د. سامي ريشا: شعوب منطقتنا تعاني الاكتئاب والقلق لانعدام الأمان… واجب الدولة علاج المرضى النفسيين جميعهم

زهرة مرعي
حجم الخط
0

كتابه «تاريخ الطب النفسي في لبنان» رواد وعباقرة بدأوا سنة 1900 من العصفورية ثمّ دير الصليب

بيروت ـ «القدس العربي»: مع صدور كتابه الثامن وعنوانه «تاريخ الطب النفسي في لبنان – من العصفورية إلى الفنار: قرن من الطب النفسي»، عن دار «كومبليسيتيه» في فرنسا، بات الحوار ملحاً مع الطبيب الدكتور سامي ريشا، للتعرّف إلى الروّاد، والوقوف على حال ناس يعيشون في الظل.

يفتخر الدكتور ريشا المختص بالطب النفسي، بتاريخ هذا الطب في لبنان، والذي بدأ سنة 1900. وبات بعد سنة 1940 وعبر مستشفيي العصفورية ودير الصليب، مقصداً للمرضى العرب، وللأطباء بهدف التخصص. فخر يقابله قهر راهن ناتج من العجز عن مداواة المحتاجين للاستشفاء. فمئات الأسرّة في دير الصليب ودار العجزة الإسلامية مشغولة. وهما مؤسستان تستقبلان المرضى على نفقة وزارة الصحة. وتخصص بعض المستشفيات الخاصة أسرة للطب النفسي، إنما كلفتها عالية جداً. وتمتنع شركات التأمين عن تغطية المرضى النفسانيين.
مع البروفسور سامي ريشا هذا الحوار.
○ كأنك في مؤلفك الجديد «تاريخ الطب النفسي في لبنان…» توجه تحية لأسلافك من الأطباء النفسانيين. كم مهّد هذا السجل الطبي الطريق للأطباء الحاليين؟
• عندما بدأت التخطيط للكتاب شكّل سؤالك البنية الأساسية لانطلاقي بالبحث. كنت على ثقة بأن عباقرة سبقونا ومهدوا الطريق لنا. وإن كنا كأطباء نفسانيين نحقق حضوراً ونجاحاً في عملنا الآن، فالفضل يعود للأوائل. دلّت أبحاثي بأن الدكتور انترانيك مانوكيان كان الطبيب اللبناني الأول في مستشفى العصفورية، وذلك في الأربعينيات من القرن الماضي، واستمر في عمله سنوات عديدة. صنع صيتاً طبياً ناجحاً، وقصده المرضى من كافة أنحاء العالم. كذلك الحال في دير الصليب لدى افتتاحه سنة 1952على يد الأب يعقوب وحالياً هو طوباي، الذي تعرّف إلى الدكتور هنري أيوب وأولاه أمر المستشفى. عمل دكتور أيوب لخمسين عاما في دير الصليب وكان مبرّزاً. الأوائل المؤسسون ليسوا أطباء وحسب، بل كثر بينهم عمالقة في الطب النفسي ومن أصول أرمنية. وفي كتابي تناولت أثرهم بفصل خاص. سيرة الطب النفسي في لبنان أسسها عباقرة افتتحوا في العام 1900 مستشفى العصفورية على يد تيوفيل فالدماير، ولم يكن في لبنان أطباء نفسيون فكانت الاستعانة بأطباء من بريطانيا. واستمروا بالعمل لأربعين سنة متواصلة قبل حلول الدكتور انترانيك مانوكيان زميلاً لهم. ودلّت أبحاثي إلى وجود حوالي 20 طبيباً لبنانياً من المشهود لهم، تابعوا عملهم في كل من العصفورية ودير الصليب، وهؤلاء يستحقون التقدير، وليس التجاهل من قبل الدولة.
○ كم هو حقاً مذهل هذا التطور؟ وهل هو محصور بالكادر البشري أم بالتجهيزات كذلك؟
• لبنانياً كنّا سبّاقين على صعيد الأجهزة. فلدى البدء بتداول أول دواء للعلاج النفسي «لارجاكتيل» على صعيد العالم سنة 1952 في فرنسا، وهو اكتشاف للطبيبين جان دليه وبيير دو نيغير، حمله الراحل الدكتور إدوارد عازوري معه في حقيبته الخاصة، وباشر باستعماله في دير الصليب. وكان ذلك سنة 1953، في حين أن زيارة الطبيبين الفرنسيين للولايات المتحدة بهدف تقديم الاكتشاف الجديد جوبهت بعدم التصديق. واستعلمت الولايات المتحدة الدواء سنة 1955. وعلمت من الدكتور انطوان شختورة الذي عمل في مستشفى العصفورية، أنه بعد اقفاله في الحازمية، وبدء تجهيز المستشفى الذي تمّ انشاؤه في عرمون، كانت التجهيزات من بين الأحدث ومنها الأسرة الخاصة بالمرضى النفسيين. وبدأت الحرب الأهلية وسُرقت التجهيزات من المرفأ. ومن الضروري التنويه بأن الأطباء النفسيين في لبنان، كانوا يشرفون على تعليم وتدريب كافة الأطباء العرب الذين كانوا يقصدون لبنان لهذا الهدف. وهم من فلسطين، ومصر، والأردن وسوريا. هؤلاء الأطباء كانوا يتعلمون الطب النفسي في العصفورية، وهذا يعود لسنة 1900. نعم كانت العصفورية المستشفى الأهم في منطقتنا العربية. للأسف اقفلت سنة 1977، واقفل مستشفى الفنار في النبطية فيما كان مؤسسها الدكتور عبد الرحمن اللبّان من الرواد. وما يزال مستشفى دار العجزة الإسلامية ودير الصليب قيد العمل.
○ لنتذكّر البروفسور هنري أيوب الذي تولى العمل في دير الصليب؟
• البروفسور أيوب أتى إلى لبنان من فرنسا حيث تخصص. لقي الكثير من الحب والاحترام من الأب يعقوب، فأوصى راهبات الدير بأنه سيبقى مديراً للمستشفى مدى الحياة. وتوفي سنة 2000 في المستشفى. ذكرته في كتابي لأنه من الروّاد، وهو أول من حاضر في الطب النفسي في لبنان على المستوى الأكاديمي.
○ في ظل الحروب المتواصلة على لبنان ومعها الوضع الاقتصادي السيء وانعكاساته الاجتماعية كم نحتاج لتطوير البنى التحتية للمؤسسات الصحية النفسية؟
• نحتاج وبإلحاح لأسرة مخصصة للطب النفسي في المستشفيات. ففي اوتيل ديو 12 سريراً فقط، وأسرة أخرى في مستشفيات مختلفة. إضافة إلى مستشفى حديث وكبير جداً متخصص بالطب النفسي في دوحة عرمون هو «الشفاء» لكنه خاص. تكاليف الاستشفاء في غير المؤسسات الحكومية تفوق قدرات المواطنين، وشركات التأمين لا تغطي علاج الأمراض النفسية، فقط المؤسسات الرسمية الضامنة في لبنان تغطي كلفة الاستشفاء النفسي، شرط موافقة المستشفى على دخول المريض، وبغير ذلك على المريض أن يجد الحل على حساب وزارة الصحة في دير الصليب أو دار العجزة. حق للمرضى النفسيين جميعهم بالعلاج على حساب الدولة، ومن واجبها تغطية النفقات في المستشفيات الخاصة. وللمفارقة من يمتلك بوليصة تأمين صادرة من خارج لبنان يتلقى العلاج النفسي بدون أية عراقيل.
○ إذاً الوضع المثالي لوصول من يحتاج للعلاج النفسي هو تغطية التكاليف؟
• بل ونحتاج لمختصين. ففي لبنان حالياً 50 طبيباً فقط، بعد أن غادرنا 50 خلال الأزمة. و100 طبيب ليس وضعاً نموذجياً، إنما كان أفضل.
○ ما هو أثر انعدام الأمان النفسي والفقر المدقع على الناس؟
• مزيداً من حالات القلق والاكتئاب والصدمات. حالات تطال كافة الفئات العمرية حتى المراهقين. الحالات التي تعيشها العائلة تنعكس على الأطفال، والعكس صحيح. مؤخراً كانت لي محاضرة في مدرسة، سألت التلامذة عن رغباتهم بالتخصص المستقبلي؟ كان الجواب لدى أكثرهم: لا نعرف أين سنبقى؟ فهم يرون أغلب العائلة في سفر. نحن في أزمة حيال الأمان المستقبلي والاستقرار النفسي.
○ هل من سمات نفسية يشترك بها المواطنون في لبنان وسوريا وفلسطين والأردن؟
• هي نفسها. فجميعنا نعاني وضعاً سياسياً واقتصادياً غير مثالي. شعوب تلتقي حول القلق المستقبلي، جميعنا يجهل مصيره، وهذا لا يشمل كارثة غزّة حيث لها خصوصيتها.
○ وهل من إرث جيني يجمع هذه الشعوب؟
• لا يوجد مرض نفسي خاص بالشعوب العربية، فنحن نفتقر للدراسات في هذا الجانب. لكن شعوب أوروبا الشمالية تلتقي حول جين مشترك يشمل السويد، الدانمارك، النروج، إيسلاندا وفنلندا. شعوب آتية من الفايكنز، ولديها إرث جيني، وتشترك في حالاتها النفسية. لكن الواضح أن الاكتئاب مرض منتشر عالمياً. فالأوروبيون يعانون الاكتئاب لأسباب سياسية واقتصادية. فالفرنسي مثلاً يخشى حرباً مقبلة مع روسيا. بكل تأكيد الأسى والقلق والألم عالمي.
○ قلق العالم من الرأسمالية التي تستولد الحروب أو من الفيروسات الفتّاكة أم من المناخ؟
• التغيير المناخي ينعكس تغييراً على سيكولوجية الإنسان. مؤخراً شاركت في مؤتمر من تنظيم الجمعية العالمية للطب النفسي في براغ، وخلاله وجدت مشاكلنا النفسية مشتركة مع سائر أنحاء العالم. هناك إجماع على انعدام الضمير في العالم، بات وكأنه وحوش مفترسة، والعديد من الحروب المؤلمة لا تلقى الاهتمام الإعلامي المطلوب.
○ أليس منطقياً خضوع الحكّام لاختبار نفسي قبل توليهم مناصبهم؟
• من المفيد التذكير بأن الشعب الألماني انتخب هتلر ديمقراطياً. والشعب الأمريكي انتخب ترامب وبفارق شاسع عن منافسته ديمقراطياً. أحياناً ترغب الشعوب بمن يسيطر عليها. الدراسات النفس اجتماعية التي جرت في ستينيات القرن الماضي دلّت بأن المسيطرين ذهبوا إلى النهايات.
○ برأيك كم ستؤدي الإبادة في غزّة إلى تبدل في أخلاقيات البشر سيما على الصعيد الأكاديمي الجامعي؟
• الرافضون لما حدث كُثر، وكل على مستواه. ومختلف الجامعات حول العالم رفضت دفن العدالة في غزّة. نعم هناك رفض وإدانة، لكنه أقل بكثير من المطلوب. والسؤال أين المرجعيات الدينية الكبيرة من إسلامية ومسيحية. وهل بهذه البساطة يُقتل بحدود 70 ألف إنسان؟ ردة الفعل متواضعة، والجميع يطلب رضا الدول الكبرى وحكّامها.
○ من وحي الحروب في الدول العربية والعالم الاغتصاب سلاح فتّاك وأحدثه في السودان قبل أيام. لماذا اعتماده؟
• إنها محاولات السيطرة وإلغاء الآخر. ومحاولة لكسر رأس العدو عبر اغتصاب نسائه. في الآثار النفسية للاغتصاب خلال الحروب أو غيرها، خاصة إن كانت الضحية في عمر المراهقة خطر انفصام الشخصية والأمراض الذهانية. في حين أن الاكتئاب والقلق والصدمة حاصلة بالتأكيد. ففي اثيوبيا وخلال الحروب بين القبائل تقول الإحصاءات أن امرأة من كل أربع تعرضت للاغتصاب. وبعد التعدي الجنسي تصاب خلايا الدماغ بالإلتهاب.
○ لنحكي عن الدكتور ريشا الإنسان لماذا اختيار الطب النفسي مهنة؟
• أحببت الطب والعلوم الإنسانية. وجدت الطب النفسي يجمع بين الطب العام والبيولوجيا مع العلوم الإنسانية كما علم النفس والاجتماع.
○ ترأس لجنة الأخلاقيات الطبية في مستشفى اوتيل ديو. ما هي الأخلاقيات الطبية؟
• تتمثل بكل ما له صلة بالأبحاث الطبية. بمعنى احترام كافة حقوق المريض الذي يقرر الخضوع للأبحاث. وللأخلاق الطبية دورها في عملية زرع الكلى، والتأكد من أنها وهبت وليست بيعاً. والقرار بوقف العلاج عن مرضى ساءت حالهم الصحية كما مرض السرطان. نساعد الأطباء والأهل للتوجه نحو هذا الاختيار. كذلك الإجهاض حيث نتدخل لتحقيقه عندما يُشكل خطراً على صحة الأم، فالطبيب النسائي يحتاج لموافقة طبية من لجنة الأخلاقيات.
○ يزدهر عمل المعالجين النفسيين في لبنان. لماذا برأيك؟
• هذا ناتج عن واقع الحياة التي نعيشها. ولا شك بأن بينهم من هم جيدون، وآخرون قد لا يكونون بمستوى المهنة. وجود نقابة للمعالجين النفسانيين نظّمت المهنة بشكل عام.
○ العلاج والطب النفسي يقتصران على الميسورين والآخرون مصيرهم الشوارع؟
• لسوء الحظ. لك الحق بسؤال يقهرني جداً، ولهذا السبب أوجدت جمعية فرنكوفونية للمرضى النفسانيين، ما يتيح لنا علاج مرضى مجاناً وقدر المستطاع. حال الجمعية كان أفضل قبل الأزمة الاقتصادية. ساعدنا بحدود 300 شخص للعلاج داخل المستشفى، في خلال ست سنوات. لكننا كجمعية نتابع مهمة التوعية ونقدم استشارات طبية مجّانية.
○ دكتور ريشا غزير التأليف في مجاله هل هي كتب للطلاب والباحثين أم للمعرفة؟
• وضعت كتبي بأسلوب يتيحها للجميع. أحدها وضعته بتأثر من طفلتيّ وكانتا بعمر 13 و14 عاما، ويتضمن ما يمكن طرحه كأسئلة عن الطب النفسي. مشكلة مؤلفاتي أنها بالفرنسية، ولم تترجم بعد، أتمنى لو يهتم دار نشر بالأمر. وبعضها يعني الباحثين.
○ لك روايتان إحداهما بطلتها عراقية إيزيدية لماذا رحت إلى مأساة هذه الفئة من ضحايا داعش؟
• عملت في منظمة اليسوعيين لدعم النازحين في العالم. في لبنان عملت مع النازحين السوريين، وفي أربيل مع النازحين المسيحيين ومن ثم الإيزيدين. حلّ المجتمع الدولي سريعا قضية المسيحيين وعددهم بحدود 400 ألف وسفّرهم إلى استراليا وكندا. الناجون من داعش نزحوا إلى كردستان العراق. وهناك كان برنامج عمل لعشر سنوات توقف مع وصول ترامب إلى السلطة. طالت المساعدة الطبية 20 ألف شخص مجّاناً. تأثرت جداً بمأساة الإيزيديات فكانت هذه الرواية. والرواية الثانية عن المولودين بمتلازمة داون. أعالج بعض المصابين بهذه الحال وتأثرت بهم، ومحور الرواية كيف يفكر أب في طفله صاحب متلازمة داون.
○ لماذا تكتب؟
• تساعدني في التعبير عن مأساتي الداخلية، وأحبها. يومياً أعاين 15 مريضاً يعانون الألم، ومساعدتي لهم محدودة. الكتابة والقراءة تساعداني على الإنفصال مما أعيشه خلال يومي المهني، وأيضاً الصلاة.
○ هل ستكتب بالعربية يوماً ما؟
• صعبة. شكلت الفرنسية طريقة تفكير اكتسبته في مدرستي.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية