هذا كتاب رائع للأديب رامي رأفت، صادر هذا العام 2025 عن دار رواق المصرية في ثلاثمئة وخمسين صفحة من القطع الصغير، يحمل عنوان» تهويد الغرب.. من محاكم التفتيش إلى قيام دولة إسرائيل». رامي رأفت روائي له أكثر من رواية، وسبق أن فازت روايته» كومالا ابن النار» بجائزة «كتارا» عام 2023، وهو أيضا باحث في التاريخ، يقتحم موضوعات غائبة بشجاعة، ومنها كتاب» النازيون العرب» وكتاب «هدم الإسكندرية». قرأت له هذا الكتاب الذي أتحدث عنه، فوجدت قدرة رائعة على التحليل والفهم، ومعرفة وراءها دراسة وقراءة عميقة للتاريخ، ومراجع مهمة بلغات عربية وأجنبية، ومن ثم فمؤلفه ينضم إلى فئة المبدعين والباحثين الذين تأخذهم الموهبة إلى سائر ميادين الفن والفكر.
سبب كتابته للكتاب هو ما جرى ويجري في غزة من مذابح جماعية من قبل الصهاينة للعرب، وهجماتهم التي لا تنتهي على لبنان وسوريا، وأحاديث نتنياهو واليمين الإسرائيلي، عن أنهم ينفذون وعد الله للشعب المختار، أي اليهود في نظرهم، بأرض الميعاد من النيل إلى الفرات، كذلك تأييد دول في الغرب معهم تأييدا لا نهاية له.
نحن نعرف كيف أن إسرائيل هي صناعة الغرب، ووراءها هدف سياسي هو نزع استقرار الشرق الأوسط. نعرف كيف نشأت دولة إسرائيل منذ كانت فكرة يتخلص بها الغرب من اضطهاده لليهود، على حساب فلسطين. كل ذلك يأتي في الكتاب أيضا، لكن الفكرة المحورية في الكتاب هي قناعة الغرب بما جاء في التوراة من وعد الله، وإيمان مؤسساته الدينية والسياسية به، وهذا هو ما يقصده بالتهويد، وهذا هو الذي أغراني بقراءة الكتاب.
ينقسم الكتاب إلى ثلاثة اقسام تحمل عناوين « يهود المسيحية» و»مسيحيو اليهود» و» مستعمرات اليهود».
في القسم الأول دور اليهود في المعارك والصراعات بين الدول الأوروبية في العصور الوسطى، وبدايات العصر الحديث. أمثلة من تشجيع اليهود الذي وصل إلى حد التبرع لبعض الدول بالمال من أجل الحرب. خلال ذلك كيف كانت هذه الدول وموقف الكنيسة من الحكام معهم أو ضدهم. الصراع أو الخلاف الديني القديم بين المسيحية واليهود في أمور تتعلق بالمسيح عند المسيحيين، و»الماشيح» أو المهدي المنتظر عند اليهود، وكيف استطاع رجال المال من اليهود القفز عليها بمساعد بعض الدول في حروبها. الجماعات الفكرية والدينية التي ظهرت ذلك الوقت، وحتى الصراع بين الكنيسة وعلماء مثل كوبرنيكوس. كيف جاءت أفكار مارتن لوثر في تمرده على الكنيسة الكاثوليكية، تحمل أيضا معاني يهودية تجلت في أفكار البروتستانت المنشقين على الكاثوليكية، جعلت التعاطف يزداد مع اليهود. كيف آمن البروتستانت أن نعمة الإله على اليهود، هي بمثابة وعد أزلي، وأن اصطفاءه لهم دائم، وأنهم شعب الله المختار حقا. كتابات مارتن لوثر مثل كتابه «المسيح ولد يهوديا» عام 1523 مؤيدا اليهود، ومدينا لاضطهاد الكنيسة الكاثوليكية لهم. مما جاء في الكتاب «إن الروح القدس شاءت أن تُنزل كل أسفار الكتاب المقدس عن طريق اليهود وحدهم. إن اليهود هم أبناء الرب ونحن الضيوف الغرباء، وعلينا أن نرضى بأن نكون كالكلاب التي تأكل من فتات مائدة أسيادها».
لقد أسهمت ثورية مارتن لوثر في تهيئة الأوروبيين للقبول بأرض الميعاد واليهود شعب الله المختار، وبمعركة هرمجدون آخر الزمان، وبالحكم الألفي السعيد للسيد المسيح، وهو لن يكون «إلا بعد عودة اليهود للأرض المقدسة». ورغم أن مارتن لوثر انقلب على اليهود في أخريات حياته، لكن السهم الذي أطلقه كان قد انطلق إلى غير رجعة. أثرت أفكاره في الأوساط الأوروبية والمصلحين الأوائل وأهمهم جان كالفين، الذي انتشرت دعوته في فرنسا، وأصبحت الدين الرسمي في اسكتلندا، وعُرف أتباعه باسم العهديين، وفي بريطانيا باسم البيوريتان، أو المتطهرين، وامتدت إلى شرق سويسرا وسكان المجر، ودول أسكندنافيا، التي شهدت انتشارا كبيرا للبروتستانتية الكالفينية، التي أقرت مثلا مشروعية الربا، خاصة أن أوروبا كانت مقبلة على عصر التجارة العالمية وظهور الرأسمالية، في ما سمّاه ماكس فيبر بالتوافق بين أخلاق البروتستانت وروح الرأسمالية.
رغم ذلك ظلت أفكار كثيرة ضد اليهود، وظل فلاسفة وكتاب وجماعات ضدهم، وعمليات الطرد المستمرة لهم من أوروبا. حديث مفصل عما جرى في كل دولة، من إسبانيا بعد سقوط الأندلس إلى الدولة العثمانية وفرنسا وروسيا وألمانيا، حتى بعد بدايات العصر الحديث، والأفكار التنويرية التي فصلت بين الدين والدولة، وصارت الدعوة إلى ضم اليهود في نسيج المجتمع.
نعود إلى التهويد وكيف يستمر تأثيرهم على التيارات المسيحية الدينية الجديدة مثل، الإنجليكان وهم فرع من البروتستانتية، وظهور مجلات وصحف يذكرها بالاسم تعبر عن ذلك، وجماعات ضغط لإنشاء دولة يهودية في فلسطين، وكيف صار هناك احتلال إسرائيلي للغرب، ليأتي القسم الثاني موضحا ذلك بعنوان «مسيحيو اليهود».
كيف كان تأثير علماؤهم في تطوير الأسلحة على مساندة إنكلترا لهم، وكيف تم تكوين فيلق يهودي في الحربين العالميتين الأولى والثانية. وكيف عاد أفراد الفيلق بعد الحرب العالمية الثانية، ليكونوا جماعة الهاجناه في فلسطين، لطرد سكانها الأصليين من العرب، وكان منهم ديفيد بن غوريون. كيف كانت المرحلة الثانية من التهويد في التاريخ الحديث، مع الإعلام الذي سيطر عليه اليهود، سواء بإخراج أفلام إباحية، أو طبع مجلات إباحية. ففي السبعينيات من القرن الماضي مثلا برز اسم روبين ستيرمان المنتج الأكثر شهرة لهذه الأفلام، ومالك أكثر من مئتي متجر للمجلات الإباحية في أمريكا، كذلك المخرج الإباحي اليهودي مايك كوليش الذي قال، إن اليهود هم أول من أدخل تقنية الفيديو إلى الصناعة الإباحية. استمر الأمر ليصل إلى الأطفال، فصارت القصص الموجهة لهم تركز على كراهية العرب. ما جرى من نقلة كبرى من قبل للسيطرة على السينما الأمريكية، التي لا يمكن ذكر أمريكا إلا والسينما معا، فصارت لهم شركات مثل مترو غولدين ماير وباراماونت وفوكس وغيرها، ثم السيطرة على القنوات التلفزيونية. فاصل صغير مهم مع كلمة مسلم والأسماء البديلة لها في الغرب مثل المحمديين، أو السرغينيين أو الساراسن لأتباع سارة زوجة النبي إبراهيم، وكيف انتشر الاسم. فهناك قلعة السراغنة في المغرب ومدينة سرغين في الجزائر، وغير ذلك من الأسماء، وتاريخ كل اسم وما صاحبه من تحولات أو حروب.
عودة للتاريخ ومحاكم التفتيش ومطاردة اليهود، رغم ذلك كله، لنصل إلى الاكتشافات الجغرافية الجديدة في أمريكا، ورحلة موسعة معها لتأكيد تهويد الغرب. تجارة العبيد وصراعات الدول حول أميركا اللاتينية والشمالية، أو «الدورادو» الاسم الرمزي لها، الذي يعني كنز الذهب الأسطوري. كيف رآها البروتستانت المدينة الموعودة أو أرض الميعاد لهم، فلا معني لوجود سكانها. كيف كان بين العبيد مسلمون. جرائم اليهود المزارعون الجدد، ومشاهد موثقة من كتب عن تلك المرحلة للتعذيب قام بها اليهود في مستعمرة مثل سافاناه اليهود، واجبار العبيد القسري على اعتناق الديانة اليهودية وإن ظل التمييز، فاليهود هم البيض كما الأوربيون، والعبيد هم السود. أحداث كثيرة ومذكرات لكتاب عاصروها وكتب. ننتقل إلى الفصل الثالث والأخير عن فكرة مستعمرات اليهود قبل فلسطين، والحديث السياسي والتاريخي عن أصحاب الفكرة التي انتهت بفلسطين، ولم تتحقق في أماكن أخرى كثيرة. في كل حديث تفاصيل تاريخية ووقائع وأسماء المشجعين عليها والمساهمين فيها، وكيف حدث النجاح وكيف جاء الفشل. منها مستعمرة في البحر الكاريبي، كذلك مستوطنة أرارات في الولايات المتحدة ومستوطنة في الأرجنتين، ومحاولات في قبرص، ومحاولة لم تتم في سيناء، ومحاولة في أوغندا، ومحاولة في البحرين والسعودية لم تنجح، وكذلك في مدغشقر وأستراليا وأنغولا وغيانا البريطانية وشبه جزيرة القرم في روسيا القيصرية، ومستوطنة بيروبيجان في الاتحاد السوفييتي، وكل ذلك كما قلت قبل فلسطين.
أهملت الحديث عن كيف انتهى الأمر بفلسطين، والحديث عن هرتزل وغيره وعائلة روتشيلد وحكام بريطانيا، لأن هذا حديث نعرفه، وإن كانت التفاصيل هنا رائعة، وجعلت الحديث عن فكرة الكتاب الرائعة تهويد الغرب التي تستحق كل تقدير.
كاتب مصري