دمشق ـ «القدس العربي»: وصف المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توماس براك، أسبوع الزيارة التي قام بها رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع إلى واشنطن، بأنه بمثابة «نقطة تحول حاسمة في التاريخ الحديث للشرق الأوسط»، معتبراً انضمام دمشق إلى «التحالف الدولي» ضد تنظيم «الدولة الإسلامية»، انتقالا لسوريا من مصدّر للإرهاب إلى شريك في مكافحة الإرهاب، مطالبا الكونغرس الأمريكي بالإلغاء الكامل لـ«قانون قيصر».
ترحيب أمريكي
وفي مؤشر لافت تجاه التوافق الأمريكي حول مفصلية زيارة الشرع إلى البيت الأبيض ولقائه مع الرئيس دونالد ترامب، عمدت السفارة الأمريكية في سوريا وخلال اليومين الماضيين عبر موقعها الرسمي الى إفراد مساحة واسعة للترويج لنتائج زيارة الشرع، من خلال نشر مقطع فيديو شارك فيه عدد من الدبلوماسيين الأمريكيين الأربعاء، وتحدثوا فيه بالعربية عن أهمية الزيارة وانضمام سوريا إلى التحالف ضد تنظيم «الدولة» وانتهى بمطالبة الكونغرس بضرورة رفع العقوبات الأمريكية عن سوريا.
وأمس أعادت السفارة الأمريكية نشر تصريح طويل لبراك كان قد نشره على صفحته الخاصة على «إكس» حول الزيارة التي وصفها بـ«التاريخية»، معتبراً أن «هذا الأسبوع بات يمثل نقطة تحول حاسمة في التاريخ الحديث للشرق الأوسط وفي التحول الملحوظ لسوريا من العزلة إلى الشراكة».
وتابع: «كان لي الشرف الكبير بمرافقة الرئيس الشرع إلى البيت الأبيض، حيث أصبح أول رئيس دولة سوري يزور البيت الأبيض منذ حصول سوريا على استقلالها في عام 1946»، مذكّراً بأن «الرئيس ترامب كان قد أشار في 13 أيار/ مايو إلى أنه سيرفع جميع العقوبات الأمريكية لمنح سوريا فرصة».
وأضاف: «في اجتماع وديّ وموضوعي عُقد هذا الأسبوع، أكد ترامب والشرع قناعتهما المشتركة بأن الوقت قد حان لاستبدال القطيعة بالتواصل، ولمنح سوريا وشعبها فرصة حقيقية للتجديد».
وتحدث عن «التزام الرئيس الشرع أمام الرئيس ترامب بالانضمام إلى التحالف الدولي ضد «داعش»، والذي يمثل إطاراً تاريخياً لانتقال سوريا من مصدر للإرهاب إلى شريك في مكافحة الإرهاب، والتزاماً بإعادة البناء والتعاون والمساهمة في استقرار المنطقة بأكملها».
وقال: «ستقوم دمشق الآن بمساعدتنا بشكل فعال في مواجهة وتفكيك بقايا «داعش» و«الحرس الثوري الإيراني» و«حماس» و«حزب الله» وغيرها من الشبكات الإرهابية، وستظل شريكاً ملتزماً في الجهود العالمية لضمان السلام».
ووفق براك فإنه «خلال جلسة ثلاثية محورية مع وزير الخارجية روبيو، ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان، والوزير الشيباني، رسمنا المرحلة التالية من إطار العمل الأمريكي التركي السوري لدمج قوات سوريا الديمقراطية في الهيكل الاقتصادي والدفاعي والمدني السوري الجديد، وإعادة تعريف العلاقات التركية السورية الإسرائيلية، وتعزيز التوافق الذي يدعم وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس، فضلاً عن مختلف قضايا الحدود اللبنانية».
طالب الكونغرس بإلغاء «قانون قيصر»… ومحلّل تحدّث عن «تحالف استراتيجي» مع أمريكا
واعتبر أن «دور تركيا الدؤوب يستحق تقديراً خاصاً، فهو شهادة على الدبلوماسية الهادئة والثابتة التي تبني الجسور حيث كانت الجدران قائمة، لقد كان التحالف الموسع بين قطر والسعودية وتركيا، الداعم لعودة الدولة السورية الوطنية للمنطقة بأسرها، بجميع مكوناتها القبلية والدينية والثقافية، بمثابة إكسير سحري».
وأكد براك أن «الخطوة التالية هي في إعطاء سوريا فرصة حقيقية عبر الإلغاء الكامل لقانون قيصر»، وناشد الكونغرس لاتخاذ هذه الخطوة «التاريخية».
السياسي والأكاديمي وائل ميرزا أكد أن «سوريا دخلت، وللمرة الأولى منذ الاستقلال، في تحالف استراتيجي معلن مع الولايات المتحدة، مدعوم من البيت الأبيض، ووزارتي الخارجية والدفاع، ومن كلا جناحي المؤسسة السياسية الأمريكية، وبالتالي نحن أمام لحظة لا تشبه أي محطة سبقتها، لا في الحرب الباردة، ولا بعد 2003، ولا حتى بعد انطلاق الثورة السورية عام 2011».
مجرّد ضجيج
واعتبر في تصريح لـ «القدس العربي» أن «اعتراض عضو في الكونغرس، مثل بريان ماست أو غيره، على رفع العقوبات لم يعد ذا وزنٍ سياسي حقيقي، لأنه حين تنتقل العلاقة إلى مستوى القرار المؤسسي وتخرج من نطاق الأسماء إلى نطاق المؤسسة الأمريكية، تصبح الاعتراضات الفردية مجرّد ضجيج هامشي لا يغيّر من الاتجاه العام شيئاً».
ورأى ميرزا أن التفاهم الذي صيغ في المكتب البيضاوي هو «اتفاقٌ يُعاد رسم الشرق الأوسط على أساسه، وهذا النوع من القرارات في واشنطن، لا يعود إلى نائب أو عضو لجنة في الكونغرس، وإنما إلى الدولة العميقة نفسها من مجلس الأمن القومي، مروراً بالبنتاغون، والخارجية، والبيت الأبيض، وصولاً إلى مراكز القوى التي تصنع الاستراتيجيات طويلة الأمد».
وأكد أن هذا التحوّل «لا يُعفي سوريا من المسؤولية، وإنما يزيدها. اللحظة التي وصفها براك بـ«نقطة التحول في تاريخ الشرق الأوسط» تضع سوريا وقيادتها وجهاً لوجه وعملياً، أمام التحديات الاستراتيجية، الداخلية والخارجية».
وبين أن «السوريين سيشهدون تسريعاً في عملية بناء نموذج دولة حديثة، يبدأ باستيعاب القوى المحلية، ومنها قوات سوريا الديمقراطية، والانخراط الفعّال في مكافحة الإرهاب، وترسيخ المصالح المشتركة مع الحلفاء الإقليميين، مع الانتقال لإعطاء الأولوية في اتجاه الداخل السوري، وبحيث يظهر التحسن المطرد في الاقتصاد والخدمات والبنية التحتية، وتدور عجلة الحياة اليومية للمواطن السوري بسرعة لم تشهدها منذ عقود».
وتابع: «سيترافق مع تلك القضايا، تقديم خطوات متقدمة تعمل على ترسيخ أسس المصالحة الوطنية، وتفكيك بؤر الاحتقان الاجتماعي، وإعادة دمج الفئات المختلفة في مشروع الدولة الجديدة»، معتبراً أن المرحلة الجديدة «ليست مجرد انفراج دبلوماسي، وإنما هي بداية إعادة بناء سوريا بيد أبنائها، وبدعم من شراكات دولية راسخة».
المتحدث باسم المجلس الوطني الكردي، فيصل يوسف، اعتبر أن «زيارة الشرع وما تبعها من بيانات تحمل دلالات سياسية بالغة الأهمية، تعبّر عن توجه أمريكي ودولي واضح نحو دعم مشروط لتفعيل المسار السياسي في مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق، والدخول في مرحلة جديدة تُدار فيها البلاد من قبل إدارة انتقالية برئاسة الشرع، وبما يعيد الاعتبار للدولة السورية استناداً إلى القرار الدولي رقم 2799، وبما ينسجم مع جوهر القرار 2254».
وقال لـ«القدس العربي» إن «الحديث الأمريكي عن إعادة هيكلة مؤسسات الدولة ودمج قوات سوريا الديمقراطية، يعبّر عن رؤية مشروطة لدعم إدارة المرحلة الانتقالية في سوريا، وأيضاً ضمان عملية الدمج بموجب اتفاقية العاشر من آذار/ مارس الموقعة بين الشرع وقائد «قسد» مظلوم عبدي»، مشدداً على أنه «لا يمكن إغفال أن هذه الزيارة جاءت بعد أيام من صدور القرار الأممي تحت البند السابع رقم 2799، الذي أكد على احترام حقوق المكونات القومية والإثنية والدينية في سوريا الجديدة، ما يشكّل تحولاً مهما في الموقف الدولي تجاه مستقبل البلاد».
وقال إن أي «عملية سياسية جادة ينبغي أن تفضي إلى بناء نظام ديمقراطي لا مركزي يضمن الحقوق القومية للشعب الكردي، ويكرّس الشراكة الوطنية الحقيقية بين جميع المكونات السورية دون تمييز أو إقصاء».
ديمقراطية لا مركزية
واعتبر يوسف أن تصريحات عبدي حول تسريع عملية الدمج تمثل «خطوة في الاتجاه الصحيح، والمجلس الوطني الكردي يدعم أي مسعى نحو الحلول السياسية الشاملة في إطار بناء الدولة السورية الجديدة، دولة ديمقراطية لا مركزية تضمن حقوق الكرد وسائر المكونات الوطنية على أسس العدالة والمواطنة المتساوية».
وأوضح يوسف أن «المجلس الوطني الكردي يؤمن بأن الحل السياسي هو السبيل الوحيد لإنهاء ما خلّفه النظام السابق من أزمات، وضمان استقرار البلاد، شريطة أن يتم ذلك بدعم وضمانات أممية واضحة، ومن خلال عملية سياسية لا تعيد إنتاج الاستبداد، بل تؤسس لشراكة وطنية حقيقية تُصان فيها حقوق الجميع».
وذكر أن «قسد كانت شريكاً أساسياً للتحالف الدولي في مواجهة تنظيم «داعش»، وباتت اليوم سوريا جزءاً من هذا التحالف في إطار الحرب على الإرهاب، ما يستوجب استثمار هذا الواقع في الوصول إلى حل سياسي عبر الحوار والتفاوض، بعيداً عن دوامة الصراعات التي أنهكت البلاد».
فرصة حقيقية
وأكد المتحدث باسم المجلس الوطني الكردي، الذي لا تشارك أحزابه في الإدارة الذاتية لمناطق شمال وشرق سوريا، أن «الرعاية الأمريكية، تشكّل فرصة حقيقية لتفعيل المسار السياسي، إلا أن المجلس الوطني الكردي يذكّر بأن القضية الكردية في سوريا ليست طارئة، بل تمتد جذورها إلى مرحلة تأسيس الدولة السورية نفسها، وأي تسوية سياسية لا تتضمن اعترافاً دستورياً بحقوق الشعب الكردي ضمن دولة ديمقراطية لا مركزية، ستبقى ناقصة وعاجزة عن تحقيق الاستقرار الدائم».