ما يقلق صناع القرار الإسرائيليين في وضع التوازن الاستراتيجي الحالي في الشرق الأوسط أن الغموض الذي يحوط قدرة إسرائيل على مواجهة المقاومة الفلسطينية واللبنانية المسلحة، واستمرار عمليات المواجهة المسلحة، بوتيرة مختلفة على جبهات غزة وجنوب لبنان والضفة الغربية يمكن أن يصدر إشارات سلبية إلى الداخل الإسرائيلي تفيد بأن القوة العسكرية التي تعتمد عليها الدولة الصهيونية لتحقيق أمنها والتفوق على خصومها قد فقدت بريقها وتآكلت بعد حرب غزة. هذه الرسالة تفسر جزئيا موجة الهجرة المعاكسة من يهود إسرائيل إلى الخارج والخلافات الحادة داخل المؤسسة العسكرية نفسها، والعلاقات المتوترة بين الدولة والمجتمع. كذلك فإن حالة الغموض الاستراتيجي يمكن أيضا أن ترسل إشارات إلى خصوم إسرائيل الإقليميين، بأن منظومة الردع الإسرائيلية قد تدهورت وفقدت قدرتها على إجبار أولئك الخصوم عن التفكير مرتين قبل المبادرة بأي هجوم عليها. في حقيقة الأمر فإن المواجهات العسكرية المتقطعة التي تقوم بها مجموعات صغيرة من المقاومة المسلحة، التي نمر عليها في الأخبار مرور الكرام، بل ربما لا نلتفت إليها، تسبب في الوقت الحالي إزعاجا شديدا للقيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية، لأنها تشكك في قدرة منظومة الردع الإسرائيلية وتزيد من حالة الغموض الاستراتيجي في المنطقة، رغم ما قد يبدو من هدوء على سطح الدبلوماسية الجارية الآن من أجل تنفيذ خطة ترامب.
ما يزيد مبررات القلق الإسرائيلي بشأن تآكل قدرتها على الردع هو التحالف السعودي – الأمريكي الذي يجري بناؤه على مهل منذ عام تقريبا، والذي وصل إلى حصول السعودية على موافقة الرئيس الأمريكي ببيعها طائرات أف- 35. التحالف السعودي – الأمريكي لا يتوقف عند حدود التفاهمات العسكرية العميقة، وإنما يتشعب الى قطاعات الصناعات الاستراتيجية ومجالات الابتكار التكنولوجي خصوصا الذكاء الاصطناعي، وهو مجال حاسم في المنافسة بين الولايات المتحدة والصين، وهو ما سنعرض له في مقال آخر بإذن الله.
في سياق المواجهة بين إسرائيل والمقاومة نلفت النظر إلى مقالين مهمين، الأول بقلم الجنرال تامر هايمان، المدير التنفيذي لمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي في جامعة تل أبيب، والمقال الثاني بقلم مائير بن شبات رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي السابق. في كل من المقالين يسعى كل من هايمان وبن شبات إلى قراءة ما وراء الوضع الظاهر فوق الأرض، الناتج عن ترتيبات وقف إطلاق النار في غزة، ومدى نجاح إسرائيل في الحرب التي استمرت لمدة عامين. كما يسعيان إلى استخلاص نتيجة أو نتائج كبرى من تحليل الوضع الراهن، بما يساعد على إرشاد صانع القرار الإسرائيلي إلى اتجاه واضح وقاطع، لإجلاء الغموض في الوضع الاستراتيجي الراهن وطبيعة المواجهة بين إسرائيل وخصومها في المنطقة. وقد نشر هايمان الجزء الأول من مقاله في مجلة المعهد الذي يديره، كما نشر بن شبات مقاله على موقع معهد مسجاف لدراسات الأمن القومي والاستراتيجية الصهيونية وفي صحيفة «إسرائيل اليوم»، كليهما في الشهر الحالي.
«من وجهة نظر إسرائيل، ليس وقف إطلاق النار هو الهدف النهائي»
طبيعة المواجهة العسكرية
مقال الجنرال تامر هايمان المعنون «بين النصر والهزيمة الحاسمة: تقييم قدرة إسرائيل على تحقيق أهدافها الحربية ضد حماس» يتطرق إلى دراسة الوضع الاستراتيجي بعد الحرب، وكيف يُمكن تعريف النصر والهزيمة الحاسمة – وهل حققتهما إسرائيل بعد عامين من حرب غزة؟ (INSS- 23 من الشهر الحالي). وفيه يوضح أن مفهوم النصر أصبح مُسيّسًا بشكل متزايد، وخاصةً مفهوم «النصر المُطلق». في الوقت نفسه، يُستخدم مصطلح «الهزيمة الحاسمة» على نطاق واسع، ولكن نادرًا ما يُعرّف بدقة. وقال أنه يتناول مفهوم النصر من منظور عسكري استراتيجي احترافي، مُميزا إياه عن الهزيمة الحاسمة. يُعدّ هذا التمييز أساسيًا لفهم إنجازات إسرائيل في الحرب ضد حماس، ووضع تصورات عامة، لا سيما فيما يتعلق بسيناريوهات استمرار حماس في الوجود بشكل أو بآخر. في هذا السياق، تُحدّد خطة الرئيس ترامب، لإنهاء الحرب وتأمين عودة الرهائن الإسرائيليين، مسارًا يُمكن أن يُمثّل، في حال تنفيذه بالكامل، نصرًا إسرائيليًا واضحًا من وجهة نظره، وهي وجهة نظر تتجاهل المكاسب التي تحققت للجانب الفلسطيني، ومنها الإفراج عن مئات الأسرى، وعودة الحياة الطبيعية تدريجيا إلى غزة بعد الحرب، وإفشال خطة التهجير، وتأكيد حق تقرير المصير، والتأييد الدبلوماسي العالمي غير المسبوق في تاريخ القضية الفلسطينية.
ويعترف الجنرال هايمان بأن التحدي العسكري الرئيسي الذي واجهته إسرائيل بعد حرب أكتوبر 1973 لم يكن من جانب جيوش الدول في المنطقة، وإنما كان من جانب قوات المقاومة المسلحة في فلسطين ولبنان وسورية والعراق واليمن باستثناء حالتين فقط، هما المواجهة مع سوريا عام 1982 وحرب الإثني عشر يومًا ضد إيران عام 2025. وفي كل المواجهات الإسرائيلية مع المقاومة المسلحة تجنبت القيادة السياسية تحديد الهزيمة الحاسمة كهدف. وفضّلت بدلًا من ذلك أهدافًا محدودة مثل إضعاف أو تعزيز الردع. وباعتراف هايمان فإن تحديد أهداف أقل من هزيمة الخصم يعكس تقييم الجيش للتكلفة الباهظة للفوز بنصر حاسم على المقاومة، وإحجام القيادة السياسية عن تحمل هذه التكلفة. ومع مرور الوقت، يقول هايمان فقد «تآكل مفهوم الهزيمة الحاسمة.»
ويعود الجنرال هايمان بعد ذلك إلى السؤال الجوهري الذي يحير الإسرائيليين، وهو هل انتصرت إسرائيل في حرب غزة؟ وفي إجابته يقول إنه «بافتراض انتهاء الحرب، يعتمد الجواب على مدى تحقيق إسرائيل للأهداف التي حددتها منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023». ومع أنه يتلاعب في إعادة صياغة الأهداف التي كان قد أعلنها نتنياهو، التي تتضمن إبادة حماس تماما، واستعادة المحتجزين بالقوة، والسيطرة على غزة لإعادة تشكيلها من الداخل، بما يضمن أمن إسرائيل لأجيال قادمة، فإنه يعترف بمرارة بأن «بعض الأهداف – الردع، والشعور بالأمن، والصمود الوطني – لا يمكن قياسها فورًا. لا يُرى الردع إلا عند فشله، ويجري تقييم الصمود بمرور الوقت. الشعور بالأمن بطبيعته أمرٌ نسبي». وقرر بعد ذلك أن إسرائيل حققت هدفين بوضوح هما إعادة المُهجّرين من منطقة غلاف غزة وشمال إسرائيل إلى ما كانوا عليه قبل الحرب، وتهيئة الظروف لعودة الرهائن، على الرغم من أن جثث ثلاثة رهائن لا تزال في غزة. لكنه أكد أن القضية الجوهرية لم تُحَل، وهي حسب تعبيره «تفكيك حكم حماس وقدراتها العسكرية». وذلك على الرغم من الضعف الشديد لقوة حماس العسكرية، حيث يقدر أنه يعادل ما يقرب من 10 في المئة مما كان عليه قبل الحرب.
اختلاف هدف إسرائيل عن أمريكا
وهنا ننتقل إلى مقال مائير بن شبات الذي يركز أساسا على مهمة مواجهة التحدي الذي تفرضه حماس. ويقول في مقاله المعنون: «اختبار إسرائيل في رفح قد يُمهّد الطريق لإسقاط حماس» (معهد مسجاف – 10 من الشهر الحالي) أن المواجهة الحالية بين حماس وإسرائيل يجب أن تنتهي بشكل حاسم – إما باستسلام جماعي، أو اعتقالات، أو قتل عناصر المقاومة. وعلى الرغم من أن المقال يبدو وكأنه وصفة للتعامل الإسرائيلي مع حماس، إلا أنه في واقع الأمر يعبر عن قلق اسرائيلي عميق من تأثير استمرار المواجهة على الدول والقوى الأخرى في المنطقة، والرسائل – السلبية بالنسبة لإسرائيل – التي يصدرها استمرار المواجهة رغم بدء تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بعد حرب استمرت لأكثر من عامين. يقول بن شبات: «للصور والدعاية قيمة. تعامل إسرائيل مع مقاتلي رفح المحاصرين سيظهر للقوى الإقليمية ما إذا كانت ستظل ملتزمة بتفكيك البنية التحتية للمقاومة أم أنها ستقبل بإصلاحات شكلية».
بصيغة أخرى فإنه يحذر القيادة الإسرائيلية من أن تعاملها الحالي مع حماس والمقاومة هو الذي سيقرر نظرة الدول والقوى الأخرى في المنطقة إلى إسرائيل مستقبلا، وأنها بعد عامين من الحرب فشلت في تحقيق أهدافها، وقبلت بمجرد تعديلات شكلية.
وتعرض بن شبات للوضع الجديد الذي تستهدفه خطة ترامب للسلام. وقال إن الهدف الرئيسي لواشنطن هو تثبيت وقف إطلاق النار. ويتطلب تحقيق هذا الهدف التقدم إلى المرحلة الثانية من خطة ترامب وتوليد زخم في التنفيذ.
ومع انشغال الجميع بالعمليات والآليات، سيتحول الواقع على الأرض إلى وضع «اللا اقتتال»، لتمكين ترامب من مواصلة طموحاته الدبلوماسية الأوسع. وهو من هذا التشخيص يقفز بن شبات من رؤية واشنطن إلى رؤية تل أبيب ويقرر بوضوح لا لبس فيه: «من وجهة نظر إسرائيل، ليس وقف إطلاق النار هو الهدف النهائي. ولا سيما الآن، بعد استعادة الرهائن الأحياء ورفات معظم القتلى. ويوصي في ختام مقاله بأن «يظل القضاء على قدرات العدو وسحب الأسلحة من المنطقة هدفين أساسيين لإسرائيل، لا يمكن التضحية بهما بسبب وقف إطلاق النار أو تلبيتهما بترتيبات شكلية».
كاتب مصري