أسماء الآلات الموسيقيّة هي أيضاً موسيقى؛ الدّفّ، القيثارة، النّاي… لكنّ أدوات موسيقى الحرب ليست كذلك؛ إنها (الدّبادب) و(الكنّارات) و(الكوسات)، كما تخبرنا كتب التاريخ والأدب. أوّلها كان البوق البدائيّ الرّهيب، المصنوع من قرن الوعل الرّئيس على قطيعه. عندما يُطلَق النّفير يعلو دويٌّ فيُغير الجنود بصراخ كبير يعتبره القادةُ السّلاحَ الأوّلَ في المعركة. كان بأس الجيش في الحروب القديمة يتطلّب صيحةً عظيمةً تُدعى «الياو»، وهو الحدّ الأقصى للصّوت الإنسانيّ، ومن يزعق أعلى يكون صاحب اليد الطّولى في الفوز. من البوق البدائيّ اقتَبست صفّاراتُ الإنذارِ في المدينة الحديثة صخبَها، وهي تمثّل صوت اللاشيء، وما تقوم به أنّها تنذر الجميع بأن العدم سوف يحلّ. إنه اكتناهٌ أوّليّ وبديهيّ لعالم الفوضى. قالوا: «اللاشيء والفوضى مترادفان».
في الحرب تزداد التّوتّرات بيننا، ويكثر العنف في المجتمع ويتدهور فنّ الموسيقى فيغدو وحشيّاً إلى حدّ ما، وتختلف ردّة فعلنا التي تحرّكها الموسيقى الصّاخبة عن الهادئة، أمّا الصّراخ والصّيحات العنيفة فهي تخترق جسد الإنسان وتنفذ إلى أعماقه، ويفسّرها بأنّها خطر عليه فنستعدّ عندها للقتال. أوّل خطوة نقوم بها هي أن نُطلق صراخاً يُواجه الصّيحات المهاجمة، وعندما يطول زمن التقاتل، تصير هذه الأعراض خبزاً سلوكيّاً للجميع، فيفرغ الصّوت البشريّ من طبيعته، ويتحوّل إلى شيء شبيه بالعواء، الذي هو ردة فعل الحيوان الكائن فينا، عندما يهدّده خطر لا قدرة له على مجابهته.
جاء الأمريكان إلى العراق عام 2003، وكنت أسكن في حيّ «العامريّة» القريب من مطار بغداد، حيث جرتْ المعركة الأولى بين الجيش العراقي وقوّات الاحتلال، كانت طائرات الأباتشي تُطلق جلبة تشبه صريفاً ناتجاً من أثر شحطة آلاف الأطنان من الحديد على سطح المنزل. كان الصّوت الرّهيب يبلغني وأنا على بعد حوالي 30 كيلومتراً من أرض المعركة. طائرة الأباتشي تحمل على رأسها قرن الوعل الهادر في سماء المدينة الآمنة. من كان يظنّ أن قوات الاحتلال سوف تأتي إلى البلاد ومعها صيحة «الياو»؟ إنها القصة القديمة نفسها، والغابة هي المبتدأ وهي الخبر، وصراع الإنسان مع الإنسان لا يختلف عن صراعه مع السّباع، أو أنه امتداد طبيعيّ له.
أكثر الفنون ارتباطاً وتمثيلاً للحياة هي الموسيقى؛ نغمة واحدة شجيّة يمكن أن تشعل في كلّ خليّة من جسدِنا احتداماً تكون نتيجتُه عاطفةً بالغةً تشدّ بيننا أواصر الحبّ والسّكِينة، إلى درجة أنّ أحدنا يكون بمقدوره سماع تردّد الهواء في رئتي ودقّات قلب الشّخص القريب إليه، والبعيد كذلك، واستنشاق رائحته. يقول رامبو: «نقرة واحدة منك على الدف تُطلق جميع الأصوات. أيها القادم من بعيد، سوف تصل إلى كل مكان». الأنغام، عدا تلك التي تدعو إلى الحرب، كلها متشابهة، قليلاً أو كثيراً، وفيها تعبير عن حاجتنا إلى الآخرين، وإلى الشعور المكثف بالعزلة في الوقت نفسه. ثمة مكان في القلب لن يُملأ أبداً ويظل شاغراً، حتى في خلال أفضل الأوقات، وأصعبها. كما أننا لا نعرف شيئاً عمّا يسدّ هذه الفجوة، لكن حدسنا يستشعره. الحياة العارية تتخلّق في الموسيقى ومن خلالها، فيها اليقين الذي يُريح القلوب، وفيها أيضاً فكرة الوطن التي لا يمكن مضاهاتها أو فهمها على أكمل وجه، ولهذا السبب كانت حقيقية. بعضنا يصدّق ما قاله نجيب محفوظ، أن «وطن المرء ليس مكان ولادته، ولكنّه المكان الذي تنتهي فيه كل محاولاته للهروب»، وبعضنا يكذّبه. الشّاعرة الفرنسيّة «أندريه شديد» جاءتنا بتعريف غريب، لكنه كامل: «وطن المرء أو مكانه لا تحدّه خريطة الجغرافيا، بل خريطة الأعماق».
جميع الأوطان، بواسطة الموسيقى، وطنٌ واحد، وكذلك الشّعوب المتعدّدة، هم من سلالة واحدة، وجاؤوا من أمّ واحدة. يقف «أولاي» بجوار سرير زوجته «مارتا» في رواية «صباح ومساء» للنرويجي «يون فوسه» (نوبل 2023)، وكان الزّوج يتطلّع إليها، والمولود الجديد، ابنه، يرقد على ثديها. يفكّر الزّوج في أن يقول شيئاً، فهو لا يمكن أن يظلّ واقفاً هكذا، متلعثماً، دون أن يتفوّه بكلمة. تفتح «مارتا» عينيها وتنظر إليه، لكنه يتعذّر عليه فهم ما تقوله عيناها، وكانت تبدو كأنّها تتطلّع إليه من مكان سحيق، وتعرفُ شيئاً لا يعرفه. يفكّر الزّوج في الأمر، ويكتشف أنّها تعرف شيئاً انغلق عليه فهمه ولن تفصح عنه لأحد أبداً، وهو على يقين من أنّها لا تقدر أن تفصح عنه لأنّه لا يُقال. وضعَ الروائي يون فوسه يده على الحقيقة السّامية في الوجود، والتي لا يمكن التّعبير عنها بكلمات أو بواسطة أفعال. إنّها فكرة الوطن والانتماء إلى أرض واحدة تشبه الأم الواحدة. النساء حين يُنجبننا، يصنعن لنا أوطاناً، ويشارك الروائي يوسه في هذا الرأي الشاعر بودلير، فهو القائل: «طفولتنا هي الوطن»، والطفولة هي اختزال حيّ لفكرة الأمومة.
استعمل الأمريكان صرخة الأباتشي في مطار بغداد لزعزعة أركان هذه الخريطة لدى العراقيّين، وربّما نجحوا في ذلك، وإلا ما فائدة صرخة «الياو» تُطلقها مروحيّة حربيّة قادرة على حمل دبّابة، ومعها فرقة عسكريّة مجهّزة بالسّلاح؟
إن سبب التّقاتل بيننا ليس العوز إلى الحبّ، بل اللّامبالاة، فهي التي تقف وراء إهدار دم الملايين من جنسنا. أنظرُ إلى الأحداث التي تجري في غزّة هذه الأيام، ويتملكني الشعور بأنّ أهلها أهلي، ولدتهم أمّ تشبه أمّي، وتملك مثلها السّرّ الأسمى؛ أي خارطة الوطن. الجيش الإسرائيلي ينهش المدينة منذ سنتين، بلذة ساديّة، وجنوده حاضرون في كل ركن، ومع هذا يحاول الناس، ما بين عدم اليقين والقلق، تنظيم أنفسهم بلا كلل. ثم قرّر رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو اجتياح المدينة، وتناقلت وكالات الأنباء أوامره إلى الجيش بـ «هدم غزة من جذورها». لكننا يجب ألا نكون ضيّقي الأفق، وننظر إلى الأحداث في ظاهرها. الحسابات التي أجراها الرجل مع وزير دفاعه ورئيس أركان جيشه كانت خاطئة، كما لو أن الثلاثة لم يكونوا في وعيهم التام. يصف وليد خازندار، شاعر فلسطين، بلاده بهذه الصورة:
«نحن ندفعُ فديتها كاملة كلّ يوم
تكلّفنا ما نقدرُ عليه، وأكثر
ما لا يزولُ
ما لا يُستعادُ
ما لا يمكن استرداده حتّى بها
ما من أجله تكون البلاد».
السرّ الذي كشفه يون فوسه يعود ثانية هنا، ولكن بصيغة الشعر. الوطن هو الأمّ التي تحمل خريطة الأعماق، وليس لها بدلٌ أو خلفٌ أو عوض. الوطن هو «السكن الذي فيه الغذاء والوفاء، والأهل والولد» (الإمام محمد عبده). «الروح وطن والبدن والثياب والدار والدرب والمدينة» (الشيخ حسين المرصفي). «الوطن هو إطار الصداقات العظيمة» (محمد خضير). الوطن هو الكلمة الوحيدة التي تأتي بصيغة جملة. تعريفُ أستاذ الدراسات الصوفية كامل مصطفى الشيبي يجُبّ البقية: «وتعجبني الأرض التي لا هواؤها ولا ماؤها عذب، ولكنها وطن». في الظروف الراهنة أفكّر في أهل غزة وتحضرني ظلالهم الشّفيفة والجليلة، حينما تغادر أرض الوطن إلى السّماء أو إلى لا مكان. لا فرق بين المكانين ما دمنا لا نراهم ولا نسمع أصواتهم. أهمّ ما في الأمر أنّ خريطة مدينتهم وهي تحترق تزداد رسوخاً لديهم، فتكون الهجرة والموت عندها بسيطيْن، ويشبهان الخروج من البيت إلى الشّارع. العودة مضمونة لأنّ مفاتيح البيت وخارطته محفوظة في أعمق مكان في القلب.