السودان: هل «الجنجويد» مرتزقة؟

خلال الأيام الماضية تصدر اجتياح قوات الجنرال المنشق محمد حمدان دقلو «حميدتي» لمدينة الفاشر في إقليم دارفور غرب السودان اهتمام الرأي العام العالمي، وذلك بسبب ما رافق ذلك الاجتياح من أعمال عنف وقتل وحشي تم توثيقه، للمفارقة، بهواتف المعتدين.
خلقت المشاهد تعاطفاً واسعاً، ووجدت جهات كثيرة كانت تلتزم الصمت خلال الفترة الماضية، أن لا مفر من إدانة هذا الإجرام، الذي لم تستطع حتى الجهات الداخلية والخارجية المؤيدة لحميدتي تبريره.
دفعت هذه الأحداث الكثيرين للالتفات للمسألة السودانية، ليكتشف أولئك أن هناك عدة أمور صادمة، حينما يتعلق الأمر بسلوك هذه القوات البربرية. على رأس هذا الحقيقة التي تقول إن كل ما وصل إلينا وما شاهدناه من انتهاكات، مما يرقى لتوصيف جرائم الحرب، ليس كل شيء، بل إنه لا يمثل إلا جزءاً يسيراً مما تم بالفعل، لأن أولئك المعتدين لم يوثقوا بالطبع إلا بعض ما قاموا به، بل ربما مضت جرائم أكبر دون توثيق. كل ما وجد طريقه إلى أجهزة الإعلام وإلى وسائل التواصل الاجتماعي مما أثار تعاطف العالم، كان ناتجاً عن اندفاع متحمسين كانوا من البساطة لدرجة أنهم لم يمتلكوا الوعي الكافي والحساسية اللازمة، التي تجعلهم يدركون أن ما يتم تصويره بفخر لحظي سوف يتحول لاحقاً لدليل على الوحشية وعلى الجرائم الممنهجة، وكيف أن هذه الميليشيا تتعمد ألا تفرق بين مدني أو عسكري أو بين مقاتل أو امرأة أو حتى طفل.
الأمر الآخر، الذي يجب أن نلفت له الانتباه هو أن الفاشر ليست حالة فريدة، بل إن ما حدث فيها هو السلوك المعتاد، الذي تقوم به مجموعات «الجنجويد» في أي مكان تدخل إليه وتقترب منه، بل إن التحذيرات من دخول الفاشر كانت مبنية في الأصل على التجارب السابقة وعلى ما سبق أن مارسه «الجنجويد»، جند حميدتي، من انتهاكات غير إنسانية.
اليوم، وإن كان هناك التفات حقيقي للمسألة السودانية من بوابة الفاشر ومطالبة بانتشال الأبرياء ومد يد العون لهم، فإنه يجب التذكير بأن مدناً مثل بابنوسة والدلنج وبارا تعيش حالات حصار مماثلة وتعاني الأمرين تحت سطوة الجنجويد.
أيقظت الفاشر العالم حينما أحس كثير من الفاعلين أن سقوطها بين يدي حميدتي يعني أنه بات يسيطر على غرب السودان، ما قد يبدو وكأنه تحقيق لمشروع انفصال لا يخدم المنطقة ويهدد أمن ومصالح الإقليم.
في مواجهة ذلك قام حميدتي في مخاطبته، التي تلت إستلام المدينة، بتوجيه رسالة من شقين لتخفيف الضغط العالمي. الشق الأول كان تبرؤه مما حدث من انتهاكات وقوله إن مرتكبيها سوف يساقون إلى المحاكمة، وهو ما حاولت قواته إقناع العالم به عبر تمثيلية احتجاز لأحد مجرمي المجازر، ممن ذاعت صورتهم.

«سقوط الفاشر وكأنه تحقيق لمشروع انفصال لا يخدم المنطقة ويهدد أمن ومصالح الإقليم»

أراد حميدتي بذلك أن ينفي أن هذه الجرائم المتواترة كانت منهجية، وأن يحوّلها لمجرد تجاوزات فردية لا تمثل قواته، وهو ما بدا مثيراً للسخرية نظراً لحجم الانتهاكات وتجارب السودانيين وشهاداتهم السابقة على توحش الجنجويد.
الشق الثاني من رسالة حميدتي، الموجهة بشكل أساسي للخارج، كان يتعلق بالتأكيد على أنه لا يفكر بفصل البلاد، بل إنه لا يقبل بتقسيمها، لأنه مؤمن بالسودان الواحد الموحّد، الذي يستحق التغيير، وهو خطاب رأى واضعوه أن بإمكانه أن يجلب تعاطفاً عالمياً أوسع، خاصة في ظل حالة الرفض الإقليمي والدولي لفكرة الدولة الجديدة.
في ظل كل هذه الفوضى يبرز سؤال مهم وهو: هل الجنجويد مرتزقة أجانب كما يقول البعض، ولماذا نحتاج اللجوء لهذا التعريف؟
للإجابة عن هذا السؤال نحتاج للجوء إلى التاريخ وإلى بداية الألفية، حينما اشتد تمرد قبائل دارفور الإفريقية على الدولة. السلطة الحاكمة آنذاك، والتي كان ترى أن الجيش بطريقة قتاله التقليدية سوف لن يكون فاعلاً في حرب الغرب، لجأت إلى إعلان الاستنفار الأهلي وتشجيع القبائل المنافسة على القتال ضد المتمردين.
القبائل الأكثر حماساً لقتال المتمردين كانت القبائل التي توصف بالعربية. ذلك لم يكن حباً في عيون الدولة، بل لسبب أبسط من ذلك بكثير وهو أن القبائل المتمردة كانت قد دخلت معها في صراعات سابقة. بالنسبة للمتحمسين للحرب، فقد كان في مساندة الدولة فرصة للحصول على السلاح والعتاد والإسناد من أجل القضاء على أولئك المنافسين.
من هنا برز اسم حميدتي كقائد شاب قادر على حشد الشباب وتحقيق الانتصارات، ومن هنا بدأ يكتسب مكانته في الدولة معتمداً على أهله وعشيرته «أبناء جنيد»، الذين سيأتي منهم اسم «الجنجويد»، والذين سيجدون في هذه الحرب فرصة لإقصاء وإضعاف أهم أعدائهم بمساندة الدولة وتحت غطائها.
في ذلك الوقت لم يكن أحد يصف حميدتي وجنوده بأنهم مرتزقة أجانب، كما لم تكن الدولة شديدة المبالاة بما إذا كان تاجر الحرب يقوم بتجنيد متطوعين للقتال من داخل الحدود السودانية فقط، أم أن الأمر يمتد إلى ما وراء تلك الحدود، وإلى امتدادات قبائل الجنجويد والقبائل الأخرى المتحالفة معهم في دول الجوار. كان الهدف حينها هو تطويع المتمردين بأي ثمن.
بعد عقدين من الحرب مع الدولة، التي كانت كريمة في منح كثير من المقاتلين هويات وجنسية، أصبح التفريق بين السوداني الأصيل والوافد الطارىء أمراً شديد الصعوبة، فالثقافة الواحدة والسحنات المتشابهة والعائلات المختلطة، التي لا تعترف بالحدود، كانت تجعل كل ذلك أعقد بكثير مما يمكن تصوره.
في مقابل ذلك برز رأي متطرف يقول إن قبائل الجنجويد جميعها غير سودانية وكلها وافدة على البلد وغير أصيلة فيه، ومن ثم يجب إخراجها منه، وهو رأي متسرع ولا يحكمه منطق، فكم هو عدد السنين المطلوب حتى نعتبر أن شخصاً ما أو قبيلة هم من المكونات الأصيلة للسودان؟ وهل سيطبق الأمر على عشيرة حميدتي فقط؟
في الحديث عن المرتزقة الأجانب يجب بشكل واضح التفريق بين أمرين: الأول هو الحقيقة، التي لا يمكن أن تنكر والمتعلقة بدخول عدد من الأجانب من دول مجاورة أو بعيدة ككولومبيا إلى ساحة القتال، والثاني هو أيضاً حقيقة، وهي أن هذه الحرب الأساس فيها هم الجنجويد والقبائل المحلية المساندة لهم في تمردهم، والذين يشاركونها رؤيتها ويتفقون معها على ضرورة خلق حالة من الانقلاب الاجتماعي في السودان، بما يجعل مكوناتهم تنتقل من موقع الهامش، الذين يعتبرون أنهم فيه بسبب ما تعرضوا له من ظلم من قبل «الجلابة»، إلى قلب السلطة.
بعض الذين ينظرون بعين واحدة ويفضلون التركيز على موضوع الارتزاق الأجنبي يحاولون مساعدة القبائل المتمردة على الإفلات من العقاب ومن المسائلة عبر إطلاق كذبة مفادها أن من قاموا بالجرائم ليسوا سودانيين أساساً، وأنه لا توجد قبائل متمردة بل بعض المخدوعين، الذين وقفوا إلى جانب حميدتي.
الدافع لذلك كله هو محاولة رتق النسيج الاجتماعي المهترئ عبر التفكير باليوم التالي وبمآلات ما سيكون عليه الحال في حالة القضاء على شوكة التمرد. سوف تعود قبائل الجنجويد لا محالة للبحث عن الاندماج والتعايش، وحتى ذلك الحين، وحتى تتمكن المجتمعات المجروحة والمغدورة من استقبالهم، فإنه يجب تبني سردية تحمل بشكل ما تبرئة لهم وتحصر الأمر في مجموعة أفراد معزولين خارجين عن القانون.

كاتب سوداني

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية