القاهرة ـ «القدس العربي» : في ظل الاحتفاء بالكاتب الفلسطيني باسم خندقجي بعد تحريره من سجون الاحتلال وإقامته في القاهرة، أقامت مكتبة (تنمية) في المعادي ندوة بهذه المناسبة، أدارها الكاتب الفلسطيني محمود بركة، وناقش خندقجي الكاتبة والناقدة، وأستاذة الأدب الإنكليزي في كلية آداب القاهرة شيرين أبو النجا، وسط حشد كبير من الحضور، من القرّاء والمهتمين بالشأن الثقافي المصري والفلسطيني والعربي، وفي ما يلي جانب مما جاء في الندوة..
يقين الكتابة
بدأ الكاتب الفلسطيني محمود بركة قائلاً.. يأتي الحديث اليوم على مستويين، أولهما حدث الكتابة، التي يجسدها خندقجي في إعادة النظر لمعنى الكتابة الفاعلة، الساعية نحو البحث والتثقيف ضمن مشروعه الجمالي للرواية، بوصفها الكتابة المضادة للتاريخ الذي يتبرأ ويهرب منها الجلاد. وأما على مستوى الندوة اليوم بحضور خندقجي نفسه، ففي سنوات مضت سمعنا صوته من خلال كتاباته الإبداعية، من داخل أسر الاحتلال، واللحظة التي نحن فيها الآن تجسد انتصارا ليقينه، أن مَن يكتب خارج القيد الفكري قبل الجسدي.. ينتصر.
كتب خندقجي من السجن وليس عن السجن، وذلك فضاء ضمن مشروعه الأكبر والساعي إليه وهو (أدب الاشتباك) الذي ينطلق مفهومه من تساؤل تكمن مركزيته في كيفية كتابة أدب استعماري داخل السياق الاستعماري، وهذا يفتح باب البحث عن السؤال الصحيح، وهو حسب الشهيد الأسير وليد دقة.. بأن نفهم العلاقة الجدلية بين قيم الحرية وأهداف التحرر.
ولد خندقجي في نابلس 1983، وتنوعت إنتاجاته الإبداعية بين الشعر والرواية، وأيضاً الكتابة الفكرية والسياسية والتاريخية. تم اعتقاله في 2 أكتوبر/تشرين الأول 2004، قضى في الأسر 21 عاما، حُكم عليه بالمؤبد ثلاث مرّات، وتحرر في 13 أكتوبر 2025. استكمل دراساته وصولاً إلى الماجستير وهو في الأسر، وكذلك بدأ الكتابة، بداية من ديوانه الأول (طقوس المرّة الأولى) 2009، وصولاً إلى رواية (قناع بلون السماء) التي حازت جائزة البوكر للرواية العربية 2024، و(سادن المحرقة) 2024، و(شياطين مريم المجدلية) التي ستصدر العام المقبل، وهي الجزء الأخير في ثلاثيته.

يقين الانتصار
من جانبه قال خندقجي كلمة افتتاحية، منها.. أعيش الآن لحظة انتصار حقيقية بوجودي هنا، فأنا أعيش لأول مرّة، فآخر لقاء كان يجمعني مع الناس كان قبل 22 سنة. هذه اللحظة التي كنت أتمناها، فدائماً ما كنت الحاضر الغائب في ندواتي، فآخر ندوة لي كانت تشهدها القاهرة، بينما أنا في زنازين الاحتلال، كنت حاضراً فقط بكتاباتي.
الصمود الحي
أما الكاتبة والأكاديمية شيرين أبو النجا، فجاءت كلمتها عن تجربة باسم خندقجي وروايته (قناع بلون السماء)، فقالت.. دائماً ما نتكلم عن الصمود، ونقرأ عن الصمود، لكن أن يكون معنا نموذج حي بمعنى الصمود، فهذا له معنى آخر. هذا النموذج من الصمود برع في البقاء على قيد الحياة بأساليب متعددة، من ضمنها الكتابة، وهو بهذا يعطينا معنى كنا نسيناه عن دور الأدب، ليس من خلال مذكرات أو حكايات عن السجون ـ وهي تُحق أن تُروى ـ ولكن من خلال فضاء مختلف. فالرواية ليست عن السجن، بل تحويل فكرة السجن بحيزه المحدود الخانق القاتل، إلى فضاء مفتوح من الأسئلة.. مَن نحن؟ كيف نفهم أنفسنا؟ كيف نتعامل مع الآخر؟
وأضافت أبو النجا.. في السياق الفلسطيني تقدم رواية (قناع بلون السماء) نموذجا استثنائيا لما يمكن أن يُسمى الفكر الفلسفي النقدي من داخل السجن، بمعنى تحول الكتابة من فعل مقاوم إلى لحظة تأملية في ماهية الحرية نفسها. بهذا المعنى تندرج الرواية ضمن تراث أدب السجون الفلسطيني، ولكنه لا يكتفي بما حدث، بل يُنتج معرفة استثنائية نابعة من التجربة الحسيّة للقهر، لكن في الوقت نفسه يتجاوز خندقجي السرد التقليدي، فلا يكتب عن السجن كحيز مادي، بل كحالة وجودية كاملة يعيشها الإنسان في العصر الحديث، سواء أكان سجنا استعماريا أو قناعا اجتماعيا، أو هوية مفروضة علينا. كذلك تتقاطع الرواية مع أسئلة ما بعد الاستعمار، رغم أنها مكتوبة من خلاله، بالتساؤل عن مدى علاقة المعرفة بالقوة، صورة الذات والآخر والعلاقة بينهما، وهي بذلك تعد كتابة ضد استعمارية في سياق استعماري، وفي هذا الإطار تُعيد الرواية مفهوم الكتابة الفلسطينية، بعيداً عن كونها مجرد شهادة، أو توثيق لما وقع. وهي بذلك تصبح أحد أشكال الاحتجاج البلاغي الصريح والحاد ضد المحو والنسيان.
السجن كفضاء للمعرفة
وحاورت أبو النجا خندقجي من خلال عدة محاور.. كإمكانية تحول السجن إلى فضاء لإنتاح المعرفة، بما أنها أحد مظاهر القوة والمقاومة؟
يرى خندقجي، أنه بمجرد أن يقرر السجين أن يتحول إلى كاتب يصبح السجن منصة للإطلال على العالم. قررت الكتابة من داخل السجن وليس عن السجن، خاصة أن أدب السجون تم تمثيله في مستويات عديدة. وعندما يقرر السجين الكتابة، تصبح بدورها فعلاً وجودياً ووسيلة للتحرر والمقاومة، والأهم من ذلك، فعلا لاستعادة الإنسانية، فمنذ اللحظة الأولى والعلاقة بين السجان والسجين علاقة لا أخلاقية، يطمح من خلالها السجان إلى محو إنسانية الأسير، وأنا اكتشفت هناك أن الفعل الحقيقي الذي يمكنني ممارسته لاستعادة إنسانيتي هو الكتابة، فتصبح بذلك درعاً يحميني من هجمات السجان. وعندما أقول السجان فأنا أقصد بنيامين نتنياهو وكل المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية، ولكنني بالكتابة انتصرت بالفعل على السجان، حقيقة لا مجازا، فهو لم يستطع مصادرة أي كلمة من كلماتي، فقد نجحت في أن تخرج كلماتي كاملة من السجن، ومن هنا تصبح العلاقة بين الكاتب وكلماته أكثر من كونها مجرد علاقة مثالية.
القناع كخطاب فلسفي
وتتساءل أبو النجا عن أن القناع في الرواية ليس مجرد أداة تمويه، فإلى أي مدى يمكن اعتبار هذا القناع/الهوية المنتقاة خطاباً فلسفياً يعيد تعريف العلاقة بين الأنا والآخر، أو يصبح أحد أدوات إنتاج معرفة الآخر؟
ليجيب خندقجي قائلاً، بهذه المعاني يمكن تعريف القناع الذي تم استخدامه داخل النص كتقنية سردية، وكذلك أداة معرفية، وأنا تأثرت كثيراً بقراءة فرانز فانون في (معذبو الأرض) و(بشرة سوداء أقنعة بيضاء). وتعاملت مع القناع إلى جانب اكتساب اللغة العبرية، على أنها غنيمة حرب، أو اكتساب المعرفة من فم الذئب، كما قال كاتب ياسين. فاستخدام القناع هنا من جانب (نور الشهدي) لم يأت مُصادفة، حتى إن عثر على القناع مُصادفة، إلا أنه يكتسب قيمة أخرى، فارتداء نور للقناع لم يكن فيه شيء من الراحة، ولكن فيه إشكالية كبيرة، فالذي يحمي الفلسطيني هنا هي هذه العلاقة الإشكالية، فنور لم يكن متصالحاً مع القناع، في البداية ربما كان كذلك، لكن عندما قام صديقه مراد من داخل السجن بإرشاده وتوجيهه بأن يكون حذرا في هذا الجانب بدأت تتعقد الأمور. كذلك يعبّر القناع عن حالة التباس في الحالة الفلسطينية، ونحن اليوم نعاني تشويهاً في هذا الجانب. وللأسف في الأدب الفلسطيني والعربي عموماً صورة الصهيوني غالباً ما تكون صورة نمطية ومشوهة، يجري التركيز فيها على ما يُريح العربي والفلسطيني. من جهة أخرى نجد نور الشهدي يخلع هذا القناع في نهاية الجزء الأول من الرواية بمساعدة (سماء إسماعيل) التي تعد التعبير الحقيقي عن الهوية الفلسطينية، وهي التي تحاول أن تقدم لنور بعض الطرق وليس الإجابات. فأنا في نصوصي لا أقدم إجابات، ولا أبحث عن مُخلّص. فقط أدل القارئ على الإشكالية وكيفية التساؤل.
استعمار التفاصيل الصغيرة
ويبدو السؤال المنطقي بعد ذلك ـ تقول أبو النجا ـ أليس من الممكن أن يُصر نور بطل الرواية على الإبقاء على هذا القناع؟
فيرى خندقجي أن المعادلة الاستعمارية قائمة على قاهر ومقهور، والسؤال هنا هو كيف يمكن للفلسطيني تحطيمها، من خلال المقاومة، التي من ضمنها وأهمها (المقاومة الثقافية) ومنها يمكن أن نستعيد إنسانيتنا، هذه الاستعادة لا يمكن أن تبقى مع القناع، وكنت أخشى بالفعل أن يتعاطف نور مع هذا القناع. وللأسف في بعض المناحي الفلسطينية وقع منا مَن وقع في أسر المنظومة المعرفية الصهيونية، وفي تقليدها، وفي اعتماد ما يُسمى (الحياد الأكاديمي) كمثقف وكباحث فلسطيني. فالحياد هذا أنت تتعامل فيه مع مصطلحات معرفية صهيونية. ولهذا أقول إن هذا الاستعمار قائم على التفاصيل الصغيرة، لذا فإن صراعنا مع هذا الاستعمار في جزء منه صراع لغوي، تلك اللغة العبرية المُحملة دائماً بالدمار والغضب، والتي من خلالها يقدم نور إشكالية عدم اعتمادها، بل على العكس يمكننا نحن أن نشكل خطابنا المعرفي الفلسطيني من خلال الثقافة النقدية والاشتباك.
المواجهة عن طريق مريم المجدلية
يرى باسم خندقجي أن الحركة الصهيونية هي حركة استعمارية، وهناك سياسة تستخدمها منذ القرن التاسع عشر، كما حدثت في الاستعمار الأوروبي، متمثلة في سياسات التاريخ، بمعنى إعادة كتابته وفق أهدافها. وبالتالي استخدام مريم المجدلية داخل النص له عدة استخدامات، بداية من إرشاد القارئ إلى زاوية أخرى يمكنه من خلالها رؤية الحدث واستكشافه، إضافة إلى كونها تمثيلاً لفلسطين، الغائبة التي سُلبت في القرن التاسع عشر من قِبل الاستعمار الأوروبي، إضافة إلى المستوى المعرفي، فكيف نذهب إلى مركز المعرفة الأوروبية ونستعيد تاريخنا، ونقول لهم إن لدينا تاريخا، فمريم المجدلية تمت سرقتها إلى فرنسا، وتم تمثيلها في عدة روايات غربية وأفلام سينمائية، بطريقة لا تمت بصلة لنا، وتم التعامل معها وكأنها ليست فلسطينية وليست كنعانية.
أدب الاشتباك
واختتم الكاتب الفلسطيني محمود بركة بمحاولة توضي ح مصطلح (أدب الاشتباك) الذي حاول خندقجي صياغة مفهومه من خلال عدة مقالات. فتساءل بركة .. كيف يمكن أن يكون أدب الاشتباك منهجاً نقدياً؟
فيقول خندقجي .. في البداية يجب التعريف بأن أدب الاشتباك يختلف عن أدب المقاومة، الذي صاغه الشهيد الراحل (غسان كنفاني)، وإن كان يستند في بعض مناحيه إليه، ومعرفة الشخصية الصهيونية داخل الأدب الفلسطيني والعربي عموماً. أما أدب الاشتباك فيكمن في كيفية كتابة أدب استعماري داخل السياق الاستعماري، نستطيع من خلاله تحطيم المعادلة الهيجيلية المتمثلة في ثنائية السيد والعبد. أيضاً كشف القناع الحقيقي والأبعاد الحقيقية للمعرفة الصهيونية، وهذا ما يتطلب منا الاشتباك مع هذه المعرفة، واختراق البُعد المعرفي لها من خلال أدوات نقدية. أيضاً أدب الاشتباك في معنى من معانيه هو أدب كوني، لا يعتمد على صيغ القومية المتطرفة، أو خطاب يغذي العنصرية، بل يسلط الضوء على المجتمع الصهيوني من الداخل. ففي الأدب العربي عموماً، ربما نجد تمثيلات قليلة للشخصية الصهيونية في أبعادها العادية وليس في أبعادها العسكرية والأمنية. وكان الراحل غسان كنفاني هو أول مَن بدأ هذا المشروع عندما كتب (عائد إلى حيفا) وتطرق إلى شخصية صهيونية محاولاً تسليط الضوء على أبعادها الإنسانية، ليس ببعدها التطبيعي، وليس المقصود هنا التطبيع، نحن نؤنسن الآخر، لكي نقوى على هزمه أخلاقياً. فالمقصود بالأنسنة هنا كشف أنه ليس عصياً على الهزيمة، وللأسف قمنا نحن بتضخيم صورة هذا الآخر من خلال الخطاب الإعلامي والأدبي العربي التاريخي، وتعاملنا معه كأنه غول ووحش ومصاص دماء، هو بالفعل كذلك، ولكن يمكن هزمه. فالأدب الاشتباكي يأتي في هذا الجانب لكي يقوم بتسليط الضوء على هذا الخطاب المعرفي الصهيوني في صورة نقدية. فالفلسطيني اليوم وهو يواجه عدوان الآخر الصهيوني في غزة يواجه بسرديته، فالآخر يعلم جيداً مدى خطورة السردية ومدى خطورة الثقافة. فالفارق بيني وبينه، أنني لا أستطيع أن أعيد تكرار خطاياه، أنا لم أستخدم الأساليب ذاتها التي استخدمها ضدي، لأنني أريد استعادة إنسانيتي، ولا أريد السقوط في براثن الانتقام والحقد، كما مارسها ضدي هو. لذا.. نحن مُطالبون اليوم بإعادة بلورة لهذه السردية بما يكفل أن نطل منها على العالم ونقول.. «نحن شعب فلسطيني لا يستحق الحياة فقط، وإنما يسعى لاستعادة إنسانيته.