أعشاب للمدينة وقصائد للثورة

كنت قد بدأت الكتابة في هذا الموضوع حينما قرأت منشورا للإعلامي والرّوائي السّوري شعبان عبود جاء في مستهلّه: «ليست المسألة مجرد حضور رئيس سوري للأمم المتحدة وإلقائه كلمة، المسألة هي عودة سوريا للعالم وعودة العالم إليها..»، المهم هو الخطوات التي تكشف عن حركة ما داخل سوريا تجعلها خلاف تلك التي وسمها فواز حدّاد بـ «جمهورية الظلام». والكتابة حول العلاقة بين الجزائر وسوريا ثقافيا تدخل ضمن الاستعادة الصحّية لموقف الأوطان في مواجهة التحديات.
تمثل سوريا اليوم حدثا على مستوى التفكير، إذ مرورها بتجربة صراعية طرفاها شعب مسالم لا يريد سوى الحرية ونظام دكّ العمران على من فيه مستقويا بأنظمة فاشية منها الطائفي ومنها الديكتاتوري، تلعب جميعها على حبل حفظ المصالح وتبعية نظام لا يعترف سوى بوطنٍ يسكنه رعب السّجون، ضمن هذا المناخ أعيدُ اكتشاف سوريا عبر نخبة من أدبائها وفنّانيها الذين رسموا وجه الوطن وفق منظومات الكلمة العابرة للوجدان والعقل، كلمات تحفر في المكان والزمان نوستالجيا لمعنى لا يتقيّد بما هو ظاهر بل بما استقرّ من صورة الأشياء في الباطن.
في الجزائر تجنّس، عاش ومات الأديب السّوري عبد الوهاب حقي وليد دير الزور عام 1933، وكان عضو اتحاد الكتاب الجزائريين. وكتب الرّوائي السّوري أديب حسن «قيامة جميلة»، رواية حب يجمع بين السّوري الكردي جان والجزائرية جميلة في دولة خارجية لم يسمها، وكل منهما فار من فتنة داخلية، رواية تجمع بين النقيضين، الحب والحرب. كما لا يمكن أن نغفل الشاعر أمطانيوس نفاع وليد قرية الفيحاء عام 1939، قدم ضمن البعثة التعليمية السّورية الأولى عام 1963 إلى الجزائر واستقرّ بوهران التي استمرّ بها إلى عام 1970. كتب عام 1964 قصيدة جاء فيها: «جزائرنا أبث لك التحية/وألف تحية من راحتي». ويُذكر أنّ الأديبة ملك أبيض كانت من الأوائل الذين ترجموا الأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية، فلقد ترجمت «ديوان (الشقاء في خطر) لمالك حداد، ورواية (نجمة) ومسرحيتَي: (الجثة المطوقة)، (الأجداد يزدادون ضراوة) لكاتب ياسين».
في بداية الألفية قرأت قصيدة للشاعرة والقاصّة غالية خوجة بعنوان «ضوء على الإيقاع وتحترق الكشوف»، ولمست فيها «شعرية التحول»، وأذكر أنّني تواصلت هاتفيا معها، وكانت المرّة الأولى التي أتبادل فيها حديثا أدبيا وفنّيا مع مثقف سوري. أعرف السّوريين منذ المرحلة الابتدائية، فالسّوري يحمل عمق الوجود التاريخي للإنسان، فقط إذا ذكرنا الأمويين فكأنّنا نقف مستشرفين حقبة من التاريخ العربي الإسلامي متجذّرة في تربة الحضارة ورائدة في بناء أسس الدولة بمعايير المؤسّسة. دوما يحمل السّوري عتاقة الأمكنة وشغف احتواء الجمال في كل لمسة تحيك فرشا أو تصنع أريكة أو ترسم لوحة، يجعل من الذّات وهي تعاين المكان كأنّما ترتحل بقفزة سحرية عبر الزّمن لتقبس من كل فترة معيار كينونة فاعلة وتعود بها إلى اللحظة مازجة كل ذلك لتعلّم العابر لدمشق أو حلب أو أي مدينة أخرى كيف يكون ابنا للتّاريخ.
حلّ بالجزائر الرّوائي السوري حيدر حيدر العام 1970، وغادرها العام 1974، سكن عنابة شرق البلاد، وانخرط في عملية التعريب أو الثورة الثقافية. صاحب رواية «وليمة لأعشاب البحر» مرّ من هنا تاركا بصمة اللغة وعطر الكلمات، نسج الحكاية وذكر الجزائر على لسان أحد الشّخوص: «سنزور يوما أضرحة الثوار ومواقع المعارك. أقول لك: جزائر الثورة منارة مشعة في ليل هذا الذل العربي». يفتتح الرّواية بهذا المقطع الموغل في السحرية حد العدم: «وكان صباحا مضيئا. في سماء صاحية، النوارس وهي تخفق بدت كأنّما تعلن عن غبطتها بذلك الطيران الأبيض الواهن. وفوق الأعشاب وأوراق الدغل، كان الندى يتلألأ تحت شمس خريفية».
كل كلمة تحيل إلى «عنابة»، المدينة التي ترقد على كف البحر وتغني للعابرين على تربة الوطن، أولئك الذين لا يعرفون سوى سحر الكتابة ليقولوا غربتهم، لكنّها غربة تتربّع عرشَ وطنٍ لا يؤمن بأي معنى للغربة، كل من حلّ في الوطن أصبح جزائريا، ولهذا كتب حيدر للشّاعر الجزائري عبد الحميد شكيل: «في الذاكرة لقاءاتنا في عنابة وحواراتنا التي لا تنسى رغم البعد والإيغال في الزمن».
زار في العام 1961 الشاعر الجزائري مالك حدّاد سوريا حسب مجلة الآداب وبالضبط جويلية/يوليو، ضمن جولة قادته إلى العديد من الدول العربية، وألقى عدّة محاضرات بالفرنسية حول «الجزائر ومأساة الأديب الجزائري». زار حلب وشاعرها سليمان العيسى الذي تأثر كثيرا بهذه الزيارة وصدر عنه ديوانا كاملا بعنوان «صلاة لأرض الثورة»، وقد قدّمت له ملك أبيض العيسى زوجة الشاعر السّوري متحدّثة عن هذا اللقاء: «.. إنّه اللقاء الأول بين سليمان ومالك حدّاد.. وتلاقت عيونهما.. وتصافحت الأيدي..»، كان مالك يتحدّث عن «المعجزة الجزائرية.. فكان إخوانه وجلّهم لا يجيد الفرنسية يصغون إليه بكل جوارحهم. كانوا يقرأون كلماته في عبارات وجهه».
جاء في قصيدة «تخضر زهرة» لسليمان العيسى (ضمن الديوان المذكور سالفا):
نحن يا مالك جرح/قريتي مثل قسنطينة جرح، /أبدا في دمنا منه أعاصير، ولفح..
هو هذا اللقاء الذي يجمع الجرحين إلى بعضهما ليلتئما على برء الوطن، وتلك أهمية النبض الحالم في جروح القصائد والرّوايات، أن تلتقي الأوطان في مساراتها نحو أفق التحدي الوجودي بعد انكفاءات معيقة، على ما يسجّله الفكر والعقل والوجدان، ذاك من العوامل الأساسية لتحريك عجلة «الوعي بالذات».
تشملني السعادة الغامرة وأنا أغوص في العلاقات الثقافية بين الجزائر وسوريا لأنّ «الهوى الثقافي» لا يقف عند حدود الممكن والبراغماتي، بل يتعدى ذلك إلى تخييل ما المستحيل واللاممكن واستمداد آلاف الأفكار حول اللقاء بين الأوطان، لقاء يحمل إمكانية تحقيق الحلم الأبدي في «الوحدة»، هذا ليس أبدا وسوسة قومجية، لأنّ اللحظة الرّاهنة خلاف تلك اللحظة التي حملت فقط وعي «السلطة الواحدة» و»الزعيم الأوحد» فأخفقت كل محاولة للقاء، لفقدانها العنصر الأهم وهو الوعي السياسي والثقافي بعنصر الشعوب في معادلة الوحدة والفعل المسند بعمود العقل، ذاك الذي يعتبره برهان غليون مضافا إليه الحرية في آخر جملة من كتابه «اغتيال العقل» بأنّهما لا ينفصلان، في نقد شديد لوهم الأيديولوجيا الواحدة.
أستعيد محي الدين اللاذقاني صاحب كتاب «آباء الحداثة العربية، مدخل إلى عوالم الجاحظ والحلاج والتوحيدي»، وليد سرمدا المشهورة بعمودها الروماني الذي لا يوجد مثيلا له سوى في روما. تسأله بروين حبيب عمّن يشبه إذن، في استراقة مخاتلة للحوار تمر جملة «لا أشبه إلا نفسي»، لكنّه يجد – (مستدركا) – أكثر الأشخاص الذين يشبهونه الحلاج، الصوفي الثائر. بسبب قصيدة كتبها عام 1973، اقتيد من الجامعة إلى السجن. بعد الفصل من الجامعة عام 1974، كان أول خروج له من سورية والوجهة كانت الجزائر وبالضبط مدينة جيجل الساحلية. في هذه العجالة يهمّني هذا الاقبال على الجزائر من قبل النخبة السّورية، أنا الذي عشت سنوات الدراسة المبكرة منذ نهاية الستّينيات واعيا بهذه العلاقة، فمن بين أساتذتي منذ الابتدائي مرورا بالإعدادي وحتى الثانوي كان السّوريون في المقدّمة. يقول عنه الكاتب والإعلامي الرّاحل عبد العزيز بوباكير الذي عرفه عن قرب: «أحبّ محي الدين شواطئ جيجل، وكان يفضّل الجلوس في المقاهي المحاذية للبحر، ويبحر بنظرته الحزينة في الأفق البعيد. وكانت مدينتي جيجل تذكّره باللاذقية».

كاتب جزائري

اترك تعليقاً

إشترك في قائمتنا البريدية