يفتح لنا الشاعر باسم المرعبي طقوسه الشعرية، لنتعرف من خلالها على المخفي من عالمه، إذ تتسع الطقوس لتبدو الأقرب إلى سفر أدويسيوسي، حافل بالمغامرة والنشيد والشوق، وبشغف العودة إلى الجوهر، حيث المرأة واللغة والتشهي، وحيث الاستيهام بما تصنعه من عرفان ولذة وبوح واعتراف، ومن تأويل يستدعي الكشف عن سرائر المخفي، والغائب، إذ تتبدى لعبته الشعرية وكأنها نظير لذلك السِفر، حيث تكون استثارةُ الكتابة، استثارةً فائرة للتشهي، ولما تحتدم به اللغة، وهي تفصح عن «نشيده الشعري»، وعن سيرته التي تأخذه إلى الموازي من سيرة الجسد والمعنى والهوية، فتتسع عبرها قصيدة الرؤيا، تلك التي تهبه سعة البهاء، وسعة تأويل الغياب، واستدعاء الغائب، وصولا إلى تقويض بداهة العالم، لصالح ما تصنعه اللغة من استعارات للمختلف والمباغت، إذ تتحول طقوس الكتابة إلى ما يشبه «الأركولوجيا»، حيث الحفر في الزمن وفي اللغة وفي الجسد، وتعرية ما أخفاه التاريخ، وما توارت خلفه العزلة، فيتحول الاغتناء بسحرها المعرفي والرسائلي، إلى رؤيا تتسع بسعة الإدهاش، حيث لا يمتلك الشاعر سوى صناعة ذلك الإدهاش، بوصفه تجاوزا وعبورا وتشظيا، وأيضا انطواء ماكرا على ما يمكن أن تُخفيه من توريات..
قصيدة الرؤيا في شعرية باسم المرعبي ليست قصيدة تأمل، إنها قصيدة حركة باتجاه شيء ما، حتي يبدو وكأنه ظاهراتي يتشهى ربط الوعي بالأشياء، أو بالتمثلات التي تنفر من اللغة إلى الوجود، فما يكتبه المرعبي يجد في «القطار» استعارة لغوية تأخذ قناع حركة الكائن نحو كينونته، مثلما يجد في الليل زمنا متحركا لفك مجاهيل المقموع والمستور، فتتحول الرؤيا إلى «تأويل» يتغول، وإلى فكرة تتجول، وإلى كشف عما يخفيه «المعرفي/ السراني» من إحالات يحضر فيها الآخر/ المسافر الجديد، حيث ينكسر التوقف لصالح الحركة، وحيث يكون «اللاوصول» نظيرا لفكرة «اللاين»، التي كشفت عن تشظي الذات، وهي تتحرك بلا بوصلة، تبحث عن المعنى والوجود، تلك التي استثمرها سركون بولص، ليجعلها سرَّ نصه المتعالي عن المفقود الذي يتغذى بشعرية حركة المسافر في المكان واللغة..
« لوجود نوعٌ من قطار مُضاء، يمضي على سكة الليل، والمسافر فيه لا يكلّ عن التنقل بين عرباته.
لا وصول لهذا القطار
ولا توقف
وبين حين وآخر يزدحم بمسافرين جدد
كأنهم ينبثقون من الفراغ.
قطار مُضاء على سكة الليل
ركّابه وحدهم المرئيون
وهم لا يرون شيئاً خارجه،
لا يعرفون وجهته
ولا يحقّ لهم السؤال
وحتى معرفة الجواب غير مجدية
كلّ ما يعرفونه
أنهم تآلفوا مع وجودهم الغامض
في قطار غامض
في رحلة غامضة»
في قصيدة «سبيل الشعر» المهداة إلى الشاعر الراحل أمجد ناصر لا يحيد المرعبي عن مقاربة العالم من خلال مجسات اللغة، وتمثلاتها لشعرية الحركة، وما تمور به من نقلات يتوزعها الإدهاش، والبحث عن الغائب، من خلال استثارة شعرية الاستدعاء، وهي تؤدي وظيفة ترقب حضور الشاعر، النازل من الشاحنة والعابر في الطريق السريع، إلى خيار استعاري في مواجهة الموت، وفي تحويل نزول الشاعر إلى عبور للحياة، وبما يجعل من شعرية تلك الحركة «الجوهرانية»، وكأنها كشفٌ لما تصنعه الرؤيا، ولما تحيل إليه من إغواءات، تربط استدعاء الغائب بحضور الأثر/ المعنى، وحمولة «الكتاب السميك» بالمخفي من الأسرار التي تتشظى وكأنها تفضح حكاية موت الشاعر العابر إلى الغياب..
مهارة المرعبي في التوصيف تبدت في نثريته المكثفة، فجعل بنية التضاد موزعة بين مفارقة المكان «في طريق سريع، يخترق برّية نائية»، ونزول الشاعر الذي يحمل كتابا سميكا، وكأنه الصوفي الذي يبحث عبر العرفان عن الرؤيا، حيث يخرج من الانزواء إلى الكشف، وحيث تتحمل فكرة «الكتاب السميك» أن تكون استدعاء للوجود، وترهينا إلى ما يتساقط من حكاية الشاعر الغريب، وهو يتحرك عابرا من المكان البعيد إلى الرؤيا القريبة، ومن شعرية الموت إلى قلق الحياة، إذ لا يملك الشاعر سوى الاستمتاع بلذة أسئلتها، وبما يحمله إليها الشعراء، وهم يسألون عن غيابهم، وعن خرائط الطرق التي لا تؤدي إليهم، فيلبس الغائب قناع الميت، ويحمل الشاعر «كتابه السميك» ليكرر طقوسه في الغياب.
«في طريق سريع، يخترق برّية نائية، كنتُ. لا أعرف كيف تواجدتُ هناك؟ كان الوقتُ لحظةً مُحيّرَة بين الليل ومشارف الفجر.. تقترب شاحنة، تتوقف، ينزل رجل منها، يحمل كتاباً سميكاً، تبيّنتُ لاحقاً أنه كتاب أنطولوجي للشعر. يتلو عليّ جُمَلاً، مدارها.. النجم، الريح. ثمة جملة واضحة، بقيتْ تتردّد: كنجم تتجاذبه الريح. هي ليست لأحد «أهكذا يكون طريق الشعر؟
الشعر وما يغويه..
من الصعب تغييب شعرية المرعبي عن المنفى والعزلة، فهي تفترض تمثلها سحر فك طلاسم الغامض، وترهين شعرية الكتابة بشعرية الوجود، بوصفها جمعا للنقائض، وإشباعا لربط التاريخ بالاستعارات، والجسد بالتشهي، والمكان بالتخيل.. كل هذه المفارقات لا تخرج عن الشغف بمواجهة الفراغ، عبر أنسنة اللغة، وعبر استدعاء العالم إلى استعاراتها، فما يصنعه الشعر يصلح لترميم ما تتركه العزلة، وما يتركه الغياب، يمكن أن يجعله الشعر وعدا بالوجود وانكشافا على ما يتخفى في أطراس الغائب..
في قصيدة «كيف لي أن أكتب مثل الشعراء»، يضعنا الشاعر إزاء ما يجاور لعبته الشعرية، وإلى ما يستدعيه من الأسئلة التي تلمس أرواح الشعراء الغائبين، الشعراء الذين يكتبون ليتركوا لنا جحيم التأويل، وشهوات البحث عن أسرار ما يخفونه، وما يجعلنا أكثر انشدادا إلى ما تصنعه اللغة، عبر العرفان والسفر والحلول، وصولا إلى التقاط ما تدعوه السيرة بالمهمل، إذ هو سر العزلة، وغموض المحذوف، ذلك الذي لا يكتفي بما يثيره من القلق واليقظة والكشف، حيث يكون مسكونا بالتشهي، التشهي الذي يشبه حضور المرأة التي تغسل المعنى، وترمم الظمأ، وتؤانس الأحلام، وتمنح اللغة بهاء الاعتراف.. في هذه القصيدة يندفع الشاعر للبحث عن فرادته، عن ذاته التي ترقب العالم، وحركة اللغة وهي تتحول إلى غواية، تُحرّض على المساءلة، والاستعادة والشغف، لكنها تبقى عصية، عالقة، تربط قيمومة شعريتها بالإدهاش، وبالقدرة على جمع النقائض، وعلى أن يظل الشاعر أودوسيوسيا، حالما بطقوس العودة، وبمواجهة الأشياء/ الأعداء، فلا شيء سوى الكتابة، تلك التي تعنى بالطقوس، وبلذائذ ما يبعث على تفجير تشهي الانتظار، وبما يجعل القصيدة تبدو وكأنها نداء، أو جسد نظير، فائر، له رائحة الغواية، وشغف التعالي، وسر الباحث عن سبيل، أو الباحث عن معنى، فلا تشفع له سوى اللغة، تلك الفتنة والخطيئة والتشهي والبوح والخلاص..
كيف لي أن أكتبَ مثل الشعراء
قصيدة أُدهش لها،
تُبدي شغفاً بالحجارة،
بكلّ ما هو مهمل
تجعل من المجرّد شيئاً ملموساً
كتدفّق النجوم في السماء!
تنحتُ من الظمأ جسداً نهرياً لامرأة تطاردها الأحلام
قصيدة تذكّر برائحة الخبز تمرُّ في بال الملايين،
منتظرةً الشروق
قصيدة تقف على حافة بحر العالم مع الصيادين في انتظار اهتزاز شباكهم
قصيدة من جوع وحب وماء
يسيل فيها الحبرُ بحراً
تُشَمُّ ملوحته على الورق
حتى ليمكن رصد قاربٍ عبرها.
الحديث عن تجربة المرعبي وتحولاتها، تعني استعادة الحديث عن مغامرته الأولى، مغامرة الشاعر الحالم برمي الحجر على المرايا، وعلى شيطان الذات، حيث بدت قصائده وكأنها تحمل احتجاجا وتمردا مبكرا، وكأنها تستأذن لإباحة طقوس العصيان، والبحث عن وجود الشاعر الصاخب والمسائل، والذي يتعرّف عليه من خلال شغب الأسئلة.. حمل المرعبي الذي ينتمي إلى فضاء «الثمانينيات» من الشعر العراقي، سؤال المغايرة مبكرا، فكان مسكونا بفكرة التمرد على ذاكرة القصيدة، وعلى صخب زمنها وبياناتها، حيث أثار صوته الشعري، وصوت بعض مجايليه عددا من الأسئلة حول «هوية الجديد» و»هوية الجيل» وعلى نحوٍ جعل من القصيدة هي السؤال الأنطولوجي، أو البيان السري لفكرة التجاوز، ولمغامرتها، على مستوى إبانة ما تحمله قصيدة النثر من سمات للتجدد والتحقق، وعلى مستوى ما أثارته من أسئلة حول مفهوم «تجديد» الخيارات الشعرية، وسط عالم لم تعد البلاغة كافية لتطهيره، فكان حلم «الجيل الجديد»، أن يعي حرية خياراته الشعرية، وأسئلته النقدية، وسط أجواء الحرب والخوف والاستبداد، باحثا عن فكرة موعودة، بوهم «الخلاص الشعري» بوصفه خلاصا وجوديا، وتحرير الجسد من كينونته المضطربة، وتحرير القصيدة من تاريخها العنف والزائف.
الذهاب إلى تلك المغامرة، تعني الذهاب إلى مقاربة التجاوز الغاوي، وشغف «الهروب» من الوضوح إلى الاختفاء في معطف اللغة، وفي شراهتها الشعرية، حيث ينفتح الشعر على مساحات النثر، في سحره، وفي غموض سردياته وقصصه وأسحاره وطلاسمه، وعلى النحو الذي جعل قصيدة المرعبي المبكرة تبدو وكأنها حلمٌ نافر، يشي بما يشبه الاختلاف، ففي مجموعته الفائزة بجائزة يوسف الخال عام 1988 استشرف الشاعر أسئلة التجديد وهواجس المغايرة، بوصفها جزءا من خيارات التحول الشعري، التي أعطت لقصيدة النثر زخما، جعلها أكثر جسارة في الحضور، وفي اكتناه سؤال المغايرة، والتمرد على شعرية معاطف الآباء الذين اختلط لديهم كثير الشعر بالأيديولوجيا، وبذاكرة الرماد الوطني وبـ»مراثي» الرايات كما سماها فوزي كريم..
في قصائده الأولى كانت الجدة خيارا، ووعيا بكتابة المختلف، على مستوى حساسية تقانة الشعرية، أو على مستوى فاعلية وظائفها ووسائطها، والخروج من ذاكرة البلاغة والشعار، إلى فضاء يصلح لاستدعاء ذلك الغائب، وهو ما بدا واضحا في جملة شعرية، حيث حساسية الرؤيا، مثلما الخروج من الاحتفاء باليومي، إلى احتفاء بالمخفي والسري والمحذوف، بما يجعل القصيدة أكثر احتفاء بالاستعارات، تلك التي أثارت أسئلة جديدة، حول العلاقة المفهومية بين الشعر والنثر، وحول هوية القصيدة الجديدة، ومدى خصوصيتها في تمثيل فرادة الشاعر، وعلاقته بالتجريب والجدة في عالم الشعر ومغامراته الكبرى عربيا وعالميا..
«لم أكن في الحديقة، ساعة استعاد الجناح هواءه. لم أكن شقيق الشجرة ولا ماء الساقية. ساعة ارتفاع يدك بالمناديل، وحين أدت إلينا العصافير، دمعاً، لم أكن فيّ، وما درت أنت. كنت غصناً يسأل عن الرمل، كنت السنوات التي تكسرت والينابيع التي غاضت، كنت العيون التي تسأل النوم، كأس نعاس، وكنت اليد التي بدأت تمحي لكثر ما لوحت. لم أكن إلا ظل الأصابع التي تنسج الشراع، لم تكوني إلا الزورق الذي حملته طوال الصحراء، لم نكن إلا أرقين عبرتهما ساعة حلم… لهذا صحارانا موصلة بقوة موصولة بقرابة الرمل والسراب».
كاتب عراقي