لم أعد من شراح النصوص الأدبية، بعد أن انقطعت إلى جادة النحو وعلمية اللسانيّات، لكنّي أمارس هوايتي مع طلبة التبريز في دار المعلمين العليا، داري التي رعيت فيها فكري وأنا في الجامعة في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، وما زلت وأنا أعاود التدريس في هذا الصرح، أشعر بأنّي وأنا الأستاذ ما زلت تلميذا. لكنّ هذه مسألة أخرى فأنا أجمع بين درسين: درس النحو ودرس شرح النصّ (الأدبي)، ولا أجد قلقا في الانتقال بين الدرسين، في الدرس الأول تكون اللغة مستقاة من كلام الشعراء، أو غيره من الكلام الذي اعتمد للتقعيد والتجريد، وفي الدرس الثاني نعود إلى الكلام بما هو مادّة رقراقة حيّة، نستقي منها ما ينبغي لشارح النصّ الأدبي أن يستقيه منها.
من الأفكار التي أحببت أن يتعلمها أساتذة الغد وأنا أشرح لهم نصا شعريا من عيون النصوص القديمة أنّ النصّ يمكن أن يكون أصدق إنباء من الأخبار، التي تروى عن الشاعر، أو عن شعره، ولذلك حاولت من خلال الأبيات الخمسة من لامية الشنفرى، أن أعيد بناء الكون بالاعتماد على الإنصات الكثير للنصّ وتجاهل بعض الأخبار العامّة والرائجة حول الشاعر. كثيرة هي النصوص القديمة التي بات قدرها أن تصارع الأخبار التي حيكت حول الشاعر، أو قيلت من أجل أن يكون النصّ وكأنّه وثيقة تاريخية وشاهد فنّي على واقع بنته الأساطير والحكايات. المدخل التاريخي إلى النصّ الأدبي مدخل محفوف دوما بالمخاطر، لأنّ ما نعدّه معلومات ثابتة عن شاعر نحن في الحقيقة من ثبّتها من خلال وثوقنا التسليمي بالأخبار التي حملها إلينا الرواة، أو الأخباريّون أو النقاد. ولم تفلح الأخبار في بناء تاريخ ثابت، أو مقنع عن شعراء الجاهلية، فالمعلومات التي تتوفّر لدينا هي في الحقيقة مستقاة من النصوص، والنصوص في أصلها خيال مجنّح ليس مطلوبا منّا أن نصدّقها، فهي في الأصل لا تعكس كثيرا من حياة قائليها.
في لاميّة الشنفرى ينفتح النصّ بمخاطبة المتكلم، وهو ليس بالضرورة الشاعر التاريخي قوم أمّه في قوله (أقيموا بني أمي صدور مطيّكم). إن نحن قرأنا العبارة في أصلها اللغوي القريب انسجمت مع جملة من الأخبار التي تقول، إنّ الشنفرى تربّى بين قوم أمّه. لكن لا أحد يمنع من أن نقرأ الأمّ في معناها الرمزي القبلي، في جماعة اختارت أن تكون الأمّ أصل النسب، ومعلوم أنّ المجتمع الأموي لم يكن غريبا في مجتمع النص.
يمكن أن ندخل النصّ من أسلوبه لنرى أنّ الأبيات الأولى من القصيدة، قسمت بين إنشاء قصير أو نووي، وخبر فيه اتساع وتفصيل. الإنشاء في الأمر (أقيموا) وفي النداء (بني أمّي) وكأنّ النداء كان اعتراضا بين قسمي الأمر، وفيه تعيين للمأمور قبل تمام فحوى الأمر وفيه تلطيف لمضمون ذلك الأمر. لم يكن الأمر من أعلى إلى أدنى، بحكم أنّ الآمر كان فردا يخاطب القبيلة، ولنقل المجموعة، ولكنّه كان يفيد الاستعلاء بمضمون الخطاب نفسه: نفرٌ راحل وجماعة تسعى في أثره كأنّما تريد ردّه عن الرحلة، وهو يثنيها عن الرحلة. المشهد السينمائي إن خلا من الصوت، كان سيركز على حركة الجماعة وهي تستعد أن تركب دوابها في سفر وجهته يحدّدها المخاطب، الذي يريد الخروج على جماعته. والفرد يستحيل بالمشهد إلى متبوع وجماعة تستحيل بالمشهد إلى مقتف للأثر وتابع، وأمر يفيد في الظاهر الطلب. لكن المشهد صامت من جهة المجموعة الطالبة، ليس الأمر صريحا كما هو الشأن في كلّ خطاب شعري، ولو كان كذلك لكان (اهجعوا، لا تتعقبوا أثري..) لكنّه كان أمرا كنائيا فيه اللفظ الصريح يلوح لمعنى بعيد هو الاستعداد أو الانتباه. وقد تكون عبارة (أقيموا صدور مطيكم) هي عبارة جاهزة تقال لمن نام وهو يسير على مطيته تنبيها له، وهذا إمكان قراءة آخر وقد تكون العبارة الجاهزة في هذا المعنى قد ماتت لكنّها في عصر النصّ كانت متداولة.
لقد فُسّر معنى الفعل (أقيموا) في بعض الشروح تفسيرا يراعي المعنى الذي بات له في القرآن والمكرر في (إقامة الصلاة) بمعنى الإتيان بها على الوجه الأكمل. الإشكال أنّ فعل القيام يقتضي هذا المعنى ونقيضه، فأقيموا قد تكون بمعنى استعدوا للرحلة، أو انتهوا عنها واتركوها فقام وأقام في معنى توقّف في «لسان العرب» إذ فيه: «قامت الدابة إذا وقفت عن السير، وقام عندهم الحق أي ثبت ولم يبرح، ومنه قولهم أقام بالمكان هو بمعنى الثبات. (لسان العرب 12/492). فأقيموا في هذا المعنى أن قفوا مكانكم «غير متقدمين ولا متأخّرين» (اللسان).
ليس في الأمر تضارب في المعاني بقدر ما هو أمر ينهى عن رحلة كانت ستكون من أجل فرد خارجيّ.
النداء الذي حذفت أداته (يا) هو نداء يقطع بين طرفي الأمر ليلطّف الموقف وليهدّئ الروع روع الخارج والجماعة المنشقّ عنها؛ هو دعوة تذكر بالأصل المشترك الذي يوحّد ويخفف من فداحة فعل الحال، فالنسب موحّد حتى في أوج الفرقة ولا سيّما النسب إلى الأمّ. بقية المقاطع في الأبيات الخمسة الأولى خبر يفسّر الموقف الذي اتخذه الفرد، وهو يريد الخروج، نحن سميّناه خروجا لأنّا نقرأ النصّ في ضوء معطيات القبيلة، التي لا يمكن أن يكون الفرد خارجها إلاّ ضائعا تائها، لكن هل يمكن للفرد أن يلغي نسبته إلى القبيلة ويعيش وحيدا؟ هل يمكن لإنسان اليوم أن يخاطب المجتمع الذي ينتمي إليه ويهدده بالخروج عليه؟ كسر الانتماء إلى الجماعة لا يمكن أن يكون فعلا حادثا في الواقع، بل هو موقف من أراد أن ينتقد أو يقرّع، ولنقل هو موقف من أراد أن يراجع موازين الثقل محاولا قلب الكفة لصالحه، وفي الواقع لا يمكن لكفة الفرد أن تكون وازنة بالنسبة إلى كفة الجماعة. وفي الآن نفسه لا يمكن للجماعة أن تقف مكتوفة الأيدي وهي تواجه شكلا متنطعا من الخروج، لذلك تكون القصيدة لحظة فارقة في علاقة الفرد بجماعته فبدلا من أن يكون الشاعر صوتا يمدحهم ويفخر بهم، وبدلا من أن يعشق بنتا فيهم خلسة أو جهرا، وبدلا من أن يبكي ميتا منهم، أو يهجوه وهو دائما فيهم قائم بدلا من ذلك هو يواجه قدره معهم.
كان الخبر في القصيدة أسلوبا للتعليل، تعليل الأمر وذكر العلاقة المأزومة مع طرف النداء، لذلك كان صدر البيت الأوّل شبيها بفاتحة غريبة فيها محاكمة يجلس المتَّهِم الفرد والمتّهم الجمع (بنو أمّي) أمام قدر الوضع المقلوب: يقول الفرد ويحاكم والجماعة تسمع وتُحاكَم سلطة الخطاب أن تخرجك من الغياب إلى الحضور المحايد، فإلى الحضور الشاهد فإلى نزع الحياد بالاصطفاف الموجّه سلفا مع أحد الطرفين. في الخبر تقرير لحقيقة يقدّمها الخطاب على أنّها فعل سيكون ولكنّها فعل تهديدي لا غير، سلطته الحكمة السوداء (في الأرض منأى للكريم عن الأذى) والأذى فعل مسلط من الجماعة على الفرد، والفرد كريم يهرب من لؤم الأهل: الكرم ليس جودا بالمال بل هو نفاسة المعدن ولطف الفعل، والموت من أجل الانتماء إلى الجماعة واللؤم هو عدم اعتراف الجماعة بفعل الفرد، لا لأنّها لئيمة، بل لأنّها تتصرف بمنطق الجماعة التي تذيب فعل الكريم فتاتا تبني به شرفها.
وبعد هذا هل ما زال يعنيك أن تعرف أنّ الشنفرى شاعر صعلوك؟ وأنّه عدّاء من عدّائي العرب؟ وأنّه قتل مئة من الرجال وأنّه.. وأنّه.. إن صدّقت أنّ النصّ له فما لك والأخبار التي يقولها الناس والنصّ بين يديك يرشح لغة تنضح دلالات وتراكيب وعلاقات وبلاغات؟ يكفي أن تنفخ فيه من روحك القارئة حتى يستحيل نصّا حيّا.
أستاذ اللسانيّات في الجامعة التونسية.