هل يمكن للغزيين أن يتكلموا؟ هل يلحظ التفاهم الذي على أساسه عُلّقت آلة الحرب البادية خاصيّة النطق وسياساته؟
من أرسطاطاليس إلى حنة أرندت هناك خيط رابط، وإنما بتعرج وتشابك مع سواه: النطق من حيث هو هو السياسة. الإنسان الذي لا يوجد سياسياً إلا إذا تكلّم وظهر بكلامه أمام الآخرين. النطق من حيث هو شرط الوجود المشترك. هل ثمة ما يوحي به في التفاهم التي تمازجت فيه البصمات والتواقيع .. توني بلير .. دونالد ترامب .. عبد الفتاح السيسي .. حركة حماس؟
يمكلن التفاؤل، نسبياً، بأنه وبعد إبادة قسم كبير من أبناء القطاع، وتدمير معظم الوحدات السكنية والبنى التحتية والمرافق الحياتية فيه، أنه جرى الإقلاع، الآن، عن خطط الترحيل الجماعي النافرة والمباشرة، وان كانت الكارثة الديموغرافية التي يمكن أن تنشأ عن هذا النوع من التنكيل والهدم المتواصلين لعامين ليست من النوع الذي يمكن الشروع في التعويض البقائي عنه فور وقف آلة الإبادة، وبخاصة إن ظلت عملية إعادة الإعمار مؤجلة، رهينة سحب سلاح «حماس» من ناحية، والتوصل لتفاهم أمريكي عربي إسرائيلي حول الوضع العام لغزة في المرحلة المقبلة، كما للضفة. وأساسا، مع كل أهمية التحريك العربي والأوروبي اليوم لموضوع الدولة الفلسطينية، ما الذي يمكن أن تعنيه إذا ما كان للغزيين الكلام؟ ليس بمعنى أن أحدا سيمنعهم عنه جهارا، ولكن بمعنى أنه قوم يجدون رأيهم، على امتداد السنوات والانعطافات، من 7 أكتوبر فالحرب الإبادية عليهم فوقفها بتبادل الأسرى وسحب السلاح وإنشاء إدارة كولونيالية «ما بعد حديثة» للقطاع لا يًستفتون بشيء، ما بين من يعتزم تحريرهم بدون الوقوف على مشورتهم إلا بشكل سلبي – باعتبار تحمل المشقة والمصاب والكارثة مبايعة – وبين من يسوغ للإبادة بحجة أنهم كسكان أظهروا ابتهاجا يوم 7 أكتوبر، أو بحجة أن مطرحهم ليس هنا بين إسرائيل وحماس، بل الأفضل لهم التفرق في المنافي، بعيدا عن هذا الجحيم، وهذا ما لم ينفك يردده دونالد ترامب لفترة طويلة.
ما الذي أراده الغزيون على امتداد السنوات الماضية، وماذا «يحق لهم أن يريدوا»، أي أن يقولوا بأن هذا ما يريدوه اليوم؟ قراءة التفاهم الحالي توحي بأن التفاهم يقرر لهم سلفا، وأن عليهم من الآن فصاعدا أن لا يفكروا إلا في كيفية تحاشي الموت قسراً وغيلة، وأن يعيشوا عمليا «مع 7 أكتوبر بالسر»، و«تائبين منه في العلن»… أو العكس. الإسلاميون في القطاع لن يتبخروا بعد تسليم السلاح، فماذا عساهم القيام به بعد ذلك؟ وأنصار «فتح» على اختلاف ورثتها، لم تكن سيطرة حماس على القطاع لتجعلهم يختفون، لكن ما الذي عساهم القيام به الآن لإعادة الوصل بين القطاع والضفة؟
ما الذي يريده الغزيون اليوم؟ لا شيء إلا عدم الموت؟ غير صحيح. لقد تحملوا كل أصناف الموت على امتداد عامين جهنميين. لكن من أجل ماذا؟ مسألة النطق، البوح السياسي، المجاهرة، بكافة أشكالها وتناقضاتها، ليست عرضية في هذا المضمار، انها الشرط الشارط لخروج شعب غزة من «الأيقونية التعبوية العالمية» التي تخرج لمواجهة إمبراطورية عالمية، بحسبها، إنما من دون الحد الأدنى من محاولة توزيع الأعباء بينها وبين أهل القطاع، والأنكى، من دون أن يُستفتوا في الأمر. كما لو أن «لا سياسيتهم» المفروضة عليهم من عدوهم ومن «محرريهم» الافتراضيين عبر العالم، هي المعمل العجيب لتوليد السياسة في العالم، على حسابهم. ماذا يريد الغزيون؟ هل فعلا يحق لهم مناقشة كل ما حصل. هل فعلا يحق لهم المشاركة في «الحوكمة» العتيدة المقبلة؟ هل فعلا يحق لهم ولو حد أدنى وأولي من تقرير المصير؟
هل يستطيع أهل غزة الكلام الآن؟
في قالبه يستعيد هذا السؤال ما عنونت به المفكرة الهندية غياتري تشاكرافارتي سبيفاك مقالتها الفاصلة في مسار النظرية «ما بعد الاستعمارية» عام 1988: «هل يستطيع التابع أن يتكلم؟».
و»التابع» بهذا المعنى مصطلح لجأ إليه القيادي والمفكر الشيوعي الإيطالي انطونيو غرامشي للإحالة إلى فئات طبقية مستبعدة عن التمثيل والسلطة، ليس فقط عن الهيمنة القائمة، بل أيضاً عن الصراع على الهيمنة بين الماسك بالزمام ونقيضه. ومن هنا اشكالية المصطلح. فالفئات «التابعة» هي بخلاف نموذج الطبقة العاملة الصناعية المنظمة نقابياً وحزبياً خافتة القدرة على التأطر والتنظم والتمثل وتكاد تكون مقصاة مرتين، من الطبقة المسيطرة، ومن الصراع بين الطبقة المسيطرة وبين الطبقة الثورية المتخيلة أو المتحققة. بالتوازي، في هذا المفهوم، «الساب آلترن» ما ينم عن تفكيك نموذج الطبقة الثورية المنظمة القادرة على استيلاد القدرة على شحذ الهمم والتمرس والتثوير من اتحادها بالنظرية الثورية. من جهة، يجري التطرق إلى فئات مهمشة مرتين، من قبل المسيطر، ومن قبل الاستقطاب بينه وبين بديله الاجتماعي الثوري، ومن جهة ثانية، هذه الفئات التي كثيرا ما تكون «لا مرئية» بما فيه الكفاية، يتراوح الموقف حيالها بين كون التمدد إليها ضروري إذا ما أراد المشروع التحرري في مجتمع ما أن يكون شاملا وقادرا، وبين كونها هي المرشحة ليزيد عددها وأنواعها في المجتمع، فتأكل من رصيد «الطبقة العاملة» وتنمو على حسابها. لاحقا، مع مجموعة الباحثين المتحلقة حول «دراسات التابع»، من مؤرخين وعلماء اجتماع هنود، صارت هذه المقولة تعني كل الفئات والفئات المحجوبة من فئات أخرى التي نراها كي لا نراها، أي نراها كما لو أنها منحاة عن أصل النقاش في القرارات والخيارات والمنعطفات، منحاة عن الصراع بين المهيمن ونقيضه.
«أهل غزة» هم إلى حد كبير تجسيد مطلق لما ذهبت إليه «دراسات التابع» ولما أوجزه سؤال سبيفاك. هل يمكن لأهل غزة الكلام؟ أو أن الكلام اختارته لهم سلفا «الفصائل من جهة» وعدوهم من جهة، والإدارة الكولونيالية العتيدة من جهة ثالثة؟ مع وقف الإبادة، سيكونون أقل مرئية مما كان في المشاهد المروعة المبثوثة حول العالم. وعندها يصير صوتهم هو التحدي الأكبر. لكن، هل يمكن أن يكون الصوت صوتا هنا، أي نطقا، أي سياسة، إلا بالبوح إذا كان لهم فعلا رأي في كل ما جرى، ولم يتوقف بعد، وإلى أي حد، ومتى كانت آخر مرة؟