تتقدّمين من الجهة الأخرى
وفي يديك غطاءٌ من الشمس تدثّرين الحيّ به
لتكشفي وجهه أمام الضوء الصاعق.
أقول لنفسي ما أجمل الفُرجة على أعجوبة لا نصيب لي منها
إلّا حظّ الرّائين
يقول الصوت: وحسبُكَ نصيب الرّائين!
أقول للصوت: ليتكَ ذقتَ وجهها وأكلتَ من عينيها…
ليتكَ سمعتَ النَّفَس وهو يخرج من شفتيها قبل الكلام!
***
تتقدّمين وفي عينيكِ ووجهكِ ووجنتيكِ المرتفعتين دهاءٌ لاتينيّ
ألم يصر المكان لاتينياً حين بعثر النّور نَمَشَ وجهكِ
على الجدران الحجرية والزجاج الملوّن،
وأضاءَ ملايين ذرّات الغبار على أفاريز النوافذ الزرقاء والخضراء؟
وجهكِ، هكذا منحوت ليكون مكمناً مشترَكاً للقداسة والشهوة:
ألم نجد أنّ الشجرة الوحيدة التي وصلت الفردوس كانت مغروسة في الجحيم؟
هكذا قالوا،
وقالوا أيضاً إنّ ابن الله بيديه زرعها.
***
تتقدّمين من طرف الحيّ نحو وسطه المترَف حيث يكون الجميع
ولا أعرف ماذا أفعل
ولا أعرف إذا كان ينبغي أن أفعل شيئاً
فأنت شديدة الوفرة، وكلّك أسماء؛
ولا أعرف أيّ هذه الأسماء أنقى كي أناديك به.
قرب أجنحة ميخا-إيل
لوحده في منزل القرية
في قلب الكهرمانة الخضراء والوميض العاتي
أصعدُ إليه من كروم الزيتون
في الصمت الفضّي من بين أجنحة ميخا-إيل
أجلس تحت كرسيّه القش ـ تحت الحافة العالية
/يا ليت الصباح لا يأتي/
/يا ليت الفجر ينفجر ويأتي بالمسيح/
يدعوني كي أتسلق إليه
يقول إنه يشتهي أن نجلس إلى مائدته الصغيرة.
«دعني هنا… لأهرب حين أسمع الخيول وقعقعة السيوف»
مئتا عام وأنا محرومٌ من السلام
مئتا عام ولا أشمّ سوى طين بنطاله.
***
أغادر قبل أن يلملمَ القمر فضته ويعودَ بها إلى سيد السماوات
أقفز قفزتي العظيمة
ككل ليلة، أسقط كالضوء الثقيل
وأجري كالزلزال نحو البحر الأرجواني
بحدقتين فاغرتين
وشفتين تناديان الأيائل الجبارة
إنكار
يبدأ الأمر أنك تتورعين عن مناداتي باسمي، ثم يحصل أن الحديث يطول، أو أن تكثر أسئلتك، وأنت لا تزالين مثابرة على تلك العادة الغريبة. وكأن التنادي بالأسماء يتطلب جهداً عجيباً أو لعله يفترض انكشافاً خطيراً أو يتنبأ بإمكانية انزلاق الصوت المنادي نحو لحن لرغبة مدفونة جيداً زُرعت فوقها أزهار وخمائل، وكل ما يتوه فيه البصر ويجعل ما تحت الأرض في غياهب النسيان.
ماذا تفعلين إذن حين يطول النقاش، وأنت لا تستطيعين ذكر اسمي؟ تبدئين بالمداورة، بالصمت وجذعك يتململ وينوس ببطء نحو الخلف ثم الأمام، بإعادة الأحاديث من بدايتها، أو اختلاق مواضيع جديدة مشفوعةً بالهرب من حقيقة أنك لا تستطيعين تفسير نظراتك المواربة، أو كبح موجات اللوم التي ترسلها عيناك إلى وجهي.. قبل إطلاق العنان لها بلا اكتراث. علامَ اللوم؟
ولأنك تخشين مناداتي باسمي يصبح سلامك حزيناً، أو مقروناً بإفراط في التبسّم، أو بالالتهاء عن محضري بالإغراق في عناق صديقاتك الواقفات حولنا. ولكن مجدداً، تغرقين معي أنا في الحكايات وليس معهنّ، ويبقى اسمي خارج شفتيك ـ اسمي المرفوض أبداً في تاريخك الشخصي، المعتَنَق كلياً في سيرتك النجمية، خارج الصوت، وبلا زمان ولا مكان؛ شبح تحبينه ولا تعترفين بهويته، وحين يأتي اسمي حولك بالمصادفة، عبر شفاه الآخرين، تبتسمين بهدوء وخيال ثقة وكأنك تقولين لهم: لا أعرفه!
عسل المدينة المشوَّهة
ما زلت في المدينة، على الشرفة الملتصقة بشرفتي، تتابعين الحلم العتيق عن الشهوة المحجَّبة، وتتلصصين عليّ بأطراف الحدقات المتوسعة أمام شبح الشرود.
وما أزال أنا، أسرق نفسي وأدخل إلى البيت من بابه المعلّق في مجهول الليل. (عبر المسافة الصفرية التي تصل القارات). أنتشي
جداً حين أسمع
صوت انغلاق الباب، حين يبتدئ الوشيش الخافت المتخامد وتصل إلى وجهي أولى نفحات شذى عنقك الطريّ.
وجهك، كتفك الرقيقة، الفوضى المرتبة في شعرك المرفوع، وأنا ألمحه حين تغادرين الشرفة القريبة، كلها مزروعة في مفاصل اللحن اللاتيني، الذي كان يرافق رحلات العين عبر الأزقة الموحلة والعمران الأسود. وكلها تقهر البشاعة وتجعل «تفل» المدينة المشوهة أطيب من العسل.
شاعر سوري