بداية ونهاية الثورات العربية

رأى لورنس العرب في كتابه المعروف «أعمدة الحكمة السبعة» أن فيصل بن الشريف حسين «أفضل من يمثل الحلم العربي»، بعكس أخيه علي الذي كان «بطيء الحركة وكثير القلق». ولكن بالنتيجة ساوت المقادير بين الطرفين، فقد فشل مشروع فيصل في دمشق، ولجأ إلى خصومهم الإنكليز في العراق. وهناك قدم التنازلات المطلوبة، ليحكم دولة تحت الانتداب. ومثله خسر علي الحجاز، وانضم إلى أخيه الضعيف، ليموت بعد فترة وجيزة، وكذلك بالنسبة للورنس، فقد تعثر مشروعه «العربي»، وعاد إلى بلاده، ومات وهو على طريق دورست بحادث سير سخيف. وكان حينها يحمل أربع هويات. ثلاث منها بأسماء مستعارة وهي: جون روس، الاسم الذي وقّع به روايته «الثكنة» The Mint . وجون همر، اسمه في سلاح الجو الملكي، وتوماس شو، اسمه في سلاح الدبابات. وكانت حياته بالأساس مضطربة، مثل كل الشخصيات الغامضة في المكتب الاستعماري. وحياة لورنس وحدها مجموعة من الصدف والمغامرات. فقد ولد لمربية تعاشر مخدومها دون زواج (وأعتقد أن جرح الطبقة والهوية مسؤول في معظم الحالات عن إنتاج كاريزما استثنائية تتجه للتهور، (حالة أبي الفوارس عنترة)، أو إلى التطرف واللامبالاة، (حالة الغلام القتيل طرفة). وبهذه الطريقة أسدل الستار على أول حكومة طمحت لاستقلال وتوحيد الحجاز وبلاد الشام.
ولكن سبق للورنس أن تنبأ بهذه النتيجة في كتابه نفسه «أعمدة الحكمة»، وذكر بالحرف الواحد: أن الغرب غير معني بتنفيذ وعده بتحرير العرب، وأضاف أن المشروع العربي مجرد وهم يستثمره الغرب ضد المحور، ولذلك أرجح أن موت الثلاثة كان موتا سياسيا، لإغلاق باب انتهت صلاحيته، وفتح باب على مشروع بديل، فقد مات فيصل ثم علي وأخيرا لورنس وهم تحت الخمسين: (48 و49 و46 عاما بالترتيب). وهي سلسلة أرقام متقاربة وغير منطقية وتدعو للشك، إذا أخذنا بعين الاعتبار مستوى حياتهم. وترتب على ذلك ثلاث نتائج:

1- تفريغ الحجاز من الهاشميين ونزوحهم إلى الشمال ليأخذوا مكان أسلافهم من الآراميين والأنباط وليس الأمويين. وكل أسماء ورموز بني أمية في الفترة الراهنة تحمل رسالة هيلينية مشوهة، ذات خلفيات سورية، لا يمتلك عنها الشارع أي فكرة، بالأخص بسبب وأد الثقافة المتوسطية، واستبدالها بذهن هجين تقيده شعارات مكروهة فقدت رصيدها. وهو موضوع عدد كبير من الكتابات غير الرسمية التي تستشري في دول اللجوء والمهجر. ومن بينها على سبيل الذكر: كتابات خيري الذهبي وخليل النعيمي في فرنسا، وحليم بركات في أمريكا. فكتاباتهم تصور خزي المجتمع المحلي، والتناحر غير المفهوم بين مشاعر الاغتراب، بديلا رمزيا عن غسيل الذاكرة. والانتماء، بديلا رمزيا آخر عن استبدال الهوية باسم التحديث والتعايش.
2- ربط الحلم العربي بالسياسة الغربية والاقتصاد التابع (في الدول الفقيرة) أو الريعي (في الدول الثرية).
3 – وأخيرا توريط الجيل الثاني من الانقلابين بدولة الثكنة، التي تدعو لوحدة بالقسر والإكراه (موضوع رواية «فئران أمي حصة» لسعود السنعوسي). ثم تبنّي أيديولوجيا زئبقية، بدعوى الحياد الإيجابي. ومن المؤكد أن ثوراتنا كانت مخترقة بدءا من لورنس منظر ومهندس ثورة 1916، وحتى غلوب باشا ونورمان لاش، وكلاهما قاد العرب في حرب عام 1948، وناب عنهم في مفاوضات الهدنة وترسيم الحدود.
ومع أن رضوان السيد، الأستاذ في جامعة بن زايد، يرفض فكرة التكرار في التاريخ، تلعب أمريكا حاليا برئاسة ترامب، دورا حاسما في إعادة رسم الكيانات السياسية، وعلى أربع جهات: بين إسرائيل ودول الجوار. وبين العرب والإيرانيين، وهذه الحدود ليست على الأرض، ولكن في الذهن، ولذلك يبدو أن لها مخاطر تربوية لن يتضح تأثيرها سريعا، ثم بين مجلس التعاون وبلاد الشام والرافدين. وهي حدود في بنية الدولة وأساليب إدارة المجتمع والاقتصاد، الأمر الذي يجعل مبدأ التكامل العربي شكليا. وفي أحسن الأحوال هزيلا مثل دول بريكس التي تعاني من التفاوت في إمكانياتها العسكرية والاقتصادية. ويمكن هنا التذكير بديناميكية الذهاب والإياب. فنزوح نخبة بني عبد شمس من موطنهم إلى بلاد الشام كان بشكل تذكرة ذات اتجاهين، خروج وعودة. ولذلك لعبت دورا إيجابيا في تمهيد الأرض لعصر الفتوحات الذهبية. في حين أن نزوح الهاشميين كان باتجاه واحد، وله سيناريو مزدوج أو من شقين، وكلاهما بنهاية تراجيدية (ذات مضمون رومانسي مثل «موت البطل» كما في مقتل يوسف العظمة وزير حربية فيصل الأول، أو بمضمون دموي ومفجع يندى له الجبين مثل قتل وسحل الوصي على العرش في بغداد، ثم تعليقه على الأسلاك في الشارع. وبتعبير سرمك حسن: كان المشهد قياميا لا يبشر بثورة نظيفة بقدر ما يعبر عن هياج سادي مرعب).
والحدود الأخيرة كانت بين بقايا المحور السوفييتي القديم، وأدت بالنتيجة لثاني خسارة يمنى بها الروس ضمن مجالهم الحيوي في أعقاب ما يسمى «الحرب الباردة». مع أنها في الحقيقة، حرب مستعرة، وقف فيها الروس وراء شراذم الفيتناميين والعرب.
يبقى سؤال لا بد منه: ماذا بقي من مشروع طموح وتاريخي مثل ثورة أمير الحجاز؟ لقد مات، واندثرت غرفته الإعلامية، وكانت تمثلها جريدة «القبلة» التي تناوب على تحريرها كتاب مغمورون منهم عوني البلبيسي وحسين الصبان وأحمد العربي. مع شاعر معروف هو محب الدين الخطيب. ولم يحفظ اسمه من الضياع غير جريدة «الفتح»، وهي مطبوعة مصرية خلف بتحريرها رائد المدرسة الرومانسية أحمد رمزي أبو شادي. كانت «القبلة» منبرا لكل سوري لاجئ في مصر، ولكن خسارة راعيها انسحبت أيضا على كتابها، فسقطوا في غيبوبة طويلة الأمد من الإنكار والتجاهل، ولم تصمد غير كتابات لورنس، فقد أصبحت السجل الوحيد عن صعود وهبوط أول ثورة عربية في العصر الحديث. ومع أن روايته «أعمدة الحكمة السبعة» مكتوبة بلسان إنكليزي، تبدو واقعية وأقرب للقلب من رواية حسين هيكل الرائدة «زينب»، وبكل المعايير ينضوي أسلوب هيكل تحت ما يسمى «تمصير» عيون الأدب الفرنسي، الذي يمر بمرحلة احتضار. فقد وقع اختياره على رواسب وبقايا المذهب الطبيعي بنسخته الرومانسية. وحين كانت شخصياته تذرف العبرات الباردة كان كوكتو وبروست ومالارميه يهدمون ثقافة الصالونات، ويكتشفون الجوانب المعتمة والسادية من مجتمعهم. بتعبير آخر يدين «حلمنا العربي» بثقافته واستراتيجيته لخطط وأجندة الغرب المتأخر late west . وقد أثبتت تطورات الأحداث هذه النتيجة منذ اتفاقية إدوارد غراي وبول كامبون (المعروفة باسم سايكس بيكو)، وحتى ضرب إيران وخراب غزة.

كاتب سوري

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية