تخيرت نص ميسون صقر «جمالي في الصور» (ط.2 دار العين للنشر القاهرة/2012 ) لسببين في الأقل: أحدهما جمعها بين الشعر والرسم، والآخر مدونتها الشعرية التي استقرت نسبيا، من حيث التصنيف في هذا الـ»نمط» من الكتابة «القصيدة النثر»، أي الوصف بالمصدر، وهو الذي يفي بالمصطلح الأجنبي وليس التركيب بالإضافة. يقول هاشم شفيق: «لميسون صقر القاسمي طلة شعرية مباغتة، تقع بين مسافات متباعدة إلى حد ما ، لكن حين يصدر أي جديد لها تجد المسافات وقد تلاشت، ليظهر الاتصال الجمالي والفني والتعبيري، مستمراً في تتويج هذا الصوت الخليجي، كي يبقى محتلاً مكانته الرائدة بين أصوات النساء الشواعر في دول الخليج العربي .ولو نظرنا أبعد من هذا التوصيف لوجدنا أن تجربة ميسون صقر، أمست ضمن التجارب الشعرية العربية التي ظهرت في سياق التجديد الشعري في عالمنا العربي، وأعني الجيل الأحدث الذي أحدث تحولات في مفاهيم القصيدة العربية الحديثة».
تنحو قصيدة النثر عند ميسون صقر باتجاه الفنون البصرية، وكأنها «نوع فوضوي» بعبارة سوزان برنار،أو «هجين» وهو وصف محايد وليس تنقيصيا، كما قد يقع في الظن، والكلمة العربية مثلها مثل قرينتها الأجنبية محكومة بسياقها، وليست «معيبة» في كل استعمالاتها؛ والمقصود هذا الاسم الذي يجمع بين جنسين «الشعر/ النثر» فهو «ضديد»، وهي الترجمة السائدة لـ»أكسيمور» أو»أكسيمورون»؛ وأبلغ منه مصطلح الأندلسي التونسي حازم القرطاجني «الاختلاق الإحالي» [الاستحالي]. على أن هذا النوع نشأ خارج الأجناس الأدبية المعهودة، على الرغم من أنه «يتلاقى» والقصة القصيرة والحكاية في غير قليل من سماتها. و»القصيدة النثر» نص يكتب خارج القواعد والتقاليد الأدبية، ولئن تقبلته الآداب الغربية، فإنه لا يزال موضوع سجال في الثقافة العربية المعاصرة، رغم أنه ظهر في الأدب العربي منذ حوالي قرن وربع، مع أمين الريحاني (1905) أي قبل ظهور قصيدة التفعيلة بأربعة عقود. وعند الفرنسيين مثلا يعود الدارسون إلى بعض روايات روسو وشاتوبريان، وقد سموها شعرا منثورا. لكن قصيدة النثر لم تظهر مع بودلير، وإنما مع ألوسيوس برتراند (1807ـ 1841) في نصه «غاسبار الليل». غاسبار (اسم قديس)، والبعض يرجح أنه من أصل فارسي قد يكون معناه «حارس الكنز»، والبعض يراه من أصل هندي، أو سنسكريتي معناه «العراف» أو «المستبصر» أو «الرائي».
ما يعنيني هو هذه «القصيدة النثر» التي ما تنفك تفاجئ قراءها خارج البنية الإيقاعية المأثورة، أو هي بعبارة بودلير تحقق «معجزة النثر الشعري موسيقيا دون إيقاع ودون قافية، بسلاسة أكثر ومواجهة أشد، من أجل أن تناسب أهواء الروح [ميول] في غنائيتها». وهي بهذه «النثرية» تقطع صلة الشعر بالموسيقى وبالأذن، وتنقلنا إلى «نص بصري» أشبه بالرسم الحي، أو بريشة الرسام في تموجاتها و»ضرباتها». وفي هذا على ما أرجح، يكمن البعد «التشكيلي» في «جمال في الصور» و»الفانتازيا» الإيقاعية المتحررة من القيود التقليدية. ويميز الباحثون بين «القصيدة البصرية» و»القصيدة المكتوبة» أو «المطبوعة» (من الطباعة). والبصرية بدأت مع ستيفان ملارميه في «أبدا لن تعطل الصدفة رمية نرد» ثم مع أبولينير 1918 في «كاليغرام» Calligrammesوهي من نحته وقد ركبها من نعت وكلمة من اليونانية، والمقصود بها «الكتابة بجمال». ثم تطورت مع «الفضائية» لبيير غارنييه. «لقد خلّصت الشعر من الجمل والكلمات والتنبير. لقد دفعت بها حد التنفس، من هذا النفس يمكن أن يولد جسد آخر، وعقل آخر، ولغة أخرى، وفكر آخر وأستطيع إعادة خلق العالم وإعادة خلق نفسي».
وفي هذا السياق أقرأ نص ميسون صقر، وهي التي تسعى في جل قصائدها إلى إضفاء أبعاد المكان على الأشياء، وجعلها تطابق شروط الحيز؛ أو ما يمكن تسميته «الشعر الواقعي التجريدي» على قلق هذا النعت؛ إذ المقصود شعرية الأشياء العينية المحسوسة الملموسة؛ وليس الإيهام بالواقع، كما قد يتبادر إلى الذهن، أو اتخاذه مرجعا شعريا فكريا، كما في هذا النص «أيتها الأيام:
اللافتاتُ تشبه الحياة/ الغناء هنا يدور حول الميدان/ أيتها الأيام مُري من هنا/ اطبَعي على الذكرى نكهةَ الرفض/ واسكني طريق الثائرين.
أو في قصيدة «ثمة امرأة»:
ثمة امرأة تعوي من الألم
ثمة خوفٌ في قلبها
ثمة جوارحُ تنزف في الطريق
في الأسفل ثمة رجالٌ محمومون
ونساءٌ محمومات
وأطفالٌ دون الصخب يترجمون أجسادهم صراخا
ثمة شوارعُ وإسفلتٌ
وينابيع دماء تتفجر بعروق الطرقات
ثمة من يقول إن وطنا تحرر من مأزق.
ولعلنا نكون في الصميم من نصها، إن نحن تنبهنا إلى صلته بالرسم؛ وتحديدا الـ»كولاج» أو الـ»مُلصقة». ومثال ذلك قصيدة «كعبارة عميقة»: «كملاك أبيضَ السريرة / كملاك صغير ضال في البرية، أتحرقُ لمعنىً/ لا تتعقبه الشرورُ/ ألمسُ الأشياءَ/ أسكنُ الأماكنَ/ أستنشقها كعبارة عميقة منها/ تتكونُ غريزة البقاء والشهواتِ ولا تتوقف عند خلق الإنسان». وثمة أوجه تشابه بين «الملصقة» وكتاباتها حيث نصها الذي أنا فيه، جزء من «نسقية» الكتابة التصويرية والشعر؛ وحيث التوازي بين «الرسامة» والشاعرة، بين مراقب اللوحة وقارئ اللوحة، قائم في كثير من أعمالها الشعرية، خاصة في نوع نصطلح عليه بـ»القصيدة المُحيزة» التي تكاد تكون لوحة حيث الكلماتُ الألوانُ تملأ النص وتغني استعاراته القائمة على نوع من «التثاني» يكونان محور دورانه، أي على عنصرين مختلفين متعارضين في الآن نفسه كما هو الشأن عند أدونيس، خاصة حيث نقف في «مفرد بصيغة الجمع» على شكل مجدّول أو جدولي، وزمن مقسم مشظى أشبه بـ»الكولاج» يقودنا بدل أن نقوده، حيث تطلق الشاعرة الصورة في فضاء المتخيل وترسلها كما في «ظل الصورة»:
هنا جلس على الكرسي
هنا تنزه وضحك
مرآة الغرفة الأولى التقطت صورا له بملابس مختلفة
مرآة الغرفة الثانية ظلت صورتُهُ فيها
هنا كانت صورته تتكاثر
ظَل ظِل الصورة يتحرك
لم يختبر رحيقها حين خرج
ظل صوته يتردد هنا:
المكان يشل حركة المفاصل
في ذروة الحب.
حيث الكرسي بقوائمه الأربع، ليس مجرد رمز استقرار أو ثبات وسلطان على الأشياء، أو قوة وهدوء معا كما يقع في الظن عادة، وليس كرسي بيكاسو في «طبيعة ميتة» أو «صورة الكرسي المقشش» (المجدول بالخيزران) 1912، أو «ماغريت وكرسيه الحجري المغروز في الأرض» عام 1952؛ وقبلهما فان غوغ وكراسية التي توحي بالوحدة التامة. إنما الكرسي في هذا الكتاب هو كرسي الغائب الذي ذهب لقضاء شأن خاص، وسيعود؛ كما في نص العراقية مي مظفر أو التونسية أفراح الجبالي. فهي تستخدم تقنية في الشعر مستلهمة من الرسم، هي أقرب ما تكون إلى تقنية الرسام الأمريكي بولوك وهي، أن يحمل الفنان علب الألوان بعد أن يثقبها، ثم يسحبها على اللوحة ويهزها. والشاعرة هنا «لاعبة»، دون أن تكون «موضوعا» لهذا اللعب، وإنما اللعب هو الذي يرتقي إلى مستوى التمثل، ويستقل عن وعيه. وهي تأتي ما تأتي في قصيدتها دون أن تتهيب اختراق الحدود التي تفصل تقليديا بين عالَم الشعر وعالَم اليومي والوظيفي. والأمر لا يتعلق بمتحف لفنون الزينة، وإنما بقدرة الشعر على أن يُدرِجَ في عالمه ما هو أكثر غرابة عنه، أو قدرةَ الشاعر/ الشاعرة على مواجهة العالَم، أدفعتها إلى ذلك، أم لم تدفعها قوى حسية أو روحية رمزية أو حيوية خيالية، أو تفاعل خلاق مع التصور الميكانيكي الديكارتي للجسد، أو ما يسمى «الجسد الآلة». فلعل هذه القصيدة وغيرها تجد سندها في الفنون التشكيلية خاصة، وفي الفتوحات التشريحية التي دشنها العلم الحديث. ولهذا نعت قصيدتها بـ»القصيدة المحيزة»، أي تلك التي تضفي «المكانية» على الأشياء، أو تجعلها تتنزل في حيز أو مكان هو مرئي ومسموع في الآن ذاته. وفيها تتسع المسافة بين الدال والمدلول، فلا تصريح بالمعنى، وإنما تقويض للمواضعات اللغوية المألوفة، ومحاولة جادة للإمساك بشمولية تتطابق مع ذاتها، أو بمعنى استبصاري تأثري مكثف يتمثل الكل في صورة واحدة، وإن في سياق الإيقاع القائم على توازي التضاد. لأقل هي شعرية قائمة على امتزاج الفكرة بالصورة حتى لا فكاك بينهما، أو شعرية التقابل وهو مظهر من مظاهر التناسق في هذا الكتاب؛ مداره على أشياء وحالات ومواقف، وهو إثبات ونفي وحضور وغياب في اللحظة نفسها؛ تتعدد فيها الذات وتتوحد، وتثبت وتتأرجح بين أقطاب متضادة من الحلم والفجيعة والرجاء والخيبة، أو الإيحاء بالشيء واستحضاره معا. فإذا الصورة اللوحة تنفك عن زمن الواقع وتتجرد، ولا مسوغ لذلك سوى زمنيتها الخاصة. أعني تلك التي يحكمها الغياب وهو يلوي الزمن ويخلطه ويعجنه، ويعطله كمن يخرب ساعة يدوية، ويشوش نظام الأشياء، والأزمنة النحوية.