منذ أعوام عديدة والشباب، وخصوصا منهم طلاب الجامعات الغربية، يتقدمون طليعة الوعي الأخلاقي والمدني العالمي. فقد صار الشباب أبصرَ بالحقائق التي كانت مطموسة في الضمير الغربي بفعل قرون من ركام المسبقات والتحيزات. ولأن هذا الوعي الجديد متحرر من التبعيات الإيديولوجية التي أضلّت معظم حركات «النضال الطلابي» في الشطر الثاني من القرن العشرين، فإن شباب اليوم قد امتاز برؤية ما عميت عنه عيون الآباء والأجداد: أي حقيقة إسرائيل الكولونيالية المُحْتَمية بسردية الاستعلائية الغربية.
ومن علامات هذه الطليعيّة أن الشباب هم أول من بدأ يسعى لمقاومة سطوة الذكاء الاصطناعي ويعمل على الحد من أضراره المتنوعة، وأولها الأضرار البيئية. فقد ظهر أخيرا في مختلف البلدان الغربية تيار شبابي تَسمَّى المقتنعون به بـ«نَباتِيّي الذكاء الاصطناعي» دلالة على امتناعهم (على غرار امتناع النباتيّين عن أكل اللحم) عن استخدام هذه التكنولوجيا الخطيرة. وفي شرح موجبات هذا الموقف الأخلاقي اللافت يقول أحد هؤلاء الشباب: «لست مضطرا لإحراق سبع شَجَرات وإهراق سبعة غالونات (ثلاثين لترا) من الماء لمجرد استكتاب الذكاء الاصطناعي صيغة معدّلة من رسالة إيميل». ذلك أن الذكاء الاصطناعي يستهلك، كلما نَقَرَ مستخدمه نقرات بالكومبيوتر أو الموبايل، كميات هائلة من الماء والكهرباء وأن مراكز البيانات الضخمة التي يعتمد عليها أخذت تهدد بعض البلدان بنضوب مواردها المائية وبانقطاع إمداداتها الكهربائية.
وأبسط البسائط التي لا بد من معرفتها هي أن إجراء بحث على «شات جي بتي» إنما يكلف كميات من الطاقة أكبر بكثير مما يكلفه البحث ذاته على غوغل أو أي محرك بحث آخر. فقد بينت دراسة نشرتها جامعة كورنيل أن جي بي تي 3 يستهلك حوالي نصف لتر من الماء نظير توفير ما بين عشر وخمسين إجابة.
للذكاء الاصطناعي التوليدي شطحات وتهويمات وحماقات لا يمكن أن ينجو منها المتعودون على استخدامه
وتنبه الدراسة على أن معظم البصمة المائية للذكاء الاصطناعي متأتية من المياه الزرقاء، أي المياه المستمدة من الموارد السطحية أو الجوفية كالبحيرات والأنهار والمستودعات المائية الجوفية والأراضي الرطبة، وهي المياه التي يحتاجها البشر للاستخدام المنزلي وللزراعة، علما أنها محدودة وتتناقص كل يوم. والمثير أن تيار النباتيين هذا آخذ في الانتشار حتى بين الذين يعملون في قطاع الذكاء الاصطناعي، حيث إن عددا من المقومين، أي الموظفين المكلفين بالتحقق من مدى صحة الأجوبة التي يقدمها الذكاء الاصطناعي التوليدي، ينصحون عائلاتهم وأقرباءهم بالإقلاع عن استخدام هذه التكنولوجيا ذات المخاطر الجسيمة.
وتؤكد الروايات المتطابقة أن من الناس من صار يعتمد على الذكاء الاصطناعي في كل شيء تقريبا ويسأله عن المهم والتافه وعن الصعب والسهل، بما ذلك السؤال عن الوقت، كأنه لا يقوى على النظر إلى الساعة! ذلك أن الواقع الذي فرضه عالمنا الموحد بشبكات (أو بالأحرى بشِباك وشِراك) الاتصال والتواصل والتداخل الدائم هو أن كل شيء مصمم ومعدّ ومكيّف لكي يكون الاعتماد على الذكاء الاصطناعي التوليدي رد فعل انعكاسيا، أي عادة لا-واعية، عند الإنسان المعاصر، وذلك من فرط انبثاث هذه التكنولوجيا في البرمجيات التقليدية للمكتبيّات، وفي شبكات التواصل الاجتماعي، والمعاملات المتصلة بالخدمات العمومية. كما أن المؤسسات الاقتصادية وأماكن العمل صارت تشجع موظفيها على استخدامها. ولهذا فإن النباتيين ينددون بهذه الأداة الجديدة التي تستخدمها الرأسمالية لإدامة استغلال العمال إلى أبعد حد. ويمارس هذا الاستغلال ضد فئتين: عمال النقرات الذين يتقاضون أجورا زهيدة مقابل التحقق من أداء الأنظمة الروبوتية، وعمال البلدان الغربية الذين صاروا مجبرين على العمل أكثر فأكثر ركضا ولهاثا خلف غاية تكاد تصير، لفرط استبدادها الإداري، غاية ميتافيزيقية: إنها كسب الوقت وتحسين الإنتاجية.
ومعروف أن للذكاء الاصطناعي التوليدي شطحات وتهويمات وحماقات لا يمكن أن ينجو منها المتعودون على استخدامه. أما الذين لا يستخدمونه من أمثالي فحَسْبُهم أن يعلموا (مما شاهدته على مقطع فيديو وصلني على الواتساب) أن الشيخ جي بي تي قد سئل: إذا حل عيد الفطر وعيد الأضحى في اليوم ذاته (!) فبأي صلاة نبدأ؟ أجاب الشيخ بأن العلماء اختلفوا في هذا الأمر ولكن الأحوط البدء بصلاة عيد الفطر! سئل: أي مذهب يقول بذلك؟ فأجاب: المذهبان الحنفي والشافعي! ثم سئل: إذا حل عيد الأضحى في منتصف رمضان فهل يجب الصوم في يوم عرفة؟ أجاب: في هذه الحالة يجب الفطر لأن الحجيج لا يصومون يوم عرفة.
ذلك هو «الفقه الاصطناعي» الذكي: يفتي (لمن يستفتيه) بوجوب الإفطار في منتصف رمضان لأنه يوم عيد!!!
كاتب تونسي