انتخاب المندوب الدائم لقطر لدى اليونسكو رئيسا للمجلس التنفيذي للمنظمة

خالد الطوالبة
حجم الخط
0

الدوحة -“القدس العربي”:

صوّت المجلس التنفيذي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) بالإجماع على اختيار الدكتور ناصر بن حمد الحنزاب، المندوب الدائم لقطر لدى المنظمة، رئيساً للمجلس خلال دورته الـ223 في باريس.

بحسب محللين يمثّل الانتخاب تتويجاً لنهج دبلوماسي قطري صاعد، انتقل خلال السنوات الماضية من المشاركة الفاعلة إلى التأثير وصياغة التوجهات داخل المؤسسات الدولية.

ويقول المحلل والكاتب السياسي جورج حدّاد إن انتخاب الحنزاب ليس خطوة بروتوكولية، بل “إشارة واضحة إلى إدراك الدول الأعضاء لقدرة قطر على لعب دور مركّب داخل النظام المتعدد الأطراف، خصوصاً في مجالات الثقافة والتعليم التي تشكّل عماد عمل اليونسكو”.

ويضيف أن المجلس التنفيذي، باعتباره الجهة التي تحدد التوجهات العامة للمنظمة، “نادراً ما يجتمع على اختيار رئيس بهذه الدرجة من الإجماع، إلا عندما يتعلق الأمر بشخصية تحظى بقبول وتقدير داخل المنظمة”.

ويرى حدّاد أن التجربة القطرية في التعليم والثقافة لا تُعامل هذه القطاعات كمسارات تنموية فقط، بل كأدوات استراتيجية لبناء الجسور وتعزيز الحضور على خارطة النفوذ الثقافي العالمي. ويشير إلى أن الدوحة رسخت نموذجاً في “الدبلوماسية الناعمة” من خلال مبادراتها في التعليم والعمل الإنساني وحماية التراث، ما منحها مصداقية عالية داخل أروقة اليونسكو.

الحنزاب… خبرة مهنية

يُنظر داخل اليونسكو إلى الحنزاب كمسؤول يجمع بين الخبرة التقنية والقدرة على إدارة التوازنات السياسية داخل مجلس تتنوع فيه التوجهات والمصالح. واعتُبر انتخابه جاء نتيجة “تراكم ثقة” في الأداء القطري داخل المنظمة خلال السنوات الماضية، سواء في دعم التعليم خلال الأزمات أو حماية التراث غير المادي أو دعم برامج العلوم والمعرفة.

ويؤكد حدّاد أن انتخاب شخصية عربية من المنطقة الخليجية “يسلط الضوء على إمكانية لعب المنطقة دوراً أكبر في صياغة الخطاب الدولي حول التعليم والثقافة، بعيداً عن الصور النمطية القديمة”. ويضيف أن وجود الحنزاب على رأس المجلس “يوفر جسراً إضافياً بين الشرق الأوسط والمؤسسات الثقافية العالمية”.

دلالات الإجماع الدولي

أما الكاتب الثقافي أنس بن زياد، فيرى أن الإجماع على انتخاب الحنزاب لا يحمل بعداً إجرائياً فقط، بل يعكس “تحولاً في نظرة الدول الأعضاء لقطر باعتبارها شريكاً موثوقاً وقادراً على المبادرة”. ويعتبر أن الدوحة أثبتت خلال العقدين الماضيين امتلاكها “مشروعاً ثقافياً وإنسانياً متكاملاً”، من الاستثمار في التعليم والبحث العلمي إلى المبادرات الإنسانية لحماية حق التعليم في مناطق النزاع.

ويقول بن زياد إن المجتمع الدولي بات يتعامل مع قطر كدولة ذات رؤية طويلة المدى، “وهذا الفارق يفتح الباب أمام أدوار مؤسسية أكبر لها داخل المنظمات الدولية، ومنها اليونسكو”. ويرى أن الرئاسة القطرية للمجلس التنفيذي ستدفع نحو “مقاربات أكثر شمولاً” في قضايا التراث والتعليم، خصوصاً أن قطر لا تتعامل معها بمنطق المكاسب السياسية، بل بوصفها مسؤولية تجاه المجتمعات الأكثر هشاشة.

دبلوماسية الاستدامة الثقافية

في باريس، لا تُخفي الأوساط الدبلوماسية أن قطر نجحت خلال السنوات الماضية في تعزيز حضورها داخل اليونسكو، سواء عبر الدعم المالي لمشروعات المنظمة، أو مبادرات التعليم وقت الأزمات، أو برامج صون التراث.

ويشير حدّاد إلى أن “النهج القطري يتجاوز التمويل، ويعتمد على رؤية تسعى لأن تكون الدولة جزءاً من الحلول الدولية في التعليم والثقافة”. ويرى أن هذا النهج سيرفع سقف توقعات الدول الأعضاء بشأن ما يمكن أن تقدمه الدوحة خلال رئاستها للمجلس، لا سيما في ملفات حماية التعليم، وتطوير أدوات المنظمة في مواجهة تحديات الذكاء الاصطناعي، وحماية التراث المهدد.

كما يؤكد أن هذا المنصب سيتيح لقطر تعزيز دورها في حماية التراث العالمي، وهو مجال تمتلك فيه خبرة واسعة عبر مشروعات تعاون في آسيا وإفريقيا والمنطقة العربية.

مسؤوليات وآفاق جديدة

وفق مهام المجلس التنفيذي، سيكون على الرئيس الجديد قيادة مرحلة حساسة داخل المنظمة التي تواجه تحديات كبيرة، أبرزها محدودية التمويل وارتفاع الطلب العالمي على خدمات التعليم بعد الأزمات الممتدة.

ويرى بن زياد أن تولي الحنزاب للرئاسة “يمثل فرصة لطرح مقاربات جديدة للتعليم العالمي تستلهم التجربة القطرية، لا باعتبارها نموذجاً مثالياً، بل تجربة عملية جمعت بين الجودة والابتكار والمجتمع”.

ويضيف أن الرئاسة القطرية قد تسهم في “توسيع النقاش الدولي حول حماية التراث في ظل الحروب والكوارث المناخية، وهي قضية ملحّة على جدول أعمال اليونسكو”.

انتخاب الدكتور ناصر بن حمد الحنزاب رئيساً للمجلس التنفيذي لليونسكو يعكس إدراكاً دولياً متزايداً للدور الذي باتت تلعبه قطر في رسم مستقبل التعليم والثقافة والتراث عالمياً. وبينما يؤكد الخبراء، أن المنصب يحمل دلالات سياسية وثقافية واسعة، فإن المرحلة المقبلة تبدو فرصة لاختبار مستوى الحضور القطري في مسار الدبلوماسية الثقافية وصناعة التوجهات الدولية في مجالات التنمية المستدامة.

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية