الأمم المتحدة- “القدس العربي”: عقد مجلس الأمن الدولي، اليوم الخميس، جلسة طارئة لبحث الوضع المأساوي في مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور، التي سقطت بيد ميليشيات “قوات الدعم السريع”، في وقت اكتفى فيه المجلس بإدانة المجازر والانتهاكات دون اتخاذ خطوات عملية على الأرض.
وأصدر المجلس بياناً صحافياً باسم أعضائه أعرب فيه عن القلق البالغ إزاء تصاعد العنف في الفاشر ومحيطها، مديناً هجوم قوات الدعم السريع على المدينة وتأثيره الكارثي على السكان المدنيين. واستذكر الأعضاء القرار 2736 (2024) الذي طالب برفع الحصار عن المدينة، ودعوا إلى وقف فوري لإطلاق النار وتهدئة الأوضاع في شمال دارفور حيث يخشى من تفشي المجاعة وانعدام الأمن الغذائي.
كما أدان البيان الفظائع المرتكبة ضد المدنيين، بما في ذلك الإعدامات الميدانية والاعتقالات التعسفية، محذراً من خطر تصاعد الفظائع ذات الدوافع العرقية. وطالب الأعضاء بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، واحترام القانون الدولي الإنساني، وتوفير الحماية للعاملين في المجال الإنساني وضمان وصول المساعدات دون عوائق.
وأكد مجلس الأمن مجدداً أن الأولوية هي لاستئناف المفاوضات بين الأطراف السودانية للتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار وعملية سياسية شاملة، داعياً جميع الدول إلى عدم التدخل في النزاع أو تأجيج الصراع، وإلى دعم جهود السلام وتنفيذ قرارات المجلس ذات الصلة، بما فيها القرار 2791 (2025). كما شدد على التزامه بسيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه، ورفضه إنشاء سلطة موازية في المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع.
مساعدة الأمين العام: مجلس الأمن فشل في منع الحرب
قالت مساعدة الأمين العام للشؤون السياسية وحفظ السلام، مارثا بوبي، في إحاطتها خلال الجلسة، إن السودان يشهد “مرحلة حرجة للغاية” مع تزايد المخاطر على المدنيين واتساع رقعة القتال دون أي مؤشرات للحل.
وأوضحت أن مدينة الفاشر سقطت بيد قوات الدعم السريع بعد أكثر من 500 يوم من الحصار، ولم يتبقّ فيها سوى جيوب محدودة من المقاومة، معتبرةً أن هذا التطور يمثل تحولاً خطيراً في المشهد الأمني ستكون له تداعيات واسعة على السودان والمنطقة.
وأضافت أن القتال امتد إلى إقليم كردفان، مشيرة إلى سقوط مدينة بارا بيد قوات الدعم السريع، فيما تتواصل الضربات بالطائرات المسيّرة في مناطق النيل الأزرق وسنار والخرطوم وغرب دارفور، ما يعكس اتساع نطاق الحرب.
ولفتت بوبي إلى أن مكتب حقوق الإنسان وثّق انتهاكات جسيمة في الفاشر، شملت عمليات قتل جماعي وإعدامات ميدانية أثناء محاولات المدنيين الفرار من المدينة، مؤكدة أن الاتصالات المقطوعة تجعل من الصعب تحديد حجم الكارثة. كما تحدثت عن انتهاكات ذات طابع عرقي في بارا، بينها إعدام خمسة متطوعين من جمعية الهلال الأحمر.
وشددت على أن المساءلة هي السبيل الوحيد لوقف دوامة العنف، مشيرة إلى أن تجديد ولاية بعثة تقصي الحقائق وحكم المحكمة الجنائية في قضية علي قشيب يعكسان التزام المجتمع الدولي بالعدالة.
كما حذّرت من التدخلات الخارجية وتدفق السلاح والمقاتلين، معتبرة أن ذلك يعمّق الأزمة. وأكدت أن المبعوث الأممي رمطان لعمامرة يعمل على تهيئة محادثات بين الطرفين برعاية الأمم المتحدة، مشيرة إلى تعاون متزايد بين الاتحاد الأفريقي، الإيغاد، وجامعة الدول العربية لعقد حوار سوداني – سوداني شامل.
واختتمت إحاطتها بالتأكيد على أن “الوضع بلغ نقطة الانهيار”، داعية مجلس الأمن إلى التحرك الفوري واستخدام كل أدواته لوقف الحرب.
منسق الشؤون الإنسانية: مجازر وإعدامات في المستشفيات
من جهته، قال منسق الشؤون الإنسانية، توم فليتشر، إن مدينة الفاشر تشهد “مستويات غير مسبوقة من المعاناة”، مشيراً إلى إعدامات جماعية وتعذيب واغتصاب بحق المدنيين بعد دخول قوات الدعم السريع المدينة.
وأوضح أن نحو 500 شخص من المرضى ومرافقيهم قُتلوا في مستشفى السعودي للولادة في هجوم اعتبره جزءاً من سلسلة استهدافات للمرافق الصحية. كما تحدث عن نزوح عشرات الآلاف نحو منطقة طويلة سيراً على الأقدام، معظمهم من النساء والأطفال وكبار السن.
وأشار إلى أن الأمم المتحدة طالبت منذ يوليو بهدنة إنسانية لتأمين مرور المساعدات، لكن قوات الدعم السريع رفضت ذلك. وأعلن عن تخصيص 20 مليون دولار من الصندوق المركزي للطوارئ لدعم المساعدات في دارفور وكردفان.
وبيّن أن العنف امتد إلى شمال كردفان، حيث سجلت ضربات بطائرات مسيّرة على الأسواق، مؤكداً مقتل خمسة متطوعين من الهلال الأحمر أثناء توزيع المساعدات.
وقال فليتشر إن العنف الجنسي ضد النساء والفتيات أصبح واسع النطاق، وإن نحو 90% من الأطفال في السودان خارج التعليم، فيما يعاني 24 مليون شخص من نقص حاد في الغذاء، و”المجاعة مؤكدة في عدة مناطق”.
وأضاف أن أكثر من 4 ملايين لاجئ فروا إلى دول الجوار، داعياً المجلس إلى اتخاذ ثلاث خطوات عاجلة: أولا، وقف الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها، ووقف إمداد الأطراف بالسلاح، وثانيا، تأمين وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، وثالثا، زيادة التمويل الإنساني، إذ لم تُموّل خطة الاستجابة سوى بنسبة 26%.
واختتم فليتشر بالقول إن صور الأقمار الصناعية تُظهر دماراً واسعاً في الفاشر، داعياً مجلس الأمن إلى “تحمل مسؤولياته وفق ميثاق الأمم المتحدة”.
السفير الجزائري: فشل المجلس سبب المجازر في الفاشر
وفي كلمته باسم مجموعة (3+1)، التي تضم الجزائر وسيراليون والصومال وغيانا، قال السفير الجزائري عمار بن جامع إن ما كان يُخشى وقوعه أصبح واقعا، موضحاً أن قوات الدعم السريع سيطرت على مدينة الفاشر بعد حصار دام أكثر من ثمانية عشر شهراً، تميز بالمجاعة والمعاناة وفقدان الأمل. واعتبر أن هذا التطور يشكل تحدياً مباشراً لقرار مجلس الأمن رقم 2736 (2024)، الذي دعا إلى رفع الحصار عن المدينة، محذّراً من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك السودان.
وأشار المندوب الجزائري إلى تقارير خطيرة وردت في الأيام الأخيرة عن ارتكاب انتهاكات جسيمة ضد المدنيين، من بينها مقتل مئات المرضى ومرافقيهم في مستشفى للأمومة تموله المملكة العربية السعودية، مؤكداً أن ما يحدث في الفاشر يستدعي تحركاً عاجلاً من مجلس الأمن والمجتمع الدولي لوقف هذه الممارسات ومحاسبة مرتكبيها.
ثم عرض السفير الجزائري أربع نقاط أساسية تمثل رؤية المجموعة للتعامل مع الأزمة السودانية:
أولاً، المساءلة وحماية المدنيين: شدد المندوب الجزائري على إدانة الانتهاكات والجرائم التي ارتكبتها قوات الدعم السريع، بما في ذلك الهجمات ذات الطابع العرقي. وأوضح أن ما يجري في الفاشر ليس حدثاً مفاجئاً، بل نتيجة لتقاعس المجتمع الدولي عن اتخاذ إجراءات حازمة خلال الأشهر الماضية. ودعت المجموعة مجلس الأمن إلى تحمل مسؤولياته في حماية المدنيين، وتفعيل الآليات الدولية لضمان المساءلة ومنع الإفلات من العقاب.
ثانيا، التدخلات الخارجية ودورها في تأجيج الصراع: أكد بن جامع أن تفاقم الصراع ما كان ليبلغ هذا المستوى لولا الدعم الخارجي الذي تتلقاه بعض الأطراف، مشيراً إلى أن إمدادات الأسلحة والمرتزقة إلى قوات الدعم السريع تساهم في استمرار القتال وتعميق الأزمة الإنسانية. وطالب بالنيابة عن المجموعة بإدانة واضحة لجميع أشكال التدخل الأجنبي في النزاع السوداني، مرحبا ببيان مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي الصادر قبل يوم واحد، والذي دعا إلى تحديد الجهات الخارجية التي تقدم دعماً عسكرياً أو مالياً للأطراف المتحاربة، معتبرا أن تحديد هذه الجهات خطوة أساسية نحو المساءلة والشفافية الدولية.
ثالثا، الحل السياسي ومسار التفاوض: شدد المندوب الجزائري على أن السلام في السودان لا يمكن تحقيقه عبر القوة العسكرية، وإنما من خلال الحوار والمفاوضات الشاملة برعاية الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، عبر المبعوث الشخصي للأمين العام، رمطان لعمامرة. ودعا إلى وقف فوري للأعمال القتالية في الفاشر ومحيطها تمهيداً لاستئناف العملية السياسية، مؤكداً رفض إنشاء سلطة موازية في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، لما يشكله ذلك من تهديد لوحدة البلاد. كما دعا إلى إحياء مسار جدة وغيره من الأطر الإقليمية لدعم مفاوضات جادة بين الأطراف السودانية.
رابعا، حماية المدنيين والعاملين الإنسانيين: أكد أن الأولوية القصوى يجب أن تُمنح لحماية المدنيين وضمان سلامة العاملين في المجال الإنساني، داعيا إلى فتح ممرات آمنة للنازحين من الفاشر وتأمين وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق إلى المناطق المتضررة. كما طالب بزيادة تمويل خطة الاستجابة الإنسانية وتوسيع نطاق المساعدات لتلبية الاحتياجات العاجلة، خاصة في مجالات الغذاء والصحة والإيواء.
وفي ختام البيان، جدد المندوب الجزائري، باسم مجموعة (3+1)، التأكيد على تمسكه بسيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه، مشدداً على أن السلام يجب أن يكون “سودانياً خالصاً” في جوهره وقيادته وتنفيذه. ودعا إلى إنهاء معاناة الشعب السوداني ووقف نزيف الدم، قائلاً إن الوقت قد حان لتغليب الحكمة والحوار والسلام.
عمار بن جامع مندوب #الجزائر أمام #مجلس_الأمن :
🚨الفظائع في السودان ما كانت لتحدث لولا التدخل الأجنبي
🚨على مجلس الأمن التأكد من عدم إفلات الدعم السريع من العقاب
🚨قوات الدعم السريع يجب أن تخضع للمساءلة والردع
🚨يجب ألا تفلت قوات الدعم السريع من العقاب
🚨 ندين بأقوى العبارات… pic.twitter.com/uPQSX3MdR5— أحمد حفصي || HAFSI AHMED (@ahafsidz) October 30, 2025