أبطال الزمن المعاصر

حجم الخط
0

 هناك من يموت إثر رصاصة، وآخر بسبب مرض، ومن يموت في قصف، أو جراء لدغة، ومن يموت إثر سقوط من علو، كما هناك من يموت في غرق، أو جراء حادث سير، فقد تعددت الأسباب من أجل بلوغ الطريق السهلة والأكثر عبثية في مغادرة الحياة. يطل الموت برأسه من غير حجة، من غير أن نفكر فيه أو نكترث به، بل إن الموت يمد ساقيه على قارعة الطريق، يختار وجهته من دون مبالاة، ثم ينقض على ضحاياه. لا يمعن في التفكير في هدفه، لكنه يخلّف حزنا وراءه، وعادة ما يطول. فنحن نتذكر الموتى على حساب الأحياء، إنه حدث طارئ، وفي الغالب لا علامات قبل وصوله، لكن لا مناص منه. لا يمكن مقاومته أو مراوغته. بوسع الإنسان أن يُقاوم مجرى العيش، أن يغالب نهر المحن والشدائد التي تعترض سبيله، أن يتفوق على مشقة أو يتفادى مزالق، أن يُجابه الاحتمالات الأسوأ، وأن يخفي رأسه في حال صادف عوارض في مساره، لكنه يضعف في لحظة الموت. يصير مثل فراشة بعد قص جناحيها، لا يتاح له الطيران والإفلات من سلطان الموت. لكن أسوأ أنواع الموت هو أن يفقد إنسان الحق في العيش نظير الافتقاد إلى عضو، إثر الحاجة إلى كلية أو كبد أو أنسجة، أو في غياب عنصر حيوي آخر من البدن، وكان بالإمكان أن يواصل تمسكه بالحياة في حال توافر له متبرعون. فمن المحزن أن يفقد إنسان البصر كذلك في غياب من يتبرع له بقرنية، لأن فقدان البصر ليس قدرا، كما كان يظن البعض في الماضي، بل هو حالة طبية ومن المرجح تفاديها.
قد لا ينجو شخص من رصاصة، أو من سقوط، أو من غرق، أو من حادث سير، لكن في حالات أخرى بوسع الإنسان أن ينقذ إنسانا آخر. ما دام القلب ينبض فإن له الحق في إتمام حكايته مع الحياة. فكل إنسان في حالة انتظار، عندما يترقب من يتبرع له بعضو، فهو إنسان على قيد الحياة. يتشبث بنصيبه من مباهج الدنيا إلى حين. وينتظر أن يتقدم إليه شخص، يمد له يدا سوف تخرجه من برزخ الظلمات، وتزيد من نبضات قلبه، ويدرك أن نجاته ممكنة، وأن التبرع هو السبيل في استمرار العيش. ومن ينتظر تبرعا فهو يتوقع وصول شخص له في القلب رأفة، ويؤمن بأن الحياة قسمة، وليست حكرا على أحد دون الغير. فالتبرع بالأعضاء هو النجاة من عبثية الموت، الذي يجلس خلف الباب، في زمن صار فيه الإنسان أكثر هشاشة من بقية الكائنات الأخرى. عندما يصل متبرع يمكن أن نتفاوض مع الموت، من موقع قوة، أن ندفعه إلى الخلف، ونشرع نافذة تطل على جنائن الحلم. فالإنسان يستعين بإنسان آخر، وأولئك الذين يتبرعون بأعضائهم إنما هم أبطال الزمن المعاصر.
عندما نعلم أن إنسانا بمقدوره إنقاذ آخر بفضل التبرع بالأعضاء، فقد نتوقع أن العملية سوف تتحول إلى ثقافة، بل إلى ظاهرة. وأن نرى الناس يصطفون في طوابير ويتحولون إلى متبرعين، إن العائلات كذلك سوف تتبرع بأعضاء الموتى، لأن الميت لا يحتاج إلى عضو في الانتقال إلى العالم الآخر، وإن كانت عائلة متدينة فهي تعلم أن الميت يُقابل ربه بأعماله لا بأعضائه. لكن في البلاد العربية تظل ثقافة التبرع بالأعضاء على الهامش، بالكاد تُذكر، بل إن الحديث عنها يشبه الحديث عن أمر غير محبب، ومن يخوض فيها كأنما يخوض في جرم، أو في موضوع لا تستحب الآذان الإصغاء إليه. كأن من يتبرع بأعضاء، أو أن عائلة توصي بالتبرع بأعضاء شخص ميت إنما تقترف إثما، أو تقوم بفعل يخالف العقل والمنطق. مع أن الدين لا يتعارض مع هذه الثقافة، بل يجيزها، فقد ورد في القرآن: «ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا». لكن الخرافة سيطرت على العقول، وصارت في حد ذاتها منطقا، وانقلبت الآية، وصار المباح غير مرغوب فيه. لم يعد العقل يحتمل التفكير في مصلحة الآخرين ونجاتهم، بل يفكر بما ترسب في قاعه من بقايا خرافات وتأويلات وأساطير. لقد صار العقل محبوسا في غرفة تسود فيها الأفكار الخاطئة، محتجزا في غرفة لا تهويها نوافذ تطل على المنطق وعلى الحق في الحياة. بينما القانون يجيز التبرع بالأعضاء، ونعثر في أكثر من بلاد عربية على مراسيم وبنود ونصوص تشريعية تبيح هذا الأمر، ولا تتعارض معه. بل تحض عليه نظرا إلى أهمية إنقاذ الآخرين. لكن من يقرأ القوانين؟ ومن يؤمن بها؟ بعدما سادت الأهواء والحكايات الأسطورية وطغت على العقل. لأن من الناس من يحبذ الإصغاء إلى قانون ضعيف بدل الإطلاع على قانون متين.
يجيز لنفسه الإصغاء إلى كلام عام، بل التدقيق في الأمور والتثبت من مصداقيتها أو عدم مصداقيتها. ويغض هؤلاء الناس البصر على أن التبرع بالأعضاء، مع العلم أنها تخضع إلى بروتوكولات طبية، وأن المصلحة العلمية تضمن حماية المُتبرع والمُتبرع له. وأن هذه الأعضاء أو الأنسجة التي تتنزع من بدن من مات، فإنها لا تمس بحرمة الميت، في المقابل فإنها تضمن شفاء المتبرع لهم. فالعملية حريصة على سلامة الطرفين، وعلى إنقاذ المتلقين. ويتجاهل البعض أن الأعضاء المُتبرع بها لا تذهب من أجل أبحاث علمية أو مخبرية، فهي ليست سلعة، إن الغرض منها أن يتشبث بشر آخرون بحقهم في العيش.
إن الإحجام عن التبرع بالأعضاء، ساهم في نشوء ظاهرة أخرى وازدهارها: ثقافة سرقة الأعضاء. وهي ثقافة لم تفتأ أن كسبت مساحات واسعة لها، وصرنا نسمع أخبارها في السنين الأخيرة. ففي زمن يشهد فيه الإنسان العربي موتا مجانيا، في الشرق كما في الغرب، في زمن يخرج فيه العربي من بيته ولا يعلم هل يعود إليه في المساء، في زمن يستفيق العربي في الصباح ولا يعلم مآله في نهاية اليوم، في زمن صار فيه الموت سلعة رخيصة، في متناول الجميع، يدنو منهم من غير أن يسعوا إليه، في هذا الزمن من المقدر كذلك أن نتفادى عبثية الموت، ونستحضر أن بوسعنا إنقاذ حيوات إن بادرنا بخطوة إلى الأمام، بخطوة في محو بقايا الخرافة والإيمان بسلطان الطب، وأن الحياة ليست رخيصة، بل بوسعها أن تزيد قيمتها مما يضاعف من قيمة الإنسان العربي. وبما أن كل شخص يرنو إلى الخلود، على الرغم من قصر الحياة، فإن الخلود بات متاحا لأولئك الذين يتبرعون بأعضائهم عقب الوفاة.

كاتب جزائري

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية