عندما كتب دوستويفسكي روايته الأولى «الفقراء»، كان يسكن مع صديقه الأديب جريجورييف. وحين اكتملت المخطوطة، قرأها الأخير وأعجب بها أيّما إعجاب، فحملها بنفسه إلى الناقد الشهير آنذاك نكراسوف من دون أن يُعلم دوستويفسكي. وفي اليوم التالي، رنّ جرس البيت، ليجد دوستويفسكي صديقه والناقد على عتبة داره. اندفع نكراسوف نحوه بحرارة، عانقه وأغدق عليه القبل كأنه يعرفه منذ زمن بعيد، ثم ناداه بلقب سيلازمه طوال حياته: «أمل روسيا». جلس الزائران يتحدثان عن الرواية حتى بزغ الفجر، بينما ظل دوستويفسكي يراقبهما عند رحيلهما والدموع تترقرق في عينيه، مردداً: «يا لهم من شخصين نبيلين، ما أطيبهما! لو أنهما فقط استطاعا أن يريا السواد الذي في داخلي.. يا لي من شخص زائف!».
هذه اللحظة، بما حملته من حرارة وعاطفة واعتراف صادق بالموهبة، صارت جزءاً من خلود الأدب. لم يكن دوستويفسكي زائفاً كما ظنّ في تلك الساعة، لكنه انكشف أمام نفسه كطفلٍ يرى في الآخرين صفاءً مطلقاً ويخجل من ظلاله الداخلية.
كان يعرف أن ما فعله ضيفاه لم يكن عن مجاملة أو طمع، بل عن احتفاء أصيل بالإبداع. ومن هنا جاء ارتباكه.
في مثل هذه اللحظات يهبط الفن فجأة في أعماق النفس، فيوقظها على تناقضاتها، ويكشف لها أن الخطيئة والبراءة تسكنان جنباً إلى جنب داخل الكيان البشري!
لكن، لماذا شعر دوستويفسكي بالزيف؟ ولماذا وصف نفسه بالسواد؟
الجواب، بتقديري، هو أن الفن يثير في الإنسان تلك اللحظة التي يتوهّم فيها أنه بريء تماماً، طيب بلا شوائب، وكائن بلا خطايا. إلا أن هذا الوهم لا يصمد طويلاً، فسرعان ما يتذكّر أن بداخله طبقات نفسية غائرة، تختبئ فيها الغرائز والرغبات المكبوتة، وتنعكس في لحظات الضعف أو الحلم أو الكتابة.
يتعامل الناس غالباً مع ذواتهم تعاملاً سطحياً، يهربون من ضرورة المشرط الذي يحفر عميقاً في النفس، بينما الفنان وحده هو من يتورّط بهذا النبش المؤلم. إنه يفتح الكهوف الداخلية، يضع المرآة أمام الظلال، ويحوّل النزيف النفسي إلى كلمات أو ألوان أو موسيقى.
في حالة دوستويفسكي، كان الأمر أوضح من أي كاتب آخر؛ لأنه المكتشف الأول لعلم النفس البشري في الأدب. كتابته كانت أشبه بسباق مع العتمة، يلهث فيها خلف أعماقه كما يلهث عدّاء في ممرّ معتم لا نهاية له. فكل رواية كانت بالنسبة له مواجهة دامية بين الخير والشر في قلب الإنسان، وصراعاً مع سؤال مؤرق: هل أنا شخص جيد بما يكفي؟!
هذا السؤال لا يتوقف عند حدّ الأخلاق، لقد كنت أفكر دائماً به؛ حتى يتسلل إلى أحلامي المقلقة التي يصعب تفسيرها، ولكنها تشي بأني لست كما كنت أظن بأنني عليه، فأهوي داخل الكتابة دفعة واحدة، وهنا تتحول الكتابة إلى كهف عميق ومظلم أتقاتل فيه مع ذواتي المتعددة، حيث تحاول «الأنا» الواعية أن تنتصر للخير الذي أعرفه، بينما الأنا الأخرى، الغامضة والمخبوءة، تسحبها إلى الشر الذي لا أعرفه.
في عالم اليوم، ومع ازدياد موجة التوكيدات الإيجابية التي يرددها الإنسان المعاصر ليطمئن نفسه أنه ما زال «جيداً نسبياً»، يزداد الاغتراب الداخلي. هذه الطمأنة السطحية تخلق فجوة ضخمة بين الأنا العليا كما يسميها فرويد، والهوّة السحيقة المليئة بالرغبات والغرائز. وهنا يكمن سوء التفاهم الأكبر في علاقتنا بذواتنا: نحن نتصالح مع سطحنا المزيّن بالكلمات المطمئنة، ونترك أعماقنا تغلي في صمت.
الفن يأتي ليقلب المعادلة. إنه لا يكتفي بالسطح، بل يهبط إلى القاع، يفتح الجرح ويضعه أمام الضوء. لهذا، كان دوستويفسكي يشعر أحياناً بالزيف: لأنه يعرف أن في داخله مناطق لم يلمسها الآخرون، وأن لحظة الاحتفاء العفوي بروايته جعلته يرى نفسه في مرآة أكثر نقاءً مما يحتمل. هذه المفارقة: أن تكون مكرّماً في الخارج بينما تتصارع مع سوادك في الداخل، هي بالضبط لبّ التجربة الفنية.
من هنا نفهم سرّ الخلود في الأدب والفن: إنه ليس مجرد حكاية تُروى أو لحن يدوي، بل لحظة استثارة عاطفية تُمسك بالجوهر البشري، تكشفه وتعرّيه، ثم تعيد صياغته في صورة أعمق. الفن يهبنا الشجاعة لنرى ما لا نحب أن نراه في أنفسنا، ويمنحنا الرحمة كي نتقبل أننا لسنا أنقياء ولا ملائكة، بل بشر متناقضون.
وكما قالت الكاتبة سارة كروس: «الفن يُنقذ الأرواح… إنه يمنحنا شجاعة ورحمة قد لا نمتلكها بمفردنا».
ولعل خلاصة التجربة كلّها تكمن في عبارة جورج براك: «الفن هو جرح تحوّل إلى نور».
ففي النهاية، لم يكن دوستويفسكي زائفاً، ولم يكن أقل نبلاً من الآخرين؛ كان فقط يعرف أن جراحه أعمق، وأن الكتابة وحدها قادرة على أن تفتح هذه الجراح وتحوّلها إلى نور يتجاوز حياته ليضيء أرواحاً أخرى.
هكذا تسمر بباب بيته طويلاً يراقب انقشاع الضباب عن صديقين يغيبان في الدرب مخلفين هيكل رجل ملتح سيدعى بعد ذلك بأمل روسيا.