لا تزال الأزمة مع المناصير غامضة الملامح، ولا تزال المقاربة فيها قدر من الحكمة عندما يتعلق الأمر بحوار خلف الستائر والكواليس مع المستثمر الأكبر في البلاد.
عمان ـ «القدس العربي»: واحدة مثيرة من تداعيات وتفاعلات واقعة الاشتباك العلني مع المستثمر الأردني زياد المناصير يمكن التقاطها من متابعة منصات التواصل الاجتماعي والصحافة الإلكترونية التي بدأت تستقبل بث بعض المستثمرين الأقل حجما تحت عنوان الشكوى من البيروقراطية والترهل وكيفية تعامل الموظفين وملفات التراخيص.
يعني ذلك أن ملف الاستثمار والإعاقات البيروقراطية والإدارية له فتحه المناصير على مصراعيه في المناورة المحسوبة التي خاضها.
كما يعني أن الحكومة بصدد حالة مراجعة أو مقاربة جديدة بعد الصدمة التي أنتجها المناصير عندما تسربت مقولة له في إحدى الجلسات عن حالة ابتزاز يتعرض لها أو تتعرض لها مشاريعه بعنوان مسؤولين يريدون منه توظيف أولادهم وزوجاتهم.
ألقى المناصير هنا قنبلة دخانية، وسرعان ما أعلنت الحكومة في أول رد فعل لها عن التحقيق بما يقوله ضمنا المستثمر الأضخم والأكبر على المستوى الفردي في الأردن منذ عدة سنوات. لكن في وجبة حكومية أولية قبل التحاور مع المناصير لوح رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان بأن الحكومة ستحقق وتمنع وتحاسب الموظفين الذين يعيقون الاستثمار، لكنها ستتابع أيضا حماية أصحاب القرار من ضغوط يقوم بها مستثمرون لتحصيل مصالح خارج إطار القوانين والأنظمة.
معادلة الحكومة هنا في أول رد فعل لها كانت هجومية على ما قاله أو ما تسرب عن المناصير، ولم ينفه حتى الآن رغم الضجة الواسعة التي أثارتها تصريحاته بعنوان التدخل ضد مشاريعه.
ما يبدو عليه الأمر أن الحكومة دخلت لاحقا وإزاء الصدمة وحجم الجدل الذي رصده الجميع في سياق الاستدراك.
الأنباء تحدثت عن عقد لقاء خاص الثلاثاء الماضي لأكثر من ساعتين بين المستثمر المناصير ورئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان. وهو لقاء فيما يبدو حقق فيه المستثمر أهدافه العملية وعنوانها إعادة الحكومة للالتزام ببروتوكولات موعودة أو موقعة سابقا خصوصا على صعيد بعض المشاريع العالقة لأسباب قانونية أو إجرائية أو تمويلية.
لا تزال الأزمة مع المناصير غامضة الملامح. ولا تزال المقاربة فيها قدر من الحكمة عندما يتعلق الأمر بحوار خلف الستائر والكواليس مع المستثمر الأكبر في البلاد خوفا أو قلقا من تداعيات واستحقاقات يعلمها الجميع في ظل أزمة اقتصادية واستثمارية حادة الملامح حيث عدد الموظفين في مشاريع المناصير يزيد عن 10 آلاف أردني. المستثمر المشار إليه «هز الغربال» والتداعيات قد لا تقف عند محطة مشاريعه والمشكلات التي يريد الضغط من أجل علاجها على المستوى الإداري والبيروقراطي.
منصات التواصل تحفل الآن بآراء نقدية بعنوان تشخيص حالات إعاقة الاستثمار.
بالنسبة للمستثمرين الصغار لدى كل منهم مشكلات يعرضونها الآن. ذلك يعني أن واحدة من أهم الاستحقاقات والتداعيات التي تدحرجت بها واقعة المناصير وتسجيلاته المسربة، أن المستثمرين لديهم جرأة أكبر الآن للتحدث علنا عن مشكلاتهم وما يواجهونه.
تلك جزئية قد تؤدي إلى تراكم بعض الملفات وإرباك الطاقم الاقتصادي ومراجعة ما يسمى بنوافذ تشجيع الاستثمارات والعودة إلى قراءة ما يحصل في المستوى الميداني البيروقراطي تحت عناوين تسهيلات سياسية ونظامية للمستثمرين لا تجد عند طبقة الموظفين التنفيذيين ما يساندها. وهو أمر قد يقود إلى حالة حوار متعدد الأطراف وقواعد اشتباك حتى داخل الحكومة.
لا يمكن على نحو أو آخر الاستنتاج بأن سؤال الاستثمار وإعاقته الذي فتحه المناصير لأسباب تخص مشاريعه على الأرجح قابل للطي أو الكتمان أو تحصيل إجابة مقنعة لجميع الأطراف على سؤال كانت الحكومة قد طرحته ضمنا «أيهما يبتز الآخر المستثمر أم الموظف؟».
يحصل ذلك فيما البرلمان لم يتدخل بعدما وجهت عدة أسئلة دستورية للحكومة حول واقعة المناصير وما اشتكى منه من تدخل مسؤولين لأغراض فيها إيحاء بالابتزاز، فيما بقيت تصريحات رئيس الوزراء بخصوص مستثمرين يضغطون على صناع القرار بلا توضيح أو تفصيل. وهو مشهد يعني أن المسألة لا تزال في حالة تراكم والاعتبارات حتى بعد احتواء ملف المناصير لا تزال تتصدر المشهد. عمليا حقق المناصير أهدافه بلقاء فعال أو قيل إنه فعال مع رئيس الوزراء في دار الحكومة.
لكن الحكومة لجأت للحكمة والصبر في المقابل واحتواء المسألة بدلا من الاسترسال في تدحرجها.
وهو واقع يشير إلى أن كل ما قيل عن نوافذ تشجيع الاستثمار والتسهيلات للمستثمرين واضح أنه يحتاج الآن لمراجعة ما قوامها إقرار الحكومة بوجود مشكلات، والإقرار العام بوجود حالة انطباعية أو إدارية مخاصمة لفكرة تسهيل إجراءات المستثمرين والغرق في تفاصيل بيروقراطية مثل التراخيص وحدودها والمراقبات وتفصيلاتها.
على نحو أو آخر فتح ملف المستثمرين وهذا قد يعني الكثير فيما يتعلق بالجوهر الأساسي لمسار التحديث الاقتصادي لكن لا أحد يعلم بعد إلى ماذا سيقود ذلك؟