هوس جنسي واغتيال:أسرار كينيدي لا تنتهي

في الثاني والعشرين من شهر نوفمبر/تشرين الثاني 1962 اغتيل الرئيس الخامس والثلاثون للولايات المتحدة جون إف كينيدي. كينيدي كان قد اتخذ قراراً شجاعاً بشأن تنفيذ زيارته لمدينة دالاس، التي صارت مقراً لكثير من الناقمين عليه، على الرغم من التحذيرات، التي قدمت إليه بعد ما وصله من تهديدات بالقتل.
حدث الاغتيال عبر إطلاق الرصاص بالطريقة التي شاهدها الناس، فيما كان الرئيس يمر بسيارته المكشوفة عبر شوارع المدينة، منذ ذلك الحين ظلت ذكرى وفاته فرصة للصحافيين الاستقصائيين، ومعدي الوثائقيات لتذكر الحدث والتوسع في كشف ملابساته، التي وإن ألفت عنها مئات الكتب، إلا أنها لم تخرج للنور بشكل كامل بعد، حيث ما زالت تتكشف يوماً بعد يوم خفايا وتفاصيل لم تكن معلومة من قبل.

سياسات كينيدي كانت تمثل تهديداً للصهيونية العالمية فقد كان ضد طبقة المال والسلاح، التي كان عمادها رجال الأعمال اليهود، وضد الطموحات النووية للكيان الناشئ

في هذا الإطار يأتي مقال كاتب السير الأمريكي راندي ترابوريللي، الذي نشره قبل ايام في صحيفة «ذا ديلي ميل» البريطانية. تناول ترابوريللي في المقال قصة العلاقة العاطفية والجنسية السرّية، التي جمعت بين جون كينيدي وامرأة تُدعى جوان لوندبرغ.. المرأة المذكورة كانت شابة من ولاية ويسكونسن التقى بها كينيدي في عام 1956، حينما كانت تعمل في حانة على أحد الشواطئ في كاليفورنيا، ليقع بشكل سريع في غرامها، استمرت علاقة كينيدي، الذي لم يكن قد أصبح رئيساً بعد، ولكنه كان متزوجاً بزوجته جاكلين لبعض الوقت بجوان، التي وصفها ترابوريللي بأنها كانت شابة جميلة، ممتعة، وذات شخصية جذابة ومتحررة. اضطرت جوان لإجهاض طفلها تحت ضغط كينيدي، الذي لم تلبث زوجته أن اكتشفت هذه العلاقة، ما سيكون له تأثير على علاقتها بزوجها، ويجعلها تتذكر رفض والدها لهذه الزيجة، بسبب علاقات كينيدي النسائية المتعددة.
بعد أن خسرت جوان طفلها بوقت قصير انفصل عنها كينيدي، الذي أراد أن يتفرغ لحياته السياسية، تقول القصة، التي يرويها ترابوريللي، إن جوان تزوجت لاحقاً من رجل آخر، لكنها ظلت تعاني من اضطرابات نفسية ومشاكل زوجية. ترابوريللي ينطلق من هذه القصة، التي وجدت ضمن مذكرات غير منشورة لبطلتها جوان، للتساؤل حول الحالة النفسية للرئيس، الذي كان يعاني مما سماه «إدمان الجنس». هذه الحالة كانت ترتبط في الغالب بما كان يأخذه من علاجات لأمراض عضوية كان يعاني منها. هذه التعقيدات الصحية كانت تفرض عليه تناول جرعات من الهرمونات والمنشطات، وربما أنواع من الأمفيتامينات، التي تؤثر جميعها على الرغبة الجنسية وعلى السلوك العام. هناك الكثير مما كان يميز كينيدي عن غيره من الرؤساء الأمريكيين السابقين، وأهم هذه الميزات والاختلافات هي أنه كان الرئيس الكاثوليكي الأول للولايات المتحدة، من بين سلسلة من الرؤساء البروتستانتييين. النقطة الثانية، التي تميز كينيدي، تذكر بزهران ممداني، المسلم الذي فاز مؤخراً بمنصب عمدة نيويورك، وهي أنه لم ينجح بدعم اللوبي اليهودي، ولا حتى بدعم الحزب الديمقراطي، وهو ما جعل كينيدي يظهر بشكل مستقل وحر أكثر.
هناك اختلاف بالطبع مع ممداني، الذي يمكن القول إنه ينتمي للطبقة المتوسطة، وهو أن أسرة كينيدي، خاصة والده رجل الأعمال الثري، كانوا قادرين على تمويل حملته ودفع نفقات الدعاية له. تذكر السير أن والد كينيدي، ضمن مجموعة كبيرة من طبقة «وول ستريت» المالية، كان متهماً بمعاداة السامية، وبدعم أدولف هتلر، وهو ما كان يذكر كثيراً في سبيل ابتزاز المرشح الرئاسي وإضعافه. اليوم، وإن كان ما يزال يصعب الجزم بموقف كينيدي الابن من اليهود، إلا أن الأكيد هو أنه كان له موقف واضح ضد تدخل اللوبي اليهودي في وضع السياسات الأمريكية، كما كان له موقف ناقد للوبيهات المال وتشابكها المؤذي مع رجال الحكم والسياسة.
هذه الخلفية مهمة لفهم تعقيدات الاغتيال، فقد كان لكينيدي أعداء كثر، أولهم بعد اللوبي اليهودي القائمون على الصناعات الدفاعية وقيادة المخابرات، التي كانت تملك آنذاك نفوذاً كبيراً، والتي سعى كينيدي للحد منه عبر عزل رئيسها جون دالاس، هذا إلى جانب طبقة رجال الأعمال، التي اعتبرت أن كينيدي يمثل تهديداً لمكانتها.
من مواقف كينيدي المهمة، التي وسعت من دائرة كارهيه، اعتراضه على حرب فيتنام، كان كينيدي يرى، مثل كثير من الأمريكيين، أنها تمثل محرقة وخسارة مادية وبشرية بلا طائل، الرئيس الشاب والمتحمس لم يكن يدرك ربما خطورة هذا الاتجاه، الذي إن كان سيقابل بارتياح من قبل ملايين المواطنين، إلا أنه يضر بمصالح جهات نافذة تقتات على مثل هذه الحروب، كأصحاب بزنس السلاح. يحسب لكينيدي أيضاً إفشاله لعملية خليج الخنازير، التي كانت تهدف لتغيير النظام في كوبا، وإعلانه نهاية العمليات السرية واستراتيجيات الاغتيال، التي كانت تنفذها المخابرات الأمريكية، كما يحسب له أنه أنهى بدبلوماسية أزمة الصواريخ، التي أرسلها الاتحاد السوفييتي لكوبا، والتي كان بإمكانها أن تشعل حرباً مدمرة بين البلدين النوويين. الولايات المتحدة تعهدت كإجراء مقابل لسحب الصواريخ الكوبية بإخلاء قاعدة «إنجرليك» التركية من الصواريخ عابرة القارات النووية، التي كانت تمثل تهديداً للروس.
على مستوى آخر كان كينيدي داعماً لمشروع إخلاء الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل، وهو ما كان يمثل بالدرجة الأولى تهديداً لكيان الاحتلال الناشئ، الذي كان يمثل له المشروع النووي أولوية أمنية. هذا يعني أن سياسات كينيدي كانت تمثل تهديداً للصهيونية العالمية من نواحٍ عدة، فقد كان ضد اللوبي اليهودي، وضد طبقة المال والسلاح، التي كان عمادها رجال الأعمال اليهود، وضد الطموحات النووية للكيان الناشئ. من يتهمون الصهاينة بتدبير مقتله، يشيرون لوجد مناحيم بيغن في دالاس في يوم الاغتيال، ويعتبرون أن هذه ليست صدفة، خاصة مع الاشتباه بمجموعة من اليهود، المتهمين بالضلوع في مؤامرة الاغتيال. هذا كله يدفعنا إلى التساؤل: لماذا تظل تفاصيل تلك الجريمة مجهولة حتى يومنا هذا، ولماذا ما زلنا نعتمد بعد كل تلك العقود على التحليلات والتخمينات؟
بعض المؤرخين يحملون إجابة لهذا السؤال تقول، إن السبب هو تورط أسماء مهمة ستصل لاحقاً للرئاسة الأمريكية مثل، ليندون جونسون وجورج بوش الأب وجيرالد فورد، فبينما كان جونسون هو خليفة كينيدي، الذي أشرف على التحقيقات، كان بوش هو ضابط المخابرات المتابع، فيما كان جونسون هو رئيس لجنة التحقيق، التي ستفرغ الأمر من أهميته وتحوله لمجرد حادثة إطلاق نار فردية تم القبض على المسؤول عنها.
تحويل الأمر لمجرد حادثة إطلاق نار قام بها شخص بشكل فردي يتعارض مع ما انتبه له المحققون في القضية من تفاصيل كجهة إطلاق النار ووجود تحذير من سيدة، لم يأخذ أحد شهادتها على محمل الجد، كانت تقول إنها سمعت بعض الرجال، الذين يتفقون على قتل الرئيس. كل ذلك جعل كثيرين يسخرون من الرواية الرسمية، التي قدمت بشكل سريع اسم أحد المتهمين، بطريقة أشبه بما تقوم به دول الموز والعصابات، حينما يتم تلفيق التهم أو رميها على أحد البؤساء، من أجل إبعاد أصابع الاتهام عن الدولة، أو عن الشخصيات المهمة الفاعلة.
مع الاحترام لرواية ترابوريللي وما فيها من اتهام لكينيدي بالهوس الجنسي، إلا أن ما يهمنا الآن ليس علاقات الرئيس النسائية وقصصه العاطفية، بل إجابة السؤال القديم: من وقف وراء حادثة الاغتيال؟
كاتب سوداني

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية