أعتقد أن من نحت مصطلح «دولة التلاوة»، هو مؤلف كتاب «ألحان السماء»، الكاتب الراحل محمود السعدني، وأكثر من مرة أقرر قراءة هذا الكتاب القديم، إلا أن مشاغل الحياة تأخذني بعيدًا.
وفي مصر بدأت وزارة الأوقاف مسابقة قرآنية تحمل هذا الاسم؛ «دولة التلاوة»، وتذيعها قناة «سي بي سي»، وقد فكرت في الكتابة عن مقدمة المسابقة، من حيث التقييم المهني، لكني تراجعت بعد حرب داعش والغبراءَ المشتعلة الآن، بين من يرفضونها لأنها امرأة، ومن يدافعون عنها ويتغزلون في أدائها لمجرد أنها امرأة، وفي مناخ كهذا، يحسن القول «انج سعدًا فقد هلك سعيد».
الجيل الجديد من القراء يميل للتقليد (وأنا ميال لاستخدام كلمة المقرئين)، وهناك رأي يتبناه أشهر المقلدين السابقين الدكتور أحمد نعينع، وهو أنه لا بأس من أن يقلد القارئ (المقرئ) أحد الكبار، حتى إذا أثبت وجوده شق لنفسه طريقًا آخر.. كما هو!
بيد أن ما لفت انتباه الشيخ محمد جبريل، هو أن المسابقة قائمة على مقلدين للمقرئين الكبار، وهو يتحفظ على ذلك، ولا نعرف لماذا لم يختاروا جبريل ضمن لجنة التحكيم، صحيح أنه ينتمي لمدرسة الترتيل لا التجويد، لكن وجوده إضافة، في حين لا نعرف محل الداعية معز مسعود من الإعراب، وهو الذي لم يعرف بالتجويد أو الترتيل أو الصوت الحسن، لكن هذه هي مصر يا عبلة، ويبدو أن وزير الأوقاف أقحمه على المسابقة بحسبانه صديقه.
يبدو أن تأثير دعاء محمد جبريل ذات قنوت على الظالمين قبل عشر سنوات، لا يزال يثير غضب القوم منه، ومعلوم أن حركة تنظيم الظالمين تحركت وهاجمته، ولم يمنعه من أيديهم إلا هروبه للخارج، وقد عاد بعد أن تصالح معهم ورد الاعتبار للظالمين بتبرع سخي بلغ خمسة ملايين جنيه عدًا ونقدًا.
غياب الشيخ المعصراوي عن المسابقة المصرية
الشيخ محمد جبريل قال إن المسابقة ينقصها الشيخ أحمد عيسى المعصراوي. وقد يجر عليه هذا الحديث مشاكل هو في غنى عنها، فالمعصراوي هو رئيس لجنة مراجعة المصحف، وهو شيخ القراء المصريين سابقًا، ومع أنه لا يعمل بالسياسة ولا يشتغل بها، إلا أن السلطة في مصر أعلنت العداء له، ويعيش الآن في الخارج، لتستفيد منه «مسابقة كتارا» في الدوحة في كل رمضان، والتي يبثها تلفزيون قطر طيلة الشهر الكريم، وأحرص على أن أشاهد حلقاتها ما استطعت.
والجو في هذه المسابقة القطرية مصري خالص، فقد نزل القرآن في مكة والمدينة، وقرئ في المحروسة، والإيرانيون هم الأفضل في التجلي مع المقرئين، وبعض قرائهم يقلدون القراء المصريين، لا سيما الشيخ عنتر مسلم، ولعل أشهر الإيرانيين في هذا الصدد هو جواد فروغي، الذي نشاهد له فيديوهاته طفلًا قبل أن يصبح شابًا يافعًا.
ومن الظلم المقارنة بين المسابقتين، فمسابقة التلفزيون القطري قديمة، والخبرة في البث بالتراكم، ومؤسسة كتارا تمارس الجدية في كل أنشطتها، وإن كنت لم أغامر بقراءة رواية واحدة فازت في مسابقتها الأدبية، فقد سدت جائزة البوكر العربية نفسي عن كل ما له صلة بالتحكيم العربي، وقد يكون هذا تعميمًا لا سيما وأنه حكم قبل القراءة، لكن البوكر سيطرت على خاصية الانطباع لدي!
جو المهرجانات… والشيخ عبد الرشيد صوفي
ما علينا، فالمسابقة التي بثتها قناة «سي بي سي»، تبدو لي أن من يخرجها هو مخرج مهرجانات، وقد يتسق الأمر مع طبيعة وزير الأوقاف أسامة الأزهري، ووزارته هي التي تقوم على المسابقة، وهو ابن موالد؛ جمع مولد، ويقوم ظهوره الشخصي على الاستعراض، ونلاحظ هذا لوجود صديقه معز مسعود، لاستغلال شهرته، كما يحدث في برامج المسابقات الغنائية التلفزيونية عندما يكون تامر حسني ضمن لجان التحكيم!
الشيخ المعصراوي ليس وحده في مسابقة تلفزيون قطر، فمعه الشيخ عبد الرشيد صوفي، وهو قارئ للقرآن، أعطاه الله من زعامة الصوت ما يفوق حلاوته، والناس في الدوحة يشدون الرحال اليه في رمضان لصلاة التراويح والقيام خلفه، وكأنه علامة من علامات الشهر الفضيل، وإن كنت لا أفعل، فلا رحال أشدها، وأكتفي بإمام يصلي بقصار السور، حتى إذا قرأ «متهمتان»، تذكرت نكتة الشيخ كشك الشهيرة، عندما اشتكى مصل من إمام يطيل في الصلاة، فلما قال له الإمام: إنني لم أقرأ سوى متهمتان، قال له: كنت تكتفي بمتهامة واحدة!
والشيخ عبد الرشيد صوفي صومالي يسلم بعبقرية المدرسة المصرية وتفردها، وقال في مقابلة في منصة «أثير» في قناة الجزيرة ذلك لصاحب البودكاست وهو يحاوره، وكيف أنها مدرسة تستعصي على التقليد المستمر من غير المصريين. وقال المذيع إنه يستطيع؟ وقال الشيخ: كلنا نستطيع أن نبدأ.. لكن وبعدين؟
الشيخان المعصراوي وصوفي هما في مسابقة تلفزيون قطر يمثلان الجانب الخاص بالأحكام، لكن في الجانب المقابل يجلس إثنان أيضًا وهما من المتخصصين في المقامات، أحدهما الشيخ بهلول أبو عرقوب، وهو قارئ رخيم الصوت، وقد استمعت لفيديوهات مستقلة له قبل سنوات، فوجدته متيمًا بالمدرسة المصرية في التلاوة، وهو ليبي الجنسية، وإن كان الذكاء الاصطناعي يصر على أنه مصري، ربما لهيامه هذا، وهو ذات الإصرار السابق منه على أن رئيس سوريا هو بشار الأسد، وأنه لا يوجد أحد اسمه أحمد الشرع، ولكن يوجد فاروق الشرع نائب الرئيس السوري. يبدو أن الذكاء الاصطناعي هو الأمين العام للمؤتمر القومي العربي خلفًا لحمدين صباحي!
وعمومًا فقد انصاع في الأخير واعترف بالرئيس أحمد الشرع، وسبق هذا مرحلة وسيطة، كنت أسأله فيها فكان جوابه: أنت تقول إنه رئيس سوريا؟ وماذا تقول أنت؟ أقول: إن فاروق الشرع هو نائب الرئيس السوري. وذلك قبل أن يقر بالحقيقة. لكن لم أخض معه هذه التجربة الخاصة بالشيخ بهلول، فليكن مصريًا، تشرفنا.
دراسة فن المقامات والطبلاوي
وهناك اعتراض أبداه البعض على المحكم الخاص بالمقامات في المسابقة المصرية، بيد أن الليبي الشيخ بهلول متعة عندما تستمع له، وإن كان الشيخ المعصراوي ضد مدرسة المقامات في قراءة القرآن الكريم، وأنا معه. ومع هذا الاستمتاع لشيخ المقامات في تجويد القرآن، أرى أن على هذه المدرسة أن تتواضع قليلًا، فلا تطلب من القراء الجدد دراسة فن المقامات، فالتجويد هو الأسبق، ويأتون هم لشرح خط سير المقرئ كما كان الأولون يفعلون مع الشيخ مصطفى إسماعيل، فهو مادة الدرس لديهم، ولم يكن الرجل من دارسي المقامات!
وأرى أن الإذاعة المصرية خسرت كثيرًا عندما ظلت تستبعد الشيخ الطبلاوي كل عام ولتسع سنوات، بهدف حملة على دراسة المقامات، واصراره على الرفض، وحسنًا أنه رفض، وفي مقابلة تلفزيونية قال إن رفضه لأنه لو درس المقامات فلن يكون الطبلاوي إذا قرأ.
ولدينا في دنيا الإنشاد نموذجان أحدهما من المدرسة التقليدية وهو الشيخ ياسين التهامي، والثاني درس المقامات وتخرج في مدرستها وهو نجله، وبالمقارنة فإن الأب يتفوق بمراحل على الابن، بل لا وجه للمقارنة البتة!
ومهما يكن، فمع هذا الجو المصري الخالص، فإنه لا يحدث كثيرًا أن يفوز المتسابق المصري في المسابقة القطرية، فمدرسة التجويد انتقلت إلى خارجها، ولعل من أهم مشكلاتنا هي ما تحدث عنها الشيخ محمد جبريل وهو التقليد. ربما لاستعجال الشهرة من الأجيال الجديدة، والتقليد تجده أيضًا في المسابقة القطرية.
ولا أريد أن أضرب كرسيًا في الكلوب، فالناس سعيدة بمسابقة دولة التلاوة، والبعض يخشى من أن تضاف شعبيتها لرصيد النظام، وهو خوف ليس في محله، فالنظام يلعب أصلًا ضد نفسه، وليس بحاجة إلى من يحرز هدفًا في مرماه، ليسري عليه قول القائل: وكم من طير علا وارتفع إلا أنه كما ارتفع وقع على قفاه (بتصرف).
فبينما التأييد واسعًا لبرنامج «تلاوة التلاوة»، فقد جاءت صورة الأزهريين الذين يقفون انتباه في حضرة ضباط الجيش الجالسين لتنسف هذا الرصيد من رعاية مسابقة «دولة التلاوة».
وفي الأخير فما دمنا لم نعلن رأينا في مذيعة «دولة التلاوة»، فلن نعلن الرأي في مذيع مسابقة قطر، وهو كفيل بأن يجعل من البرنامج محليًا، رغم حضور الجو المصري في كل تفاصيله، وما يرتبه هذا من اهتمام الأصل فيه أن يكون واسعًا.
ولا نبخس الناس أشياءهم، فدولة التلاوة تحسب للوزير أسامة الأزهري.
يثاب المرء رغم أنفهِ.
صحافي مصري