في تقديم كتابه «حيوات كرستوفر كولومبوس السبع»، الذي صدر قبل أيام بالإنكليزية، ضمن منشورات نورتون، نيويورك، في 367 صفحة؛ يبدأ ماثيو ريستول، أحد أبرز مؤرّخي «اكتشاف» أمريكا، إشكالية كتابه هذا منذ السطور الأولى في المقدّمة. نعلم، يقول، أنّ كولومبس كان رجلاً فانياً، ولد باسم كريستوفرو كولومبو، خريف 1451، في مدينة جنوا المتوسطية، وتوفي في المدينة الإسبانية فالادوليد (بلد الوليد؟) يوم 20 أيار (مايو) 1506. فلماذا «تكفلت خمسة قرون من المعارك حول إرثه بإبقائه في نصف حياة، أو نصف حيوات، حيث تعدد «الكولومبوسيون» حتى شكلوا مؤتمراً عابراً للقارّات من الأشخاص اللاموتى؟».
هل هو، على سبيل التنويعات الأكثر شيوعاً، المغامر الملّاح الذي «اكتشف أمريكا» وأتاح ولادة أمم «عظمى» في نصف الكرة الأرضية؟ أم أنّ ذلك «الاكتشاف» كان كارثة لعشرات الملايين من الأقوام الأصلية والشعوب الأفريقية لأنه أطلق قروناً من الاستعباد، وتدمير السكان، والاستغلال الاستعماري؟ أم يجب عدم ملامة كولومبوس على، أو منحه الفضل في، كلّ ما شهده العالم بعد 1492؟
وفي غمرة هذه وسواها من أسئلة، ثمة مقادير مفاجئة من الألغاز تكاثرت على امتداد القرون التي أعقبت انطواء الصفحة الأخيرة في مجلدات كولومبوس: اسم الرجل، جنسيته، مكان ولادته، أسلافه، تربيته، دينه، رؤيته الفكرية، نظرته الأخلاقية، طبائعه الجنسية، و… المكان الفعلي لرقاده الأخير! لا عجب أنّ ريستول يوزّع كولومبوس في شخوص، أو لعلنا نقول مع أبي الطيب المتنبي: جسوم، تسعة: الجنوي نسبة إلى جنوا، الأدميرال، الرفات، القديس، العاشق، المحليّ، الإيبيري، الـ آدم، والإيطالي.
إذْ كيف تُفهم فرضيات تقول إنّ مسقط رأسه يقع في أكثر من عشرة أمكنة، ومثلها أمم وجُزُر وأقاليم ومدن؛ ثلاثة، على الأقل تزعم أنّ رفاته مدفونة في ثراها. أو أخرى تؤكد أنه كان يهودياً متكتماً على ديانته ويزعم المسيحية (الأمر الذي أسفر عن مساجلات طريفة، وأحياناً سخيفة، حول العداء للسامية!)؛ مقابل معارك طاحنة لتثبيت انتماء لا مراء فيه إلى العقيدة الكاثوليكية. ورغم تهمة تعدد الزوجات التي التصقت به، فإنّ اثنين من البابوات صادقا على حملة تطويبه قديساً؛ وتلك واقعة لم تمنع في كلّ حال تأثيمه كوسيط للشيطان الرجيم!
ولا ضرر هنا، بل قد يكون مفيداً، أن تُستعاد واقعة تربط بين كولومبوس ورجب طيب أردوغان، أثارت في حينه لغطاً واسعاً؛ حين أعلن الأخير خلال استقبال وفد من مسلمي أمريكا اللاتينية، أنّ البحارة المسلمين بلغوا أمريكا قبل 314 سنة سبقت كولومبس. ولقد اتكأ أردوغان على فقرة، غامضة وحمّالة تأويلات متضاربة، وردت في مذكرات كولومبوس نفسه، وتتحدث عن وجود «مسجد» في أعلى تلّة، على شواطىء كوبا.
ليس أقلّ مغزى، وفائدة أيضاً، أنّ باحثين مسلمين كانوا قد استندوا إلى «مروج الذهب»، عمل المؤرخ الكبير أبو الحسن المسعودي (871-957)؛ في رواية عن بحّار أندلسي مسلم يدعى خشخاش بن سعيد بن أسود، كان برتبة أمير البحر؛ جمع ثلة من أحداث قرطبة وفتيانها، وغاب معهم في «هذا البحر المحيط»، ثمّ «انثنى بغنائم واسعة». رحلتان إضافيتان إلى أمريكا، الأولى قام بها ابن فروخ الغرناطي، سنة 999؛ والأخرى سجّلها الإدريسي (1100 ــ 1166)، ذلك الجغرافي العبقري الذي روى عن مسلمين أبحروا من لشبونة وتوقفوا في إحدى جزر الكاريبي، فوقعوا في الأسر، ولم ينقذهم إلا مترجم من أهل الجزيرة كان يتكلم العربية.
قبل أردوغان والباحثين المسلمين، كان البريطاني غيفين منزيس قد طلع على العالم بنظرية مثيرة، كفيلة بتقويض واحدة من كبريات المسلمّات العامة، الراسخة رسوخ الرواسي في ميادين التاريخ والملاحة والعلوم؛ مفادها أنّ الأساطيل الصينية هي التي اكتشفت أمريكا، وليس كولومبوس والبعثة الإسبانية. أكثر من ذلك، أكد منزيس أنّ الأساطيل الصينية وصلت إلى أمريكا قبل 70 سنة من وصول كولومبوس؛ وبلغت رأس الرجاء الصالح (أي أتمّت دورة إبحار تامة حول العالم) قبل الملاح البرتغالي فرديناند ماجيلان؛ واكتشفت القطب الجنوبي، فوصلت إلى أستراليا قبل 300 سنة من وصول المستكشف البريطاني جيمس كوك…
في كلّ حال، وأياً كانت جنسية الأساطيل الوافدة التي «اكتشفت» الأمريكتَين، أو كان «المكتشف» قديساً أم شيطاناً؛ تأكدت الإنسانية اليوم أنّ الغرباء وفدوا إلى أرض لم تكن قفراً خالية من البشر والزرع والضرع والحضارة، الحضارة الحقّة المتقدّمة. ففي العمران والحياة السياسية والاقتصادية، كانت قبائل الـ «إروكوا» قد عرفت النظام الفدرالي، أو الكونفدرالي ربما، حين نجحت في إقامة كيان سياسي مؤلف من اتحاد خمس قبائل (سيعتبره توماس جيفرسون نموذجاً لما ينبغي أن تكون عليه الحياة التمثيلية). وتمكنت حضارة الـ «مايا» من تطوير الزراعة إلى درجة سمحت بمساحات استقرار واسعة، وتشييد أكثر من مائة مدينة، وإنتاج الذرة والفاصولياء والفول والكاكاو والبطاطا والقطن والتبغ، وذلك بأدوات بدائية وفي غياب حيوانات الجرّ والحمل.
ولأنّ سنة 1492 سجّلت، أيضاً، سقوط غرناطة وليس رسوّ كولومبوس على يايسة ستحمل أسماء شتى؛ فإنّ كتاب ريستول يعني المحيط العربي في جوانب عديدة تكتنف سيرة ذلك المغامر، إنْ لم تكن الأبعاد كافة ذات صلة ودلالة.