وساطة ألمانية غير منتظرة

دقت ساعة الارتياح للكثير منا هنا في فرنسا، ساعة هلل لها الوسط الفكري الفرنسي تحديداً. وحق له أن يهلل، وحق لأقلام المدافعين عن الحريات الفردية والعامة أن تهلل، وحق لدوي حرية التعبير أن يجلجل في كل حدب وصوب.
كان الإفراج عن بوعلام صنصال أمرا منتظرا.. متوقعا.. طبيعياً. لكن أن تكون القضية سياسية بامتياز كان أمرا منتظرا ومتوقعا وطبيعيا أيضا. وكان بالإمكان التوقف هنا، عند رواية فصل آخر من فصول القصة الفرنسية – الجزائرية بمدها وجزرها غير المتناهيين. ولو كنا قد توقفنا هنا لما كانت لهذا المقال رسالة، غير رسالة إعادة رجع صدى مد وجزر لا ينتهيان.
إلا أن جديداً أطل في هذه القضية. جديد الوساطة الألمانية، التي يمكن قراءتها من زاويتين: زاوية متانة العلاقات التي كونها الرئيس تبون مع نظيره الألماني فرانك – والتر شتاينماير، بعد تلقي الرئيس الجزائري العلاج من داء كوفيد 19 في ألمانيا، وأيضا من زاوية وزن ألمانيا المتصاعد، ليس كمجرد قوة اقتصادية أوروبية وعالمية (الأمر مفروغ منه)، لكن أيضا كقوة دبلوماسية. وهنا يكمن الجديد، جديد وساطة أوروبية وازنة في تاريخ من العثرات والعقبات والتخبطات وغير ذلك… والوساطة الألمانية في هذا السياق وازنة “من عل”، إذا أجيز لي التعبير. ليس “كجلمود صخر” تماما، لكن بالكاد.. بالكاد لأن مكانة الرئيس الألماني في المنظومة السياسية الألمانية، كما هو معروف مكانة رمزية، إلا في بعض الحالات الاستثنائية، والاستثنائية جدا، مثل هذه. تدخل شتاينماير وقد ترقى العمل التفاوضي، “ترقى”، الكلمة في محلها. نتحدث هنا عن ترقٍ وانضباط ألمانيين معروفين، معتادين، مركوزين في طباع هذا الشعب وقادته، ترقٍ وانضباط غير مثيرين للدهشة يعملان عملهما على المدى الطويل. لكن المعتاد والقابل للدهشة الكبيرة في المقابل، كان ما كان من نتيجة العمل الدبلوماسي الذي باغتنا.
والسؤال الذي أطرحه من الآن فصاعدا هو التالي: إلى أي حد يمكن للوساطة الألمانية أن “تعمل عملها” في رأب الصدع بين فرنسا والجزائر بوجه عام؟ هل يمكنها أن تلعب دورا في لملمة ما تجب لملمته من أجل العودة إلى علاقات دبلوماسية نافعة – براغماتية بين البلدين خاصة في مجال التعاون الأمني؟ إذا كانت هناك زاوية جديرة بأن نسلط الضوء عليها أكثر من غيرها، فتبدو زاوية الدبلوماسية الأوروبية، أو بمزيد من الدقة، يبدو اجتياح دبلوماسية وطنية دبلوماسية إقليمية مسعفة، أمرا واقعا في حلحلة نقاط شائكة عالقة في سعي لإعادة تحقيق سلامة العمل الدبلوماسي المشترك المتوقع ولو في حده الأدنى. لعمري، إنها مقاربة دبلوماسية منقطعة النظير صراحة. وإذا ما كتب لهذا الواقع أن يخرج من عباءة الاستثناءات، ليصبح ممارسة دائمة مستمرة، فهذا يعني أن جوهر العمل الدبلوماسي قد تغير. هنا، لم يعد كافيا أن نتحدث عن “وساطة”، وجب الدفع بمصطلح أكثر جرأة، لا يجانب الحقائق في الوقت نفسه. هناك من تحدث عن “دبلوماسية ثقافية”، والمصطلح في محله. مصطلح يكاد يبدع في مجال توصيف نهج جديد يبدو مكتوبا له الاستمرار، لكن في الوقت ذاته يطرح أكثر من سؤال في كونه يعيد هيكلة العمل الدبلوماسي تماما. إذا طبقنا القاعدة على الدبلوماسية الفرنسية، تلك المعروفة باستقلالية خارجيتها (الكي دورسيه) ونمط عملها المعروف بسبقه في أخذ المبادرات واتخاذ المواقف، فهل يعني ذلك أن العمل الدبلوماسي الفرنسي مكتوب له أن يعتمد من الآن فصاعدا أساسا على صيغة تشاركية، كما ينذر به خيار أصبح مطروحا أكثر فأكثر أوروبيا، كخطة مشاركة النووي مثلا؟ أكثر من أي وقت مضى، والأيام بيننا…
باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية