النووي بين الدرع والردع والأذرع

بين صدفة الطاقة اللغوية وواقع الطاقة النووية.. كان بالإمكان أيضا تصور هذا العنوان لمقالي، لكن الاعتماد المباشر على جذور لغة الضاد بما تفتحه من مجال للغوص في بحار المعاني، كما وصفها الشاعر حافظ إبراهيم في زمانه مثلا، ربما كان الأنسب للتطرق إلى نووي الصواريخ والقنابل والغواصات القاذفة، وبحارها الهوجاء. وإذا كنا مقبلين على التطرق لهذا العالم الآن، فلأن ترامب كان البادئ، وبالطبع يلوح في الأفق الكلام عن «البادئ أظلم»، لكن الأمر يبدو أكثر تعقيداً.. جميع تلامذة وطلاب جيلي وجدوا في كتبهم المدرسية عبارات «السباق النووي» و» سباق التسلح» في المتناول.
وكثيرون هم من اعتقدوا أن هذه الصفحة قد طويت، بما كرس لمحددات الردع وتفاصيلها مساحة أبقتها في ثنايا سياسة الوقاية، التي هي خير من العلاج. في الواقع، ليست هذه السياسة هي التي تغيرت، الذي تغير، هو الظروف المحيطة. ظروف صنعتها خلفية النزاعات الدائرة على كرتنا الأرضية، هذا صحيح، لكنها أيضا ظروف صنعها ما لنمو البلدان الاقتصادي وصعود قوى ناعمة جديدة من أثر على الخطاب النووي الجديد، أو بدقة أكبر المجدد. لنقف أولاً عند حديثي ترامب ووزيره للطاقة. «روسيا والصين تقومان بتجارب نووية، ولكنهما لا تفصحان، وكذلك كوريا الشمالية وباكستان، وبالتالي نحن أيضاً سنفعل.»

جميع تلامذة وطلاب جيلي وجدوا في كتبهم المدرسية عبارات «السباق النووي» و«سباق التسلح» في المتناول

يُذكر أن الولايات المتحدة الأمريكية توقفت عن إجراء تجارب نووية منذ سنة 1992. ويندرج كلام ترامب بالتالي في سياق غامض، يراد له أن يكون كذلك. وكالعادة عندما نتحدث عن مقدار المصداقية، التي يجب إسنادها لكلام ترامب، يعقب توزيع الكلام توزيع الأدوار، وفقا للقول المأثور الإنكليزي «Bad cop good cop» ، أي الشرطي اللطيف والشرطي القاسي. دور «الشرطي اللطيف» كلف به هنا كريس رايت وزير الطاقة الأمريكي، الذي يتحدث عن «انفجارات غير حرجة»، قد تقوم بها أمريكا، ولا تعدو كونها «تجارب أنظمة» يقول كريس. غير أن «الشرطي اللطيف» ليس موكولا إليه إزالة القلق. وما أبعد أن يكون الأمر كذلك، ولكن إلى جانب واقع الحرب، يعود توتر تقليدي إلى الواجهة، لا سباق جديد، لكن في المقابل منطق توتر.. لا صراع جديد، لكن في المقابل أجواء محتقنة، الأمر ليس جديدا، فهو لا يني يطفو على السطح بدرجات متفاوتة من الحضور. والحضور قوي هذه المرة. فهو يعيد إضاءة نقاط خريطة البلدان حاملة القنبلة علنا، أو ضمنا، أو مشروعا متقدما (إسرائيل، باكستان، كوريا الشمالية، كوريا الجنوبية وألمانيا).
هنا، عادت لغة الردع لتتحدث، منهية فترة طويلة من بقائها في صمت نسبي، امتد من نهاية الحرب العالمية الثانية حتى منطلق الألفين. في سياق الحرب الباردة، كان قد أعطى المؤرخون تسميات محددة للعلاقات بين قطبين: «التعايش السلمي» أولا، ثم «الانفراج»، الآن، وقد دخلنا عصرا متعدد الأقطاب تطبعه تكنولوجيات متطورة رقمية، ولدت أجهزة عسكرية في غاية الدقة، يكتسب الحديث النووي بعدا آخر، يتجاوز لغة الردع التقليدية بانتقالنا ليس فقط إلى عالم متعدد الأقطاب، وإنما إلى عالم ترك وراءه «التعايش السلمي» و»الانفراج» فاستبدل السلم والاستقرار بتعدد أذرع فرض أجواء من اللايقين بتوازن رعب جديد.

باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية