تقرير إنكليزي ومدينة جزائرية

حجم الخط
0

ليست المرة الأولى التي أكتب فيها حول هذا التقرير السنوي الإنكليزي الذي يقيس نوعية الحياة في مدن العالم. تصدره كل سنة وحدة الإيكونوميست (EIU) لقياس نوعية الحياة في 173 مدينة في العالم. بما فيها مدينة الجزائر، فقد كتبت عنه بنوع من الاحتجاج، أنا الذي أسكن المدينة منذ عقود، دخلتها وأنا صغير كالكثير من الجزائريين بعد الاستقلال مباشرة، قادما من المناطق الريفية. انتقال بين هذين الفضائين جعلنا نقبل ـ نحن أبناء الريف الذي خرج لتوه من حرب استعمارية مدمرة ـ ما تقترحه علينا هذه المدينة الجديدة، التي لم تبُنَ لنا أصلا، بل لسكانها من الأوربيين، ضمن الحالة الاستعمارية الاستيطانية، التي عاشتها الجزائر.
مدينة كانت لغاية ثمانينيات القرن الماضي قادرة على استيعاب سكانها الجدد. قبل أن تتدهور شروط الإقامة فيها، بعد النزوح الريفي الكثيف الذي عاشته، تكلمت عنه بموضوعية هذه التقارير الدولية الصادرة ببريطانيا.

عصابات المدن تحولت إلى ظاهرة مجتمعية يومية في الكثير من أحياء المدينة الجزائرية، نقلها معه الشاب الجزائري وهو يهاجر إلى مدن العالم

رغم ذلك لم أتقبل مثل غيري من الجزائريين، بسهولة المكانة التي حصلت عليها مدينتي ـ الخامسة دوليا. موقع تأكد هذه السنة 2025 – وهي تقارن بمدن تعيش حالة حرب أهلية، كما هو حال دمشق السورية وطرابلس الليبية، إذا اكتفيا بالمقارنة مع مدن المنطقة العربية.
تقرير سنوي يؤكد في تفاصيله المعدلات الضعيفة، التي حصلت عليها مدينة الجزائر هذه السنة في ميدان الاستقرار -35 نقطة من 100 الذي يقيس الوضع الأمني في المدينة. ومستوى الهياكل القاعدية -30.4 من مئة نقطة و45.4 في مجال الخدمات الثقافية والترفيه، المعروف بضعفه في الحالة الجزائرية، قد لا نكون في حاجة إلى تقرير إنكليزي للحديث عنه والاقرار به، رغم بعض التحسن في المؤشرات التي حصلت عليها المدينة في قطاع التعليم -58.3- والصحة-54.2- تبقى رغم ذلك بعيدة عن الصورة التي يروج لها الإعلام الرسمي. وهو يقيس حالة الجزائر بعيدا عن المقارنة الدولية التي يهملها في الغالب.
تقارير رغم ذلك تبقى جافة وعاجزة عن قياس سوء «نوعية الحياة» بكل تفاصيلها الإنسانية، كما ظهرت في أبشع صورها هذه الأيام في مدينة بوسماعيل بالقرب من العاصمة. مدينة – حي عرفت توسعا عمرانيا فوضويا جعلها ترتبط بظاهرة عصابات المدن، التي استفحلت داخلها بسرعة كبيرة. وصلت لحد بث فيديوهات مصورة من قبل عصابات معروفة داخل المدينة للترويج لممارساتها الاجرامية. وهي تقوم بأفعالها. في غياب أي خوف من الحساب، لا يستبعد أن يكون مرتبطا بتفشي ظاهرة استهلاك المخدرات، ونوع من العزلة التي تعيشها هذه العصابات على المستوى الاجتماعي القيمي- يجعلها تعيش حالة انفصال، يبدأ من الحي – السكن ليتواصل عبر النشاط الاقتصادي المالي على الهامش، مرورا بالسلوكيات الاجتماعية اليومية، بما فيها تلك الحميمية التي ينجزها أفراد العصابات الشابة المولودة في جزائر العنف والإرهاب – رئيس العصابة من مواليد نهاية التسعينيات – بعيدا عن قيم المجتمع وتقاليده. مجتمع لا يتحرك عادة إلا عندما تصل هذه الممارسات إلى حدها الأقصى، كما حصل مع عصابة بوسماعيل، التي تمادت وهي تنشر فيديوهات عن ممارساتها العنيفة. لم يعد من الوارد السكوت عنها من قبل المؤسسات الأمنية التي تدخلت بقوة لإلقاء القبض على أفراد العصابة. لتعيش الوسائط الاجتماعية في الجزائر نقاشات مبتورة حول الجريمة في الوسط الحضري، وكيف استفحلت، تم التركيز فيها على الجانب الردعي، تم الترويج فيه إلى المطالبة بتطبيق أقسى العقوبات بما فيها العودة إلى تفعيل قانون الإعدام، بين أبناء مجتمع لم يخرج من حالة العنف، التي عاشها لعقود عديدة تحت مسميات مختلفة. اختصرته بعض الآراء بالسياسات العمومية، التي قدمت كسياسات متسامحة، تم التركيز فيها على العفو الرئاسي بمناسبة الأعياد الوطنية، التي تكون قد زادت من وجهة النظر هذه، في استفحال ظاهرة عصابات الأحياء، التي تعيشها المدينة الجزائرية، وهي تقيسها بزيادة منسوب الإجرام بعد كل عفو رئاسي، كما يحصل عادة بعد الأعياد الوطنية والدينية مباشرة.
آراء ووجهة نظر ظهرت على السريع داخل الوسائط الاجتماعية، لم تول الأهمية الكافية للكثير من القضايا الجوهرية المرتبطة بظاهرة العنف الحضري، الذي استشرى داخل المدينة الجزائرية الكبيرة والمتوسطة بكل ارتباطاته مع مسألة العمران التي تعانيها المدينة الجزائرية، وهي تعيش تطورا غير متحكم فيه من قبل إدارة غير مهنية وفاسدة في الغالب. زيادة على ما تحيل إليه من تفكك أسرى وأزمات أخرى مرتبطة بالتنشئة الأسرية. لم تلق حقها من النقاش داخل مجتمع عرف وتيرة متسارعة من التحولات القيمية والاقتصادية – الاجتماعية. ارتبطت في الكثير من المحطات بالعنف. تعلق الأمر بالدين، أو السياسة. كما عاشته الجزائر منذ أيام استقلالها الأولى، ينادي الكثير من الجزائريين بالعودة له تحت مسمى الدفاع عن الأمن المجتمعي، ومحاربة عصابات المدن التي تحولت إلى ظاهرة مجتمعية يومية في الكثير من أحياء المدينة الجزائرية. نقلها معه الشاب الجزائري وهو يهاجر إلى مدن العالم، كما تظهر في شوارع باريس- مارسيليا ولندن التي لم يتوقع كاتب التقرير الإنكليزي الذي تحدثنا عنه هذا الأسبوع أنه يمكن أن يصل الحديث عنه داخل قبة البرلمان البريطاني، من خلال ظاهرة سرقة الهواتف النقالة، التي بدأت ترتبط ببعض الشباب الجزائري المهاجر حديثا إلى هذا البلد الأوروبي البعيد.
عبر تجارة عابرة للقارات وجدت سوقا لها داخل أعرق أحياء مدينة الجزائر بسوق بومعطي بالحراش، سوق تربطه الكثير من الشائعات، التي تبقى في حاجة إلى تأكيد، بظاهرة الإرهاب الذي عاشته الجزائر خلال عقد التسعينيات، عندما تدفق الكثير من الأموال المرتبطة بظاهرة الإرهاب، التي تكون قد ضختها الجماعات الناشطة في العمل «الإرهابي»، بعد إجراءات العفو التي استفادت منها بعد الإعلان عن سياسية المصالحة والعفو عن هذه الجماعات، وهي تغادر معاقلها بالجبال. سمح لها بالسيطرة على سوق الهاتف النقال المزدهرة في الجزائر، خلال الفترة الأخيرة، استفادت فيه من تواطئ مع الكثير من الفاعلين في المطارات ومنافذ الحدود عبر شبكة تجارية وصلت بها إلى الصين، عبر طريق الهاتف النقال مرورا بالكثير من مدن العالم.
كاتب جزائري

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية