يناقش برنامج «المتاهة الأخلاقية»، على راديو «بي بي سي 4 « البريطاني، قضايا سياسية شائكة من وجهات نظر أخلاقية. في حلقة له مخصصة لمناقشة اعترافات دول غربية، بينها بريطانيا وفرنسا، بالدولة الفلسطينية، استمعت لكاتب بريطاني يدعى جيك والاس سايمونز، يتحدّث عن «أخلاقية» ما يجري في قطاع غزة.
اعتبر سايمونز، مؤلف كتاب «كيف خان الغرب إسرائيل ونفسه؟»، اعتراف بريطانيا وفرنسا بالدولة الفلسطينية خيانة جديدة من الغرب لإسرائيل. لخّص محرر «جويش كرونيكل» السابق، الأمر بثلاث لقطات: مقاعد إسرائيل الشاغرة في الجمعية العامة عندما أعلنت «القوى الاستعمارية الجديدة»، كما سماها، «حلا غير موجود أصلا» (أي دولة غير موجودة)، والثانية ابتهاج «حماس» بالقرار، والثالثة هي رسالة عائلات الرهائن الإسرائيليين إلى كير ستارمر «تتوسل إليه ألا يفعل ذلك».
حسب سايمونز فإن الفلسطينيين «يتمتعون بحماية كبيرة»، كيف؟ «يطلب الإسرائيليون منهم المغادرة قبل مهاجمة حماس. هذه حماية جيدة جدا بالنسبة لي». أحد المناقشين سأله: «هل تقترح أنه ما كان ينبغي أن يموت الفلسطينيون لو أنهم نفذوا التعليمات فحسب؟» فرد: «حماس تستخدم استراتيجية التضحية البشرية بعد أن وضعت إسرائيل في موقف مضطر أخلاقيا للدفاع عن مواطنيها، والقضاء على حماس، وإعادة شعبها من غزة». حسب قوله: «حماس اندست بين المدنيين، محاولة استدراج إسرائيل للتسبب بأكبر عدد ممكن من الضحايا المدنيين».
يلبّي سايمونز «المطلب الأخلاقي» بإعلان أنه مع حق الفلسطينيين تقرير مصيرهم وفي إنشاء دولة «مسالمة إلى جانب دولة إسرائيلية آمنة»، ولكن ما يفعله عمليا هو تقديم مثال عن «التفكير المزدوج» الذي ابتكره جورج أورويل في روايته «1984» حيث تحمل الفكرة نقيضها القاتل.
يؤكد سايمونز، من ناحية، أن حياة الفلسطيني مساوية لحياة الإسرائيلي والبريطاني، لكنّه يفسّر المقتلة الهائلة الجارية التي سفكت أرواح أكثر من عشرين ألف طفل، بأن الفلسطينيين لم يلتزموا بتعليمات الجيش الإسرائيلي. أما في موضوع الدولة التي يعاديها بشدة، ويعتبر اعتراف الغرب بها خيانة لإسرائيل، ففشلها سببه أن الفلسطينيين «للأسف، رفضوا ذلك عدة مرات في عامي 2000 و2008 في اتفاقيات أوسلو». مرة أخرى، الضحية هي المسؤولة عن قتلها لأنها لا تلتزم بالتعليمات، والفلسطينيون مسؤولون عن فشل إنشاء دولتهم، لأنهم «يفضلون الدماء والدموع على السلام»، ولأن تلك الدولة لا تمتلك معايير مونتفيديو لإعلانها ومنها أنها «لا تسيطر فعليا على أراضيها»!
ميلوسوفيتش وتشومسكي!
يزوّدنا مثال آخر من يوغوسلافيا السابقة بإضاءات على الفكرة: بعد لقاء حادّ وقاس مع صرب يشتكون من اضطهاد جار ضدّهم من قوميّات أخرى، انتفض سلوبودان ميلوسوفيتش، رئيس «جمهورية يوغوسلافيا الاتحادية: حينها قائلا: هذا سيتوقّف منذ الآن. شاهدت هذه الفقرة في برنامج وثائقي على «بي بي سي» واعتبرتها تعبيرا عن «اللحظة الحرجة» التي تعتبر الإعلان العملي عن سقوط السردية الشيوعية المركزية التي آمن ميلوسوفيتش بها طيلة حياته وانقلابه إلى قوميّ صربيّ، يريد فرض هيمنة قوميته على باقي البلاد، وليقود حملات تطهير عرقي واسعة في دول البلقان.
اتهم ميلوسوفيتش في عام 1999 من قبل المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة بجرائم حرب بينها، الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، ولكنه اعتبر محاكمته غير قانونية وأدار دفاعه الخاص في محاكمة استمرت 5 سنوات وتوفّي في زنزانته في لاهاي قبل أن يصدر حكم عنها في عام 2006.
سنشهد مثالا آخر أكثر تعقيدا على الدفاع عن الإبادة من قبل صرح يساريّ كبير هو نعوم تشومسكي، في كتابه «الإنسانية العسكرية الجديدة: دروس من كوسوفو» (1999). يتجاهل تشومسكي في هذا الكتاب وجود حربين في كوسوفو، الأولى هي حرب حلف الأطلسي على دولة صربيا، والثانية هي حرب صربيا على الكوسوفيين، الذين كانوا أول من ثار من شعوب دولة يوغوسلافيا.
ينشغل تشومسكي، في كتابه ذاك، في مقارعة الامبريالية الأمريكية، فيتجاهل مخيمات الاغتصاب والقتل الجماعي ضد أقلية دينية وعرقية، وفي حمأة انشغاله بفضح المصالح الكامنة وراء «إنسانية» أمريكا، ينكر حصول إبادة، لأن من قتلوا لا يتجاوز عددهم 2500 كوسوفي، ولأن قتلهم جاء انتقاما من هجمات الناتو، ويتجاهل أن عملية «حدوة الحصان» الصربية، سمّيت كذلك تيمنا بالتكتيك الذي اتبعته الميليشيات الصربية في البوسنة بتشكيل عسكري للحصار على شكل حدوة الحصان لقتل واغتصاب الفارين، كما يتجاهل إرسال ميلوسوفيتش لأربعين ألف جندي من هذه الميليشيات نحو كوسوفو لتكرار ما فعلوه في البوسنة. لا يستخدم تشومسكي صفة «إبادة» لوصف مقتل آلاف الكوسوفيين، لكنه يستخدمه لوصف مقتل العشرات من الصرب!
أذية الآخرين أمر عادل!
تكتسب إضافة إرفن ستاوب، في كتابه «جذور الشر» (1989)، أهمية بنقلها تحليل المسألة من حيّز الجنود المتخصصين بالقتل، إلى إطار عام يربط بين الفرد الموجود في مؤسسة متخصصة بالحرب، بالمجتمع، حيث تلقى جرائم الإبادة تأييدا وأحيانا مشاركة شعبية، ويركّز ستاوب في كتابه على تأثير السرديات الثقافية، وشروط الحياة القاسية، وآليات عمل الجماعات في تغذية العنف ضد «الآخرين». وعليه فإضافة إلى آليات الامتثال، والحوافز المهنية، والعمل التدريجي على إدخال الجنود، أو الجماعة، في دائرة تقبّل القتل، يلعب إقصاء الآخرين من الحيز الأخلاقي دورا في تسعير الكراهية ضدّهم وتجهيز الجماعة للقيام بعمليات إبادة، وهو ما درسه الكاتب الأمريكي سكوت شتراوس، الذي درس حالة رواندا، حيث حلل كيف شارك أناس عاديون في مجازر معممة، وكيف ساهمت قصص الكراهية القديمة جدا في تكريس «نظام للإبادة».
الإضافة الأخرى التي قدّمها المؤرخ الفرنسي جاك سيميلن، في كتابه «طهّر ودمّر» (2009)، كانت عن تحوّل مخاوف الجماعات إلى يوتوبيات حول «تطهير العالم» من الجماعات الأخرى المعادية، وعن «عقلانية استيهامية» تدفع الجماعات إلى تطهير أنفسها من خصومها الافتراضيين، وهو ما يفسّر ما حصل في ألمانيا النازية، وفي رواندا، وحاليا في فلسطين، بمشاركة أناس عاديين في وبما يسميه الكاتب الأمريكي سكوت شتراوس، تشكيل «نظام للإبادة».
تشكل أهمية الإقصاء الأخلاقي للآخرين في جعله الأذى، الذي يلحق بأعداء الجماعة أمرا عادلا وضروريا. تتبع ذلك ديناميّات نفسية وسياسية تنزع الصفة البشرية عنهم، وتكرر وصفهم بالأوبئة والحيوانات، وتداول شائعات عن وحشيتهم وبناء سرديات «دفاعية» تقلّل من التعاطف معهم وتجعل العنف ضدهم «طبيعيا»، في الأثناء يقوم ساسة الجماعة الإبادية بتكثيف أوضاع الخطر، وإعلاء الحدود مع الجماعة الأخرى، ونشر المسؤولية بحيث تتشارك الجماعة تقسيم العمل، عبر الأوامر، والتحركات، والقرارات الرسمية، وهو ما يساعد القتلة على رؤية أنفسهم جزءا من نظام أخلاقي!
كاتب من أسرة «القدس العربي»