لندن – «القدس العربي» : عند مشاهدة فيلم «ميكروفون» (2010) للمخرج المصري أحمد عبد الله أول مرة، كان الإحساس أن الكاميرا لا تكتفي بتصوير مدينة، بل تكاد تُلاحق نَفَسها وهي تركض خلف موسيقيي الشارع ورسامين مجهولين. الإسكندرية، التي تدور فيها أحداث الفيلم، هنا ليست مجرد خلفية، بل جوهر الفيلم وقلبه، وهي مسرح لمدينة أخرى تحت السطح. في المقابل، حين نتابع فيلم «الخروج للنهار» (2012) لهالة لطفي، نجد أنفسنا محاصرين داخل بيت ضيق على أطراف القاهرة، حيث الزمن يتباطأ حتى الاختناق، وحيث الصمت يعلو على أي حوار. بين هذين القطبين، صخب الإسكندرية وصمت ذلك البيت في القاهرة، تتشكل معادلة بصرية ونفسية تُلخّص جانباً من السينما المصرية المستقلة في العقد الأول بعد الألفية.
الفيلمان خرجا من رحم لحظة تاريخية متقلبة. «ميكروفون» (2010) جاء قبل عام من ثورة يناير/كانون الثاني، كأنما يلتقط الطاقة التي كانت تغلي في الشارع، طاقة تبحث عن صوت ونافذة. «الخروج للنهار» (2012) جاء بعد تلك اللحظة، ليُسجّل إحساس ما بعد الانفجار، حيث لا يبقى إلا الروتين الثقيل، والموت كظل ملازم. هذه الثنائية ليست مجرد تباين في الأسلوب، بل تمثيل رمزي لتجربة جيل بأكمله.
خالد (خالد أبو النجا)، الشخصية الرئيسية في «ميكروفون»، يعود من الخارج لتكتشف أنه غريب في بلاده ومدينته. هو ليس بطلاً بالمعنى التقليدي، بل عين المشاهد داخل المدينة، يتقاطع مساره مع شباب وفتيات يبحثون عن تعبير: موسيقى راب، فرق بانك، غرافيتي على الجدران. هؤلاء ليسوا «أبطالا» أيضاً، بل جزء من فسيفساء. الفيلم كله يبدو كلوحة موزاييك أكثر منه حكاية متسلسلة.
هذا التشتت مقصود: أحمد عبد الله يصنع لغة بصرية سريعة يوازي نبض جيل يتنفس بصعوبة. حتى البحر في الإسكندرية، رمز الأفق المفتوح، يتحوّل هنا إلى مساحة مهددة، لأن الحلم دائماً أكبر من الواقع، الشخصيات تعيش على هامش المدينة، لكنها ترفض أن تكون بلا صوت. من زاوية أخرى، خالد نفسه يمثل ذلك الجيل المعلّق بين الداخل والخارج. غربة الذات لا تنتهي حتى بعد العودة إلى الوطن. وبهذا يصبح «ميكروفون» ليس فقط عن الفن المستقل، ومحاولة مغنين وفرق مستقلة أن تجد صوتها، بل عن هوية جيل ضائع بين مكانين، يبحث عن انتماء فلا يجده.
في المقابل، «الخروج للنهار» يقدّم شخصيات مغموسة في صمتها. الابنة سعاد (دنيا ماهر) تتحرك بين العمل ورعاية أبيها المريض. الأم (سلمى النجار) غارقة في روتين متكرر. والزوج/الأب يكاد يكون شبحاً على السرير. الشخصيات الثلاث محاصرة، لا بفعل قوى سياسية مباشرة، بل بفعل الفقر والمرض والزمن الذي لا يرحم. هالة لطفي لا تلجأ لأي حبكة تقليدية، الأحداث شبه معدومة. لكنها تضع المشاهد وجهاً لوجه أمام ثقل الوجود. اللقطة الطويلة ليست مجرد أسلوب، بل فلسفة: أن تُجبر المشاهد على أن يعيش اللحظة حتى النهاية، من دون اختصار ولا قفز. هنا تتجلى قوة الفيلم: تحويل الروتين إلى مرآة، وإظهار كيف أن الحياة يمكن أن تستمر حتى عندما تصبح عبئاً. الابنة تحديداً تتحول إلى رمز لجيل آخر: شاب لكنه مثقل بمسؤوليات، لا مساحة له ليحلم. إذا كان شباب «ميكروفون» يقاتلون ليُسمع صوتهم، فإن ابنة «الخروج للنهار» تكاد تختنق في صمتها.

التباين بين الفيلمين لا يعني تناقضاً بقدر ما يعني تكاملاً. «ميكروفون» يعكس لحظة استعداد للانفجار: موسيقى، فن، جدران تصرخ. الخروج للنهار يعكس لحظة ما بعد الانفجار: الروح خمدت، والجسد وحده بقي. الأول صاخب لأنه يلتقط أمل التغيير، والثاني صامت لأنه يواجه سؤال: ماذا بعد أن يفشل الأمل؟
المكان هنا مفتاح القراءة. الإسكندرية في «ميكروفون» مدينة مفتوحة على البحر، لكنها لا تمنح متنفساً حقيقياً. القاهرة في «الخروج للنهار» مغلقة إلى حد الاختناق، كأنها تقول، إن الحياة داخلها عبء لا مهرب منه. وبين المدينتين، بين البحر والجدران، نقرأ قصة بلد عالق بين الأفق والسجن. كلا الفيلمين يشكّلان تحدياً للغة السينما المصرية السائدة. أحمد عبد الله في «ميكروفون» يدمج الوثائقي بالروائي، ويستخدم الموسيقى كإيقاع للسرد بدلاً من الحبكة. هالة لطفي في «الخروج للنهار» تعيدنا إلى مدرسة السينما التأملية العالمية، لكنها تفعل ذلك داخل سياق مصري محلي. النتيجة أن كلا الفيلمين يفتحان طريقاً جديداً: الأول نحو سينما متمرّدة، سريعة، وثائقية الطابع؛ والثاني نحو سينما تندر فيها الكلمات، بطيئة، وجودية.
عند صدور «ميكروفون»، تلقاه النقاد بحفاوة، باعتباره أحد أوائل الأفلام التي التقطت لحظة «الفن البديل» في مصر. اليوم، يُقرأ كوثيقة عن لحظة ضاعت، جيل كان على وشك أن يثور. أما «الخروج للنهار» فكان استقباله أكثر تردداً، إذ وُصف بأنه فيلم «بطيء جداً»، لكنه مع مرور الوقت أصبح من أفضل أفلام السينما المستقلة منذ مطلعة الألفية، لأنه استطاع أن يخلق لغة خاصة به، لغة الصمت واللقطة الطويلة.
كلا الفيلمين أثّرا في مسار السينما المستقلة المصرية. «ميكروفون» فتح الباب لتجارب لاحقة، مثل «فرش وغطا» و»ليل خارجي» لأحمد عبد الله، بينما «الخروج للنهار» أثبت أن الجمهور المصري، ولو بحدود ضيقة، يمكن أن يتفاعل مع سينما تأملية جذرية. عند إعادة مشاهدة «ميكروفون،» اليوم، نشعر بأنه فيلم عن زمن ضائع أكثر من كونه عن الفن. الضحكات والموسيقى تبدو الآن محمّلة بالمرارة، لأننا نعرف ما سيأتي بعد 2011. أما «الخروج للنهار» فأصبح أكثر إلحاحاً: ذلك الصمت لم يعد مجرد تجربة سينمائية، بل صورة عن بلد استسلم لثِقله.
من زاوية شخصية أيضاً، أشعر بأن كلا الفيلمين يقدّمان «نبوءة» بطريقتين: الأولى تقول إن هناك جيلاً سيصرخ، والثانية تقول إن الصرخة لن تغيّر عبء الحياة اليومية. وبين النبوءتين، نجد أنفسنا نقرأ تاريخنا من جديد.
ليس من المبالغة القول إن «ميكروفون» و»الخروج للنهار» هما ركيزتان لفهم السينما المصرية المستقلة في العقدين الأخيرين. الأول التقط صوت جيل قبل أن ينفجر، والثاني سجّل حياة جيل آخر بعد أن خمد الأمل. الصخب والصمت، البحر والجدران، الفن والموت، كلها وجوه لحقيقة واحدة: أن السينما ليست فقط فن رواية القصص، بل شهادة على زمنها. في النهاية، يترك الفيلمان لنا سؤالاً واحداً: أيّهما يعكس مصر أكثر ـ المدينة التي تبحث عن صوت ولا تجده، أم المدينة التي تستسلم لصمتها؟ وربما الجواب أن كلاهما ضروري لفهمنا لأنفسنا، كجمهور وكمجتمع.