الذي يريده ميرتس من هذه الجولة؟

بحسب  صحيفة هاندلسبلات وبيانات الحكومة الألمانية، تأمل برلين أن تحقق الجولة هدفين متوازيين:

تأكيد عمق الارتباط مع إسرائيل وإعادة بناء الثقة بعد أزمة السلاح، وإظهار أن ألمانيا تدفع نحو مستشار سياسي أوسع يشمل الأردن والفلسطينيين، ويرتكز على هدنة مستدامة في غزة ومفاوضات جدية على حل الدولتين.

اختيار عمّان أولاً يساعد ميرتس في القول إنه لا يذهب إلى الشرق الأوسط «من بوابة تل أبيب فقط»، بل من خلال شريك عربي يوصف في الصحافة الألمانية بأنه رمز توازن وقادر على نقل نبض الشارع العربي ومخاوفه من حرب غزة إلى طاولة الحوار مع برلين.

ولعلّ السؤال الأصعب أمام ميرتس هو ما إذا كان سيدعو نتنياهو إلى ألمانيا رغم صدور مذكرة توقيف دولية بحقه. فبعد توليه منصبه بفترة وجيزة، أعلن  ميرتس استعداده للسماح له بالزيارة. وصرح في منتصف مايو/أيار من العام الجاري: أنه “من حيث المبدأ، يجب أن يكون رئيس الوزراء الإسرائيلي قادرًا على زيارة ألمانيا”. ذاكرا أنه رئيس وزراء منتخب ديمقراطي في الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة بأسرها، بحسب قوله.  وأوضح ميرتس بعدها أنه يعتقد أنه يجب أن يكون رئيس الوزراء الإسرائيلي قادرًا، من حيث المبدأ، على زيارة ألمانيا، مؤكدا أنه ما زال يبحث عن صيغة ملائمة لتحقيق ذلك.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية